ترجمات

القطبية الجديدة وعواقب تشكيلها: وجهات نظر الصين وروسيا

تشاو هوا شنغ /   أندري كورتونوف  .. 7 ديسمبر 2020

رابط المقال الأصلي

لا تقبل السلطات الصينية، ولا تتّبع رسمياً مفهوم القطبية الثنائية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية. حيث لا تتفق ما تسمى بالإدارة المشتركة G2، ولا المواجهة ثنائية القطب بين الصين والولايات المتحدة؛ مع الفلسفة الدبلوماسية والسياسية لجمهورية الصين الشعبية. في ذات الحين لا تدعم الرواية الرسمية الروسية؛ فكرة أن العالم يتجه نحو ثنائية القطبية الجديدة؛ بل على العكس، فهي تصر على التحول التدريجي للنظام الدولي أحادي القطب الموجَّه للولايات المتحدة في أوائل القرن الحادي والعشرين؛ إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب (أو متعدد المراكز).

على الرغم من ذلك، فإن مسألة تشكيل نظام ثنائي القطبية؛ بمشاركة الصين والولايات المتحدة؛ تثار بشكل متزايد في الأوساط الأكاديمية الصينية والروسية. وقد أصبح الأمر أكثر أهمية بعد انتشار كوفيد 19؛ وتدهور العلاقات الصينية الأمريكية على إثره بشكل حاد، فتصاعدت الصراعات بين البلدين، وأصبح الاستقطاب الثنائي في عالم ما بعد كوفيد 19 موضوعاً ساخناً للمناقشات الأكاديمية والسياسية الخاصة بالسياسة الدولية.

على نحو متزايد، ينظر الباحثون في العلاقات الدولية المعاصرة؛ إلى ثنائية القطبية، من خلال منظور المواجهة بين الغرب والشرق (أو بين الديمقراطيات الليبرالية والأنظمة الاستبدادية غير الليبرالية، بين الأطلنطي والأورآسيوي، بين القوى البحرية والقارية، إلخ)، والذي يبدو للوهلة الأولى غير قابل للتوافق. مثل هذه النظرة الشعبية للنظام العالمي، تعتبر تحليلاً غير متحيز لأهمية ثنائية القطبية بالنسبة لبكين وموسكو، فضلاً عن فهم ما إذا كانت ستتوافق مع التصور الصيني والروسي للنظام العالمي الناشئ.

ثلاثة أنواع من القطبية الثنائية

هناك ثلاثة أنواع على الأقل من القطبية الثنائية: السياسية، والهيكلية، والقيمية.

القطبية السياسية؛ هي ثنائية القطبية بالمعنى الجيوسياسي لهذا المصطلح، والتي لها خصائص معينة؛ وعدد من النتائج على الوضع الدولي؛ وتأثير الدول التي تمثل قطبين من النفوذ الدولي. ومن الأمثلة على هذا النوع من القطبية الثنائية؛ السيطرة المشتركة؛ أو المواجهة ثنائية القطب.

أما القطبية الهيكلية فيتم عرضها من الناحية المادية؛ على أنها تعكس التفوق الواضح للقوتين الرئيسيتين على القوى الدولية الفاعلة الأخرى، بسبب الامكانات المادية المتاحة لهاتين القوتين. وبذلك فإن ثنائية القطبية المادية أو الهيكلية أساساً تشكل أساس ثنائية القطبية السياسية، حيث تنشأ الأخيرة على أساس الأولى.

أخيراً، تشير ثنائية القطبية القيمية؛ إلى أنه عند تحديد القطبين، يجب على المرء أن يأخذ في الاعتبار الاختلافات بين الجهات الرئيسية الفاعلة حول القضايا القيمية.

على وجه الخصوص، الديموقراطيات الليبرالية، بحكم التعريف، لا يمكن تخصيصها لأقطاب متقابلة بسبب التقارب بين قيمها. فالاختلاف والتضارب القيمي يجب أن تنعكس في الحد بين القطبين، على سبيل المثال، الديمقراطيات على النمط الغربي، والأنظمة الاستبدادية غير الغربية المختلفة.

هذه الأنواع الثلاثة من القطبية الثنائية؛ هي فرضية لنظرية مهمة في تحليل القطبين، ونقطة انطلاق منطقية لفهم التناقضات في المناهج المعرفية والنظرية للصين وروسيا والغرب لهذه القضية. ففي الصين، من المعتاد التركيز على المكون المادي للقطبية الثنائية (أو القطبية المتعددة). في البداية، بالنسبة للصينيين، للهيكل الدولي سمة طبيعية. بغض النظر عن ماهية النظم المكونة للنظام العالمي الدولي (أحادي القطب أو ثنائي القطب أو متعدد الأقطاب)، فإنه يعكس بشكل عام حالياً عدم التناسب في القدرات المادية للجهات الفاعلة الدولية. فإذا كان لدى أي من الفاعلين قدرات مادية تتجاوز بكثير قدرات “اللاعبين” الآخرين، فيمكن اعتبار هذا النظام ثنائي القطب. هذا المصطلح ليس له أي دلالة سياسية: فهو بطبيعته لا يتحدث عن المواجهة أو التعاون. يتم تحديد طبيعته السياسية من خلال قرارات هذين “القطبين”، والتي يمكن إما اتباع فكرة التعاون المتكافئ، أو اتباع سياسة المنافسة والمواجهة.

أما في روسيا، كقاعدة عامة، وعند تحديد “القطب” في الساحة الدولية، يكون التركيز على العنصر السياسي. وهذا النهج يعكس السياسة النشطة للخارجية الروسية، ومبادراتها الهادفة إلى إظهار القوة، بينما تعاني البلاد من نقص نسبي في القدرات المادية. فغالباً ما يُزعم في موسكو، أن الولايات المتحدة والصين وروسيا؛ هم من يشكلون قمة السياسة العالمية. ويقال إن الضعف الواضح في القاعدة المادية للاتحاد الروسي؛ يمكن تعويضه من خلال قدرته المذهلة على التركيز على تحقيق أهداف محددة للسياسة الخارجية، والقدرة على تعبئة الموارد اللازمة، والاستعداد للحفاظ على استراتيجية متسقة طويلة الأجل في مناطق مختلفة، وما إلى ذلك. من خلال هذا النهج، يمكن لموسكو أن تقفز إلى ما هو أبعد من امكاناتها، مما يضيف بُعداً آخراً مهماً للعلاقات الأمريكية الصينية.

من الشائع في الغرب؛ التركيز على الجانب القيمي، الذي يقيس القطبية الثنائية. ليشير هذا النهج المانوي للعلاقات الدولية إلى أن الثنائية القطبية الهيكلية تتحول إلى سياسية وتصبح تصادمية، ويرجع ذلك أساساً إلى عدم تطابق القيم التي قد تكون موجودة بين اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية. إذا لم يكن لدى قادة العالم (أحدهم يضعف، والآخر، على العكس، يكتسب القوة) تناقضات قيمية (على سبيل المثال، بريطانيا العظمى والولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر – أوائل القرن العشرين)، فلن يكون النظام ثنائي القطب حقاً. في أحسن الأحوال، يمكن القول إن النظام يحتوي على بعض عناصر القطبية الثنائية. ومع ذلك، إذا كانت هناك فجوة قيمية (الولايات المتحدة؛ والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة)، فإن النظام يصبح ثنائي القطب بالمعنى الكامل للكلمة.

نوع جديد من العلاقات بين القوى العظمى مقابل «فخ ثوكيديدس»

استنادًا إلى الافتراض النظري؛ بأن العلاقات السياسية بين القوى العظمى مرنة، تطرح الصين مفهوماً لنوع جديد من التفاعل بينهما، والذي يفترض مسبقاً علاقات تعاونية ومتساوية ومتبادلة المنفعة. يتناقض هذا النهج مع نظرية “مصيدة ثيوسيديدس” الشائعة، والتي بموجبها تعتبر طبيعة المواجهة للقطبية الثنائية طبيعية وحتمية، ولا يمكن تغييرها. بعبارة أخرى، تشكك الصين في الافتراض القائل بأن العلاقات الثنائية القطبية هي حصرية المواجهة.

من خلال فهم هذا الجانب؛ تظهر الاختلافات في الإدراك بين الصين والغرب. فإذا كان محكوماً على القوى العظمى بالعداء، فإن نظرية نوع جديد من العلاقة بين تلك القوى، التي طرحتها الصين، تفقد أهميتها. من ناحية أخرى، إذا تم إثبات نظرية العلاقات بين القوى العظمى، فإن “فخ ثيوسيديدس” ليس سوى أحد النتائج المحتملة، ولكنه ليس الوحيد بأي حال من الأحوال. على الرغم من أن ظهور العلاقات العدائية ثنائية القطبية، من الناحية النظرية والعملية، أسهل من العلاقات التعاونية، لأنه بالنسبة لظهور الأول، فإن نوايا وأفعال أحد الطرفين كافية، بينما لتشكيل الأخير، يجب أن يكون لكلا القطبين نوايا مشتركة.

من الواضح أن روسيا تشارك الصين رأيها؛ حول استحالة أي حتمية؛ في طبيعة العلاقات بين أقوى قوتين عالميتين. في الواقع، حتى أثناء الحرب الباردة كانت هناك فترات من استرخاء التوتر، وانفراج معين بين موسكو وواشنطن. ومع ذلك، فإن الرأي السائد هو أن الغرب (وبشكل أكثر دقة، الولايات المتحدة) لن يتخلى عن مطالبه؛ بالهيمنة على العالم في المستقبل القريب. لذلك، فهو لن يقبل ثنائية القطبية “التعاونية” أو التعددية القطبية، ناهيك عن عالم ديمقراطي وشامل؛ متعدد المراكز حقًا. بشكل عام، تعتقد موسكو أنه ما لم تحدث تغييرات جوهرية في مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية، بغض النظر عن السياسيّ (رئيس الدولة) على رأس الدولة، فإنها ستحاول إعادة عالم أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة، وهذا من المرجح أن يؤدي إلى ظهور نموذج تصادمي للقطبية الثنائية. يمكن بالأحرى تحقيق هذه القطبية الثنائية وفقاً لصيغة “الولايات المتحدة الأمريكية مقابل بقية العالم” بدلاً من “الغرب مقابل بقية العالم” أو “الولايات المتحدة مقابل الصين”.

في الغرب، تسترشد العديد من العقول السياسية، بحقيقة أنه على الرغم من أنه قد يكون هناك نوع من الهدنة والهدوء في التنافس والمواجهة الأمريكية الصينية؛ والأمريكية الروسية، إلا أن المصالحة على الساحة الدولية لا يمكن أن تقوم إلا على القيم المشتركة. يعني هذا النهج أنه تاريخياً، فإن أحد الطرفين سيحقق الفوز والآخر سيخسر. بعبارة أخرى، يجب أن تسود الديمقراطية الليبرالية ذات النمط الغربي في النهاية على بدائلها غير الليبرالية. وبالتالي، فإن المواجهة ثنائية القطب هي في النهاية علاقة ليست بين “قطبي” قوة متساويين ونموذجي التنمية المتشابهين وراء هذين القطبين، ولكن بين “النواة” العالمية التي يمثلها الغرب و”المحيط” العالمي الذي يمثله البلد أو البلدان، على مستوى أدنى من التنمية الاجتماعية والسياسية. لذلك، يبدو التحول السياسي للصين في اتجاه النموذج الغربي للتنمية ضرورياً وحتمياً، على الرغم من أن توقيت وخصائص هذا التحول يمكن أن تكون موضوعًا للنقاش.

وفقاً لمنطق الغرب، واستناداً لـ “فخ ثيوسيديدس”، ليس بوسع بلد قوي إلا أن يناضل من أجل الهيمنة، وسيحارب حتماً القيم البديلة. فالقوة القوية تعادل الهيمنة، وتصبح قيمها عالمية. وهنا يظهر أيضاً تناقض بين المنطق الذي يسترشد به الغرب، والمنطق الذي تسترشد به الصين. فوفقاً للنهج الصيني، لا يوجد بالضرورة ارتباطاً متبادلاً بين دولة قوية وسياسة القوة. وإن القوة القوية لا تلتزم بالضرورة بسياسة الأحادية أو تسعى جاهدة للهيمنة.

علاوة على ذلك، فإن الدولة الضعيفة، بطبيعة الحال، لا تسترشد فقط باعتبارات العدالة والعقلانية، لأن القوة هي أيضا مسألة نسبية. فمعظم الدول لديها نوع من التناقض: تكون ضعيفة في مواجهة القوي، لكنها قوية في مواجهة الضعيف. وقد تكون قوية في بعض المجالات، ولكنها ضعيفة في مجالات أخرى؛ فالبعض أقوياء في قدراتهم المادية، لكنهم عاجزون عن رغبتهم في استخدامها. وفي ظل هذه الظروف المختلفة، تجد معظم البلدان نفسها في الموقع الفاصل بين حالة القوة “القوية” أو “الضعيفة”، وتواجه مسألة اختيار استراتيجية عندما تواجه دولة أقوى أو أضعف.

في الوقت نفسه، لا يتم إنكار الدور الأساسي للبنية في صنع القرار السياسي ولا المبدأ الأساسي “الوجود يحدد الوعي”؛ يُفهم أيضاً الأساس المنطقي القوي والحقيقي لنظرية الحتمية البنيوية. ومع ذلك، على عكس الحتمية البنيوية، لا نرى في “الوجود” انعكاساً للبنية فحسب، بل نرى أيضاً تأثير المكون الحضاري التاريخي، وتأثير النظام السياسي والثقافة، وتغير العصور والتغيرات في الوضع الدولي، وتطور ونمو تأثير الوسائل التقنية وعوامل أخرى. علاوة على ذلك، فإن تأثير الوجود على الوعي ليس على الإطلاق “طريق باتجاه واحد”.

خيار الصين

في ظل وجود قوة وطنية مادية معينة، لا يتعين على الصين أن تختار مكانتها داخل النظام العالمي، لأنها تتشكل بشكل طبيعي، وليست نتيجة اختيار شخصي من قبل قيادة البلاد. ومع ذلك، تحدد القيادة كيفية ترجمة هذا الموقف الموضوعي للصين إلى السياسة الخارجية الصينية.

لنفترض أن القطبية الثنائية العالمية قد تشكلت بالفعل بالمعنى المادي، وأن الصين هي أحد أقطابها. ما هو المفهوم الذي ستعتمد عليه هذه الدولة، وما المسار السياسي الذي ستختاره؟ وفقاً للإمبراطورية السماوية، فإن الخيار الأكثر منطقية والأمثل هو الاستمرار في سياسة النهج متعدد الأطراف. بعبارة أخرى، لا تنظر الصين إلى القطبية الثنائية على أنها المبدأ الرئيسي الذي ينبغي أن تُبنى عليه السياسة الدولية، ولا تعتبرها بنية فوقية تحكم العالم، حتى لو كانت القوة الوطنية لجمهورية الصين الشعبية أكبر من الناحية الموضوعية من الدول الأخرى. وبذلك ستتحمل الصين المزيد من المسؤولية في الشؤون الدولية، وستزيد من مساهمتها في إنشاء وصيانة “المنافع العامة العالمية”، لكنها ستظل مستعدة للتعايش على قدم المساواة مع الدول الأخرى. ولا يتعارض هذا النهج مع موقف الصين كواحد من أقوى القطبين في العالم، لأن اِتِّباع التعددية أم عدم اتباعها هي مسألة اختيار سياسي خاصة بالصين.

يرتبط مفهوم التعددية ارتباطاً وثيقاً بتعددية الأقطاب، لذلك غالباً ما يتم تفسيره على أنه مفهوم مشابه أو حتى متطابق، ولكنه في الواقع غير متطابق. سواءً في اللغة الصينية أو الإنجليزية أو الروسية، تختلف هذه المفاهيم بشكل كبير عن بعضها البعض. تعد تعددية الأطراف، بحكم طبيعتها، ليست فقط طريقة لصنع السياسات، ولكنها أيضاً نهج سياسي قائم على قيم معينة. تقوم التعددية على مبدأ المساواة السياسية، في حين أن التعددية القطبية هي أساساً سياسة تقوم على العلاقات بين القوى الكبرى. تأخذ التعددية في الاعتبار مصالح جميع الدول المهتمة وتقوم على توازن مصالحها، بينما تعلق التعددية القطبية أهمية على القوة وتعتبرها المكون الرئيسي. تعددية الأطراف لا تستبعد التعددية القطبية ويمكن أن تشمل عناصر منها، ولكن تعددية الأقطاب لا تشمل بالضرورة عناصر تعددية الأطراف؛ قد تُظهر التعددية القطبية التوافق مع التعددية، أو حتى تتعارض معها.

الآن بعد أن تم ترسيخ مكانة الصين كقوة عظمى، وهي ليست فقط واحدة من عدة أقطاب، ولكن ربما إحدى أقواها، فقد تغيرت علاقتها مع العالم الخارجي: لقد أفسح القلق بشأن وضعها الخاص الطريق لبناء علاقات مستدامة مع البلدان الآخرين. في هذا السياق، تعد التعددية، التي تركز على تطوير علاقات متساوية مع الدول الأخرى، أكثر انسجامًا مع الاحتياجات الدبلوماسية للصين من المناهج البديلة. التعددية ليست مرتبطة بهيكل دولي محدد وتتجاوز القيود المفروضة عليها. لذلك، فإنه لا يتعارض مع وضع الصين كواحد من الأقطاب المفترضة للعالم ثنائي القطب.

خيار روسيا

على مدى العقود الماضية، استمر التعاون بين روسيا والصين في النمو بشكل أقوى، وتطور في جميع المجالات: من الاقتصاد إلى السياسة والقضايا الأمنية. يخلق المحور الصيني الروسي فرصاً إضافية لكلا الجانبين، ويجذب كلاً من الدول المجاورة والدول البعيدة، مما يؤدي إلى تسريع التنمية المؤسسة لكيانات؛ مثل منظمة شنغهاي للتعاون، أو مجموعة البريكس. على الرغم من أن موسكو لا تزال تعمل من منظور عالم متعدد الأقطاب أو متعدد المراكز، إلا إنه في الواقع يبدو أنه هناك استعداد متزايد بحكم الواقع لقبول واقع ثنائي القطب، جديد، بقيادة الولايات المتحدة والصين، والتي أصبحتا قطبين جديدين، ومراكز جذب للسياسة العالمية. في الوقت نفسه، تتوقع موسكو أنها ستنجح في تأمين وضع خاص في النظام الجديد، يختلف عن وضع معظم المشاركين “العاديين” الآخرين، وبالتالي تعديل قواعد اللعبة في النظام. حيث يتحدث بعض المؤلفين الروس عن اختلافات عميقة بين القطبية الثنائية “الصلبة” و”الناعمة”، معتقدين أن “عامل روسيا” هو الذي سيمنع تشكيل نسخة “صلبة” كاملة من القطبية الثنائية الجديدة.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل هناك شيء غير مقبول بشكل أساسي لروسيا في العالم ثنائي القطب “الصلب”؟ ألم تكن القطبية السوفييتية الأمريكية “الصلبة” هي التي دعمت الحفاظ على السلام والاستقرار في الساحة الدولية لنحو أربعين عاماً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؟ أليس من العدل أن نقول إن العالم ثنائي القطب، على الرغم من كل عيوبه وقيوده، لا يزال أفضل بكثير من بديل محتمل للانهيار التدريجي لنظام الحكم العالمي، وانتصار الفوضى أو إحداث الفوضى في العلاقات الدولية؟ فلماذا لا تقبل موسكو ببساطة ظهور هذه الأقطاب الجديدة كنسخة مقبولة وواقعية للنظام العالمي، والتي سيعتمد عليها لتشكيل التسلسل الهرمي وهيكل النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين؟

ومن المفارقات أن بعض المحللين الروس المحافظين؛ الذين يدافعون عن ثنائية القطبية العالمية الجديدة هم في الواقع متضامنون مع نظرائهم الغربيين، بحجة أنه بناءً على “الحقائق الموضوعية”، كان التقسيم الجديد للعالم إلى أقطاب تاريخياً؛ محدداً مسبقاً وحتمياً. يمكنك أن تسمع في كثير من الأحيان أن الحضارات الأطلسية والأوروبية الآسيوية قد عارضت بعضها البعض منذ زمن بعيد، وأن القوى “البرية” كانت وستختلف دائماً عن “البحر”، وأن “القارة العالمية” (أوراسيا) تمثل توازنًا ثابتًا لـ “الجزيرة العالمية” (أمريكا). وأنه لا جدوى من تحدي قوانين التاريخ والجغرافيا. الاستنتاج المنطقي هو أننا يجب أن ننظر إلى ثنائية القطبية الناشئة على أنها تطور طبيعي، وبمعنى ما، حتى مرغوب فيه للأحداث. يجب أن يكون الهدف الحقيقي الوحيد هو الحفاظ على هذه القطبية الثنائية في إطار مقبول للطرفين من أجل تجنب المواجهة غير المنضبطة مع مخاطر وعواقب عالية غير مقبولة.

في رأينا، هذا الاستنتاج سابق لأوانه على الأقل. من الصعب إنكار أن الاتجاه نحو ثنائية القطبية الجديدة قد تجلى بالفعل ليس فقط في الجغرافيا السياسية، ولكن أيضاً في التوازن الاستراتيجي العالمي والاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فإن ما إذا كان يمكن اعتبار هذا الاتجاه إيجابيًا وما إذا كان ينبغي اعتباره حتمياً هي مسألة مثيرة للجدل. ضع في اعتبارك بشكل عام عدة حجج ضد هذه الفرضيات.

في التاريخ الفكري، لم تكن أي حتمية صارمة – سواء أكانت دينية أو عرقية أو اقتصادية أو جغرافية – قادرة على التفسير والتنبؤ بالتغيير الاجتماعي؛ ومسار الأحداث الدولية. فبالكاد يمكن تسمية فترة الحرب الباردة بحقبة سلام واستقرار – حيث تميزت بالعديد من الحروب والأزمات الإقليمية، فضلاً عن سباق التسلح غير المسبوق. بالإضافة إلى ذلك، في عدد من الحالات، كان العالم قريباً جداً من صراع نووي عالمي.

وتجدر الإشارة إلى أن الجانب الأكثر أهمية هو الاختلاف القوي بين العالم الحديث، وما كان عليه في النصف الثاني من القرن العشرين. فقبل خمسين عاماً، كان العالم مقسماً إلى نظامين – غربي (رأسمالي)؛ وشرقي (شيوعي)، بينهما تناقضات (معادية) لا يمكن التوفيق بينها. بمعنى آخر، تم بناء النظام الثنائي القطب على أساس أيديولوجي متين. لم يعد هذا الأساس موجوداً، ومن الصعب تخيل عودته في المستقبل القريب. كما من غير المرجح أن تحل القومية، حتى في مظاهرها المتطرفة، أو الأصولية الدينية محل العداء الراديكالي للقرن الماضي.

علاوة على ذلك، يتعين على جميع اللاعبين الدوليين الرئيسيين اليوم؛ أن يواجهوا بشكل أساسي نفس مجموعة التهديدات والتحديات لأمنهم، والتي تختلف بشكل صارخ عن التهديدات والتحديات التقليدية في القرن العشرين. والفترات السابقة. اليوم، يضطر قادة الدول إلى مكافحة الإرهاب الدولي، والتطرف السياسي، والجريمة العابرة للحدود، وتهريب المخدرات، والهجرة غير المنضبطة، وتغير المناخ، وعدم استقرار النظام المالي العالمي، وزيادة مخاطر الكوارث؛ التي هي من صنع الإنسان. كانت بعض هذه التحديات موجودة أيضاً أثناء الحرب الباردة، ولكن في شكل جنيني فقط، في ظل المواجهة الشاملة بين الشرق والغرب.

إحدى السمات المميزة للتحديات الجديدة هي أصولها – ومعظمها لا يأتي من قوى منافسة كبرى أخرى. في الواقع، لا علاقة لهذه التهديدات بالجهات الفاعلة الحكومية في النظام الدولي، باستثناء عدد صغير من الأنظمة الراديكالية غير المسؤولة (الدول المارقة). فالجيل القادم من التهديدات والتحديات يأتي من الجهات التخريبية غير الحكومية. ويمكن أن تمثل الآثار الجانبية السلبية للتقدم التكنولوجي والاقتصادي، أو ندرة متزايدة في الموارد الطبيعية، أو تقديم العديد من المؤسسات الدولية الرئيسية والقانون الدولي العام أشكالاً مختلفة لتلك التهديدات والتحديات. وهذا يشكل الاختلاف الأساسي بين حقبة الحرب الباردة والعالم الحديث، لذلك حتى لو تم إنشاء نظام ثنائي القطب جديد، فمن غير المرجح أن يوفر أي أمن أو استقرار على المدى الطويل.

كما يجب أن يؤخذ في الاعتبار اختلاف مهم آخر بين الوضع الحالي على الساحة الدولية والوضع خلال الحرب الباردة. وهو أنه خلال الحرب الباردة، كانت الكتلة السوفيتية مستقلة اقتصادياً تماماً عن الغرب. فلم يعتمد القطبان على بعضهما البعض في تنميتهما. اليوم، وفي عصر العولمة، فإن مستوى الترابط بين الشرق والغرب، بين “القارة العالمية” و “جزيرة العالم” مرتفع بشكل غير مسبوق. لذلك، فإن ظهور أي قطبية سياسية، من شأنها أن تؤثر حتماً على الجوانب الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والثقافية والإنسانية للعلاقات الدولية ومن المرجح أن تؤدي إلى عواقب أكثر خطورة بكثير مما كانت عليه خلال الحرب الباردة. وغني عن القول، أنه سيكون هناك أكثر من تدفق واسع النطاق للموارد المادية والبشرية التي يمكن توجيهها لحل العديد من المشاكل التي تهدد العالم كله؟

بشكل عام، يبدو الاتجاه نحو ظهور ثنائية القطبية، جديدة مقلقة وخطيرة. حتى في شكلها المعدل و”الحديث”، ومن غير المرجح أن يتمكن النظام العالمي ثنائي القطب من حل أهم القضايا الدولية في هذا القرن بنجاح. إذا انقسم العالم مرة أخرى، فمن المحتمل أن يكون له عواقب سلبية طويلة المدى على المجتمع العالمي بأسره، على الرغم من بعض الفوائد التكتيكية التي قد يتطلع إليها قادة “الأقطاب” الجديدة. وبالتالي فمن المصلحة العامة تجنب هذا الخيار والمضي قدماً نحو نظام دولي أكثر شمولية وديمقراطية وعالمية حقاً. بعد كل شيء، “لا أحد يضع نبيذًا جديداً في خزانات قديمة ومهترئة.

خيار الولايات المتحدة

بالنظر إلى المشهد الجيوسياسي العالمي في المرحلة الحالية، يمكننا أن نستنتج أنه على الرغم من أن ثالوث الولايات المتحدة والصين وروسيا لا يزال نموذجًا تحليلياً واسع النطاق؛ وعملياً وواحداً من السيناريوهات المحتملة لتطوير العلاقات بين الدول الثلاث في المستقبل، إلا أن أياً من تشكيلاته المحتملة لا يشبه ميزان القوى خلال الحرب الباردة. من الناحية العملية، ظللنا نراقب منذ عدة سنوات سياسة “الاحتواء المزدوج” الأمريكية، عندما كانت واشنطن تمارس ضغوطاً متزايدة على كل من بكين وموسكو، والتي أصبحت عاملاً هاماً في تعزيز الشراكة الاستراتيجية الصينية الروسية.

وهنا يجب اعتبار هذا الوضع في استعادة الأحداث التاريخية بمثابة نكسة استراتيجية واضحة لواشنطن. على الأقل منذ بداية القرن العشرين. لطالما كان أحد أهم أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة؛ هو منع ظهور أي مركز قوة مناهض لأمريكا في أوراسيا. حيث اعتبر السياسيون الأمريكيون أن الانقسام في القارة الأوراسية، شرط أساسي لا غنى عنه للهيمنة الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة. وأدرك وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، أكثر من أي شخص آخر، الحاجة الملحة للحفاظ على هذا الانقسام في أوراسيا. ففي أوائل السبعينيات، كان أكثر فاعلية من أي من أسلافه في الاستفادة من الانقسامات المتزايدة بين بكين وموسكو. حتى وقت قريب جداً، فقد أكد معظم الخبراء الدوليين الأمريكيين باستمرار على وجود “تناقضات عميقة” بين روسيا والصين، وأعلنوا الطبيعة “الظرفية” و”التكتيكية” للشراكة الروسية الصينية، وأعربوا عن أملهم في أن تتمكن الولايات المتحدة من تعزيز موقعها المهيمن في الولايات المتحدة في علاقتها مع الروس والصين.

السؤال الآن، هل سيتمكن الرئيس المنتخب حديثاً جو بايدن من تكرار نجاح هنري كيسنجر وإحياء الثالوث الأمريكي – الصيني – الروسي بقيادة الولايات المتحدة؟ بالطبع، مرت 50 سنة تقريباً على الرحلة الشهيرة التي قام بها كيسنجر إلى بكين في يوليو 1971. عالم اليوم مختلف تماماً عن عالم القرن العشرين بحكم التعريف. قد تبدو الافتراضات النظرية التي كانت تدعم الجغرافيا السياسية قديمة. مع ذلك، دعونا نفكر في الخيارات التي تمتلكها القيادة الأمريكية للحفاظ على الانقسام في أوراسيا.

الخيار الأول: هو التمسك حرفياً بخط كيسنجر، أي دعم الخصم الأضعف للولايات المتحدة في معارضة الخصم الأقوى. اليوم، قد يعني هذا أن على واشنطن محاولة إقناع موسكو إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهتها المحددة مسبقاً مع بكين. بعد كل شيء، لم تعد روسيا دولة شيوعية، ويجب على القادة الروس أن يشعروا بالقلق إزاء التفاوت المتزايد في القوة بين موسكو وبكين. وهنا كانت مواجهة خصم أضعف بخصم أقوى أحد الأهداف التي أعلنتها إدارة ترامب، والتي لم يتم تحقيقها أبداً. فلم تتحسن العلاقات الأمريكية الروسية في عهد دونالد ترامب، بل على العكس تراجعت إلى مستوى غير مسبوق.

من المستبعد جداً أن يكون بايدن قادراً على تحقيق هذا الهدف بشكل أفضل من سلفه. لأنه ببساطة ليس لدى الولايات المتحدة ما تقدمه إلى بوتين، لإقناعه بإعادة النظر في صداقته الوثيقة الحالية مع رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ – سواءً أكان ذلك في المجالات الاقتصادية أو السياسية أو الاستراتيجية. حتى لو كان بايدن قد فكر في إمكانية إعادة العلاقات مع الكرملين، فلن يكون قادراً على تنفيذ تلك السياسة. فهناك إجماع مستقر مناهض لروسيا في واشنطن، ولا توجد مؤشرات على أنه سيتراجع. بل هناك انطباع لدى المرء بأن العلاقات الروسية الأمريكية ستتطور على أساس المواجهة لسنوات عديدة قادمة.

المسار الثاني الذي يمكن أن يسلكه بايدن في محاولة إحياء الثالوث الأمريكي الصيني الروسي هو التعامل مع حل المشكلة من وجهة نظر معاكسة تماماً. القيام بإبرام اتفاق مقبول مع بكين (الأقوى)؛ قد يدفع باتجاه ممارسة ضغط أكبر على موسكو (الأضعف). مثل هذا التغيير في توجه استراتيجية كيسنجر إلى الاتجاه المعاكس سيجد بالتأكيد العديد من المؤيدين والمدافعين في واشنطن. بالنسبة لهم، تعتبر روسيا خصماً أكثر ملاءمة من الصين. لأنه من أجل مواجهة شاملة مع جمهورية الصين الشعبية، سيتعين على أمريكا أن تدفع ثمناً باهظاً: كانخفاض في حجم التجارة الثنائية، وهو أمر مهم للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، وكسر في السلاسل التكنولوجية العالمية الحالية، وزيادة سريعة في الإنفاق العسكري، إلخ. ستكون المواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا أرخص بكثير، نظراً لوجود ترابط اقتصادي وتكنولوجي ضعيف للغاية بين الدولتين، وموسكو أقل استعداداً للدخول في منافسة عسكرية باهظة الثمن مع واشنطن.

ومع ذلك، هل يستطيع بايدن الاعتماد حقاً على إبرام اتفاقية مفيدة مع الصين؟ سوف تتطلب مثل هذه الصفقة من البيت الأبيض أن يكون على استعداد لإعادة التفكير في أفكاره الأساسية حول مكانة الولايات المتحدة في نظام العلاقات الدولية. وسيتعين على الولايات المتحدة التخلي عن مطالباتها بالتفوق على العالم، على غرار الهيمنة الأمريكية في زمن إتش كيسنجر. بالطبع، لا ج. بايدن ولا حاشيته مستعدون لذلك. فحتى إذا بدأت ثورة في وعي الولايات المتحدة وتصورها للعالم على الإطلاق، فمن غير المرجح أن تحدث قبل عام 2024، وحتى ذلك الوقت، ستظل العلاقات بين واشنطن وبكين معقدة ومتوترة.

والأهم من ذلك، أن بايدن سيلاحظ استحالة الفصل بين الصين وروسيا – تماماً مثل سلفه دونالد ترامب، الذي اقتنع بذلك خلال فترة رئاسته التي استمرت أربع سنوات. تحتاج بكين إلى موسكو بغض النظر عن الوضع الحالي وآفاق العلاقات الصينية الأمريكية. سوف تعمل القيادة الصينية بكل سرور كحكم أو “موازن” في العلاقات بين روسيا وأمريكا، لكنها لن تدعم الولايات المتحدة بنشاط في سعيها لدفع روسيا إلى الزاوية. بمعنى آخر، إذا كان ظهور الثالوث الأمريكي – الصيني – الروسي ممكناً، فإن بكين، وليس واشنطن، ستصبح زعيمها والمستفيد الرئيسي منها.

وبالتالي، فإن إدارة بايدن لن تحقق الكثير، إذا حاولت إحياء ثالوث الولايات المتحدة والصين وروسيا. في ظل الظروف الحالية، فإن النهج الأكثر ترجيحاً للإدارة الأمريكية الجديدة تجاه بكين وموسكو هو البديل لصيغة “الاحتواء المزدوج”، حيث يُنظر إلى الصين على أنها منافس متساوٍ، وروسيا كدولة مارقة عالمية. لخفض تكاليف تنفيذ معادلة الاحتواء المزدوج، سيحاول ج. بايدن تعبئة حلفاء الولايات المتحدة الغربيين في أوروبا وشرق آسيا. كما سيحاول الحفاظ على الانقسام في القارة الأوراسية من خلال تعزيز العلاقات مع خصوم الصين في آسيا – وخاصة الهند. وبالتالي، فإن بايدن سيقرب العالم حتماً من ثنائية القطبية الجيوسياسية الجديدة، وليس إلى نسخة حديثة من ثالوث الولايات المتحدة والصين وروسيا (على أساس أنه من غير المرجح أن ترغب الهند نفسها في اللعب على الساحة الدولية وفقاً للقواعد المحددة في واشنطن).

تعددية الأطراف – الطريق إلى التعاون الصيني الروسي في المستقبل

في السنوات الأخيرة، كان تعزيز ظهور التعددية القطبية هدفاً هاماً للتعاون الدولي الصيني الروسي. الآن تغير الوضع: أصبحت الصين أحد الأقطاب المفترضة للقطبية الثنائية الجديدة، ولم يعد مكانة بكين وموسكو في نظام العلاقات الدولية كما هو. هناك شعور متزايد بقلق روسيا من أنها قد تجد نفسها في وضع غير متكافئ في العلاقات الصينية الروسية. بالإضافة إلى ذلك، قيل سابقاً أن الصين وروسيا شكلا تحالفًا من دولتين أضعف استجابة لضغوط القوة العظمى الوحيدة – الولايات المتحدة. في الواقع، نشأ مفهوم “العالم متعدد الأقطاب” في البداية كمحاولة للرد على مزاعم الهيمنة للولايات المتحدة، كرد فعل على “لحظة أحادية القطب” في تسعينيات. القرن الماضي. الآن وقد أصبحت الصين نفسها “قوة عظمى”، ما هي المفاهيم التي ستشكل أساس التعاون الدولي الصيني الروسي المستقبلي؟

من المؤكد أن تعددية الأطراف؛ يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تطوير هذه العلاقات، سواءً من حيث صياغة الأفكار، أو من حيث التأثير على تطور المسار السياسي العملي لكلا السلطتين. تعددية الأطراف هي نقيض أحادية القطب، لكنها لا تنفي التعددية القطبية. لا يزال يترك لروسيا الفرصة لتأخذ مكان قوة عظمى في عالم متعدد الأقطاب. تعددية الأطراف هي تجسيد لروح المساواة السياسية، والتي بموجبها تعتبر الصين وروسيا شريكين متساويين في الشؤون الدولية والعلاقات الثنائية.

علاوة على ذلك، تتماشى التعددية مع الأيديولوجية الدبلوماسية لروسيا. إن موسكو نفسها داعمة لمبدأ التعددية في العلاقات الدولية، وتحمله كعلامة للدبلوماسية الروسية، تدافع عن الطبيعة العادلة والديمقراطية لتعددية الأقطاب في المستقبل، والتي لن تقوم فقط على توازن القوى، ولكن أيضاً على تفاعل المصالح والاستراتيجيات والثقافات والتقاليد الوطنية. يمكن تفسير هذا الموقف على أنه مطالبة روسيا بالالتزام بالمبادئ الأخلاقية في تشكيل نظام العلاقات الدولية، وهذا صحيح بالتأكيد. على الرغم من كل التغييرات، ستواصل الصين، قبل كل شيء، السعي لتحقيق نفس الأهداف في الشؤون الدولية: مواجهة ظهور دولة مهيمنة، ومنع النزعة الأحادية والتدخل الجديد، والحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي الدولي، وإقامة نظام عالمي أكثر عدلاً وإنصافاً. وفي هذا الصدد، فإن تطابق أهداف الصين وروسيا في السياسة الدولية سيبقى دون تغيير.

اترك تعليقاً