قضايا راهنة

إيران وضرورة إعادة الحسابات

يعتبر الكثير من المراقبين للشأن الإيراني وصول الديمقراطيين إلى الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، بمثابة بارقة الأمل، التي كان النظام الإيراني في انتظارها، خلال فترة تحمّله وطأة العقوبات غير المسبوقة التي فرضت على إيران في ظلّ إدارة ترامب.

لقد أجاد النظام الإيراني سياسة اللعب على حافة الهاوية مع الولايات المتحدة، منذ انسحاب الأخيرة من الاتفاق النووي في أيار/مايو 2018، وانتهاجها سياسة الضغوطات القصوى، التي سعت إلى إصابة الاقتصاد الإيراني بحالة من الشلل، وبالتالي دفع النظام في إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات، وفقاً للشروط الأمريكية.

كادت الحرب أن تشتعل بين الطرفين في عدّة مناسبات؛ منها عندما أسقطت إيران طائرة مسيرة أمريكية من نوع (آر كيو – 4 غلوبال هوك) بصاروخ للحرس الثوري في 20 تموز/ يوليو من  العام الفائت، حيث قرر ترامب حينها شنّ ضربة عسكرية على عدة مواقع في إيران، إلا أنه تراجع عن العملية قبل عشر دقائق من تنفيذها[1]، بعد التحذيرات من خطورة عواقب مثل هذه الهجمات، والتي وُضعت بين يديه من قبل الخبراء والمستشارين، كذلك عند اغتيال الرجل الثاني في إيران، قاسم سليماني، الذي يعتبر مهندس العمق الاستراتيجي لإيران في المنطقة، والردّ الإيراني الذي أعقب ذلك، من خلال قصف قاعدتين أمريكيتين في العراق بصواريخ باليستية، أسفر عن إصابة عشرات الجنود الأمريكيين بإصابات بليغة، بحسب ما تمّ الكشف عنه لاحقاً.

إذاً الطرفان يتحاشيان ووقوع حربٍ شاملة، تكون عواقبها مجهولة، لأنّ الحرب إن وقعت لن تكون ساحتها إيران وحسب، بل ستشتعل أيضاً في دول الجوار، من خلال أذرع إيران التي هيّأتها لمثل هذه الحرب.

هل أثمرت سياسة الضغوطات القصوى التي انتهجها ترامب ضد إيران؟

ينقسم المحللون في هذه المسألة إلى فريقين؛ حيث يرى فريق أنّ هذه السياسة ألحقت ضرراً كبيراً بالنظام الإيراني؛ من خلال السعي إلى خنقه اقتصادياً؛ الأمر الذي من شأنه أن يحدّ طموحاته النووية والصاروخية والتوسعية، كذلك تأليب الداخل الإيراني عليه.

فريقٌ آخر يرى عكس ذلك، ويعتبر أنّ سياسة ترامب ضد إيران لم تكن ذات تأثير عميق على النظام الإيراني، فالنفط ما يزال يُصدر إلى دول مثل الصين وفنزويلا وسوريا ولو بنسب أقل من ذي قبل، والعقوبات الاقتصادية إن كان لها تأثير فهو تأثير على الحكومة والشعب، وليس على من يديرون إيران فعلياً، وهم المؤسسة الدينية والحرس الثوري والشبكات المرتبطة بهما، فالحرس الثوري يجني سنوياً مليارات الدولارات من تهريب المخدرات والنفط، وذلك بحسب تقارير أمريكية، فضلاً عن الأموال الطائلة التي يحصلون عليها من عمليات غسيل الأموال وتحويل الأموال بشكل غير مباشر إلى إيران.[2]

من المؤشرات التي تدل أيضاً على عدم نجاعة سياسات ترامب ضد إيران، لجوء الأخيرة إلى توقيع اتفاق استراتيجي مع الصين بقيمة 400 مليار دولار لمدة خمسة وعشرين عاماً، الأمر الذي سيؤدي إلى تعزيز قوة ألدّ عدوين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كما أنّ الشرخ الحاصل بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين، ولا سيما دول “الترويكا”؛ ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، التي وقفت في وجه مطالبة ترامب لمجلس الأمن في إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران؛ نتيجة خرقها للاتفاق النووي، يعتبر أيضاً أحد هذه المؤشرات.

أضف إلى ذلك ازدياد وتيرة النشاط النووي والصاروخي الإيراني؛ خلال احتدام صراعها مع الولايات المتحدة، فقد رأينا إنتاج صواريخ باليستية جديدة تحمل اسم قاسم سليماني وأبو علي المهندس، القيادي في الحشد الشعبي الذي قتل مع سليماني بضربة من طائرة مسيرة أمريكية، فضلاً عن ازدياد تشدد إيران في الملف النووي، من خلال زيادة تخصيب نسبة اليورانيوم، وكذلك إنتاج أجهزة الطرد المركزية.

وفيما يتعلق بحركات الاحتجاجات في الداخل، التي كانت الأزمة الاقتصادية إحدى الأسباب الرئيسية في انطلاق شرارتها، نجد أنّها لم تترك تأثيراً يُذكر على النظام الإيراني، بل نجد أنّ النظام عمد إلى قمعها بشكلٍ أكثر وحشية من ذي قبل، دون اكتراث بأي تداعيات قد تنجم عن ذلك، حيث قتل أكثر من ألف وخمسمائة مدني بينهم نحو عشرين طفلاً خلال بضعة أيام، في احتجاجات البنزين في نوفمبر تشرين الثاني/ 2019، الأمر الذي اعتبره تقرير منظمة العفو الدولية الصادر قبل أيام، في الذكرى الأولى للاحتجاجات، جريمة دولية. [3]

أما من ناحية نفوذ إيران الإقليمي في المنطقة، فإن وكلاءها ما زالوا يلعبون الأدوار المسندة إليهم في العراق وسوريا ولبنان واليمن؛ وغيرهم من المناطق، وما زالت تشكل تهديدها المعهود لإسرائيل؛ ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة، ففي العراق نجد أنّ الهجمات ضد المصالح الأمريكية ما زالت تحدث بين الفينة والأخرى، كما أنّ فيلق القدس ما زال متمركزاً في سوريا، بل وينشط في المنطقة الجنوبية على حدود إسرائيل، على الرغم من وجود اتفاق إسرائيلي روسي أمريكي غير معلن؛ ينصّ على إبعاد إيران عن حدود إسرائيل في سوريا،  ولعل ما يؤكد صحة هذا القول هو الاستهداف الإسرائيلي، مؤخراً، لأهداف عسكرية إيرانية وسورية، والذي جاء رداً على تجنيد خلية تعمل – بتوجيه إيراني – على زرع حقلٍ من الألغام على حدود الجولان، لضرب الجنود الإسرائيليين.

في اليمن أيضاً، ما زلنا نشهد الدعم الإيراني المتواصل للحوثيين، والقدرات العسكرية المتطورة التي باتوا يمتلكونها، ولا سيما استخدام الطائرات المسيرة؛ لضرب أهداف ومصالح الدول المعادية لإيران في المنطقة، كما أنّ حزب الله ما يزال مستمراً في صنع الصواريخ الدقيقة بتوجيهات ودعم إيراني[4].

ولعلّ الإضافة التي لا يمكن إنكارها في سياسة الضغوطات القصوى لترامب ضد إيران؛ بعد انسحابه من الاتفاق النووي، هي حرمان إيران من مزايا الاتفاق النووي؛ الاقتصادية والدبلوماسية، واستعادة الولايات المتحدة قوة ردعها، حيث أنّ القوة الرادعة لأمريكا كانت قد اختفت في أذهان الإيرانيين، ومنهم المرشد علي خامنئي، بعد توقيع الاتفاق النووي؛ الذي أدى إلى تعزيز إيران لقدراتها العسكرية داخل إيران وفي الإقليم، عبر أذرعها[5].

هل سيكون بايدن منقذاً لإيران من أزمتها المعقدة مع الولايات المتحدة؟

لا شكّ أن أدوات الديمقراطيين في السياسة الخارجية تختلف عن أدوات الجمهوريين، ولو أنّ الاستراتيجية الأمريكية ثابتة لا تتغير.

فمن الجليّ أنّ الديمقراطيين يميلون إلى استخدام القوة الناعمة؛ وترجيح الحلول الدبلوماسية للمشاكل التي تواجههم. وكانوا في سياستهم مع إيران، يقدمون الجزرة على العصا، وذلك لتحقيق أهدافهم الاستراتيجية، والأمثلة كثيرة على ذلك؛ فقد عملت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية المنتمية للحزب الديمقراطي عام 1999، على التضييق على المعارضة الإيرانية، ووضعت “مجاهدي خلق” على قوائم الإرهاب، وذلك في خطوة يراها الكثيرون؛ ومن بينهم جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، أنه تنازل أمريكي يهدف إلى التطبيع مع إيران، وذلك تمهيداً لإبرام الاتفاق النووي؛ الذي سعت فيه الولايات المتحدة؛ والدول الكبرى إلى وضع الأنشطة النووية الإيرانية السرية تحت مراقبتها، مقابل منح إيران امتيازات اقتصادية كبيرة وإعادتها إلى مسار الدبلوماسية العالمية.

الرئيس أوباما أيضاً أعطى الضوء الأخضر للإيرانيين للتوسع في المنطقة، وكان يرمي من ذلك إلى إعادة الصفاء للعلاقات الأمريكية الإيرانية، وإعادة إيران شرطياً لها في المنطقة، كما كانت في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وحامياً لأمن الملاحة البحرية؛ وانتقال النفط من الخليج إلى أوروبا.[6]

لكن السؤال الذي يبرز هنا؛ هو هل سيتبع بايدن النهج الذي سار عليه أوباما، ويعيد إحياء الاتفاق النووي وإعطاء قبلة الحياة لإيران من جديد؟

لقد انتظر الإيرانيون بفارغ الصبر، قدوم اليوم الذي ستغادر فيه إدارة ترامب البيت الأبيض ووصول رئيس ديمقراطي مثل بايدن إلى الحكم، سيما وأنّ بايدن كان قريباً من الاتفاق النووي،   وكان نائباً للرئيس أوباما أثناء توقيعه في 2015.

هذا القول ينطبق على التيار الإصلاحي والمعتدل في إيران، اللذان يجدان أنه لا بدّ من الحوار مع بايدن، من أجل تجنيب بلادهم المزيد من الضغوطات والخسائر والعزلة، لكن التيار الأصولي المتشدد، والذي يتزعمه المرشد الأعلى علي خامنئي، يرفض الحوار، ولا فرق لديه بين الجمهوريين والديمقراطيين، ولديه قناعة راسخة أنّ كليهما يعملان من أجل تحقيق أمن إسرائيل، وإضعاف إيران في نهاية المطاف.

كان الأصوليون معارضين للاتفاق النووي منذ البداية، وعلى ما يبدوا أنّهم سيعيدون بسط هيمنتهم على ملف التفاوض النووي، من خلال إعادته إلى مجلس الأمن القومي، بعد أن وضعه الرئيس روحاني – المحسوب على التيار المعتدل – عام 2013 تحت إدارة وزير خارجيته جواد ظريف.[7]

فعلى الرغم من أن حسن روحاني يترأس مجلس الأمن القومي، وجواد ظريف هو أحد أعضائه، إلّا أنّ أي قرار يصدر عن المجلس يجب أن يحظى بموافقة خامنئي شخصياً، قبل تنفيذه.

مما لا شك فيه؛ أنّ هناك عقبات كثيرة في طريق إعادة التوافق بين الولايات المتحدة وإيران، سيما وأنّ إدارة ترامب قد وضعت الكثير من العراقيل في هذا الطريق، والتي يصعب على الإدارة الجديدة تجاوزها بسهولة خلال فترة وجيزة، بل ويمضي الأمر إلى أبعد من ذلك، فترامب يحاول خلال الفترة المتبقية من المرحلة الانتقالية أن يزيد من هذه العقبات في طريق خصمه الديمقراطي بايدن، من خلال فرض سلسلة من العقوبات الجديدة على إيران، تتعلق بملف حقوق الإنسان داخل إيران وزعزعة الأمن الإقليمي، وهي أمورٌ؛ سيكون بايدن معرضاً للمساءلة أمام الداخل الأمريكي في حال تجاوزها أو المساومة عليها.

أضف إلى ذلك أنّ مسألة تطور القدرات العسكرية لإيران، وتدخلاتها الإقليمية، باتت تشكل مصدر قلق كبير لحلفاء الولايات المتحدة، ولا سيما إسرائيل، وهي ستحاول اللجوء إلى كل السبل؛ لعدم عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، لا سيما وأنها كانت من أشد المعارضين لتوقيعه، كما أنّها كانت أحد الأسباب وراء انسحاب ترامب منه، بعد التمكن من سرقة وثائق هامة متعلقة بالبرنامج النووي الإيراني عام 2016، عبر عملية نوعية للموساد، والكشف فيها عن وجود نشاط سري تمارسه إيران خارج بنود الاتفاق.

بالنسبة لإيران أيضاً ستكون هناك عقبات للعودة إلى التوافق مع الولايات المتحدة، ففضلاً عن تمسكها بالمسائل التي تعتبرها من مبادئ عقيدتها العسكرية، والتي ترفض المساومة عليها، توجد مسألة أخرى قد تكون من ضمن حسابات الإيرانيين، وهي زعزعة ثقة حلفائها الروس والصينيين بها، في حال حدوث تقارب بين إيران والولايات المتحدة.

يعتقد الكثيرون أنّ بايدن سيتبع سياسة تتسم بالوسطية؛ بين الليونة التي أبداها أوباما تجاه إيران؛ وبين التشدد الذي انتهجه ترامب، وبحسب تقرير لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية؛ فإنّ الاستراتيجية التي وضعها طاقم فريق بايدن؛ ستكون مفاوضات على مرحلتين مع الإيرانيين، حيث ستبدأ مفاوضات المرحلة الأولى منذ دخول بايدن إلى البيت الأبيض، لكن المفاوضات الحقيقية ستتريث إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران من العام القادم، ليتم توقيع اتفاق حقيقي؛ ودون ثغرات مع الإيرانيين.

فالتوقعات تشير إلى أنّ الأصوليين هم المرشحون للوصول إلى الرئاسة في إيران، ويتجلى ذلك من خلال إقصاء الإصلاحيين في الانتخابات البرلمانية التي جرت في شباط الفائت، واستلام “محمد باقر قاليباف”، الأصولي، والضابط السابق في الحرس الثوري، رئاسة مجلس الشورى الإسلامي.

وعليه، فإنّ بايدن سيرغب في التوصل إلى توافق مع الأصوليين، الذين كانوا ينبرون في كل مناسبة إلى التهجم على الرئيس روحاني، الذي كان ميالاً إلى الانفتاح على الغرب لتحقيق المكاسب الاقتصادية، وتعزيز وجود  إيران في الدبلوماسية العالمية.

لكن؛ لا يبدو أنّ المهمة ستكون سهلة أمام الرئيس الأمريكي الجديد، في ظل تعهد بايدن بالتزامه بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، والتصدي لتدخلات إيران في الإقليم؛ وزعزعة أمنه، إضافةً إلى التصدي لبرنامج صواريخها البالستية ومحاسبة النظام على انتهاكات حقوق الإنسان.

فمسألة تطوير الصواريخ البالستية تعتبرها إيران حقاً مشروعاً لها في تعزيز قدراتها الدفاعية، وقد رفض خامنئي نفسه، مناقشتها أثناء بدء المفاوضات النووية بين إيران والقوى العالمية الكبرى عام 2013، وهذا الأمر ينسحب على باقي أركان النظام الإيراني أيضاً، الذين يعتبرون هذه المسألة عقيدة ثابتة لنظام الجمهورية الإسلامية برمته، حيث يعتبر عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني يعقوب رضا زادة، أنّ برنامج إيران الصاروخي، وعلاقة إيران بحلفائها في المنطقة، هما ركيزتان أساسيتان لاستراتيجية “الردع” التي تنتهجها إيران، وهي أمور لا يمكن التفاوض عليها.

وبالتالي فإنّ هذه الاستراتيجية لن تكون قابلة للتغيير، ما دامت الأسس النظرية والثورية، للثورة الإسلامية، تنطلق من حماية حق “المستضعفين” أمام “المستكبرين”، الذين تأتي في مقدمتهم أمريكا وإسرائيل، وما دامت إيران تعتبر تدخلها في دول المنطقة دفاعاً عن حقوق المسلمين، وذلك استناداً إلى المادة (152) من الدستور الإيراني الذي تلزم فيها إيران نفسها بالدفاع عن حقوق جميع المسلمين في العالم.

ولا ريب أنّ هذا الشعار الذي ترفعه إيران الإسلامية، وتبرر به تدخلها في دول الجوار، هو ليس إلا لتعزيز ما تسميه بـ “العمق الاستراتيجي”، وتوسيع نطاق المعركة في حال نشوبها مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، وإدارتها من خارج حدود إيران، من خلال أذرعها التي أنفقت عليهم أموالاً طائلة، وسلحتهم بأسلحة وصواريخ دقيقة غير تقليدية.

لعلّ السيناريو المحتمل لما يمكن أن يقوم به بايدن تجاه إيران، هو التفكير بنزع فتيل الأزمة بين الطرفين، وقد يتجلى ذلك من خلال إرسال رسائل من شأنها طمأنة الجانب الإيراني، والتعبير عن عدم الرغبة في التصعيد، وانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة الإدارة الأمريكية السابقة.

ويرى بعض المحللين، أنّ هذه الخطوات قد تتمثل في رفع قيود السفر إلى الولايات المتحدة عن بعض المسؤولين الإيرانيين، مثل وزير الخارجية محمد جواد ظريف[8]، ورفع بعض العقوبات الاقتصادية عنها.

أما إيران، فعلى الأرجح أنها أرسلت رسالة إيجابية للإدارة الأمريكية الجديدة، من خلال إلغائها رسمياً مظاهرات الذكرى الواحدة والأربعين لاقتحام السفارة الأمريكية[9] في طهران، وستعزز إيران أكثر من المحتوى الإيجابي لهذه الرسالة، إذا ما بادرت بتهنئة بايدن لدى دخوله البيت الأبيض وتسلمه مفاتيحه بشكلٍ رسمي.

طبول الحرب في الوقت بدل الضائع

تفيد تقارير إعلامية أمريكية بوجود نية لدونالد ترامب للقيام بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الرئيسية في إيران، قبل انتهاء ولايته، وتسلم خلفه جو بايدن السلطة بشكل رسمي.

حيث اجتمع  ترامب مع كبار مستشاريه في البيت الأبيض، لتحديد الخيارات المحتملة لشن ضربة عسكرية ضد الأهداف الإيرانية، إلا أنّ هؤلاء المستشارين، ومن بينهم معاونه مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو، حاولا دفعه إلى التخلي عن هذه الفكرة، خشية أن تؤدي هذه الضربات إلى اندلاع حرب شاملة.

إنّ من أهم الأسباب التي تدفع ترامب إلى التفكير بشن حملة عسكرية جوية ضد إيران؛ هو وضع أكبر حجم من العراقيل في طريق بايدن لجعل العودة إلى الاتفاق النووي أكثر صعوبة، فهذه الضربات إن تمت، حتى وإن لم تتطور إلى حرب شاملة تشمل الإقليم بأسره، فإنها ستؤدي إلى ازدياد تأزم العلاقة بين الطرفين، وتعقدها أكثر، مما هي عليها الآن، ومن المؤكد أنّ هذا هو ما يسعى إليه حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وفي مقدمتهم إسرائيل والسعودية، اللتين تعتبران حصول إيران على القنبلة النووية كارثة حتمية لهما.

أما السبب المباشر؛ الذي يدفع ترامب إلى التفكير بشن هذه الضربات، هو التقرير الذي صدر مؤخراً عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حول أنّ مخزون إيران من اليورانيوم زاد بمقدار 12 مرة عما هو مسموح به في الاتفاق النووي، إضافةً إلى منع إيران مفتشي الوكالة إلى موقع آخر مشتبه به.

وتُعتبر منشأة “نطنز” التي تعرضت في تموز/ يوليو الفائت، لحدوث تفجير في محيطها، مصدر قلق الدول المناهضة للنشاط النووي الإيراني، وهي من ضمن المراكز التي يفكر ترامب في قصفها.

لكن هل سينفذ ترامب في الأسابيع الأخيرة من وجوده في البيت الأبيض مخططه لضرب إيران؟

من خلال التمعن في سياق صعود الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يتبيّن لنا أنّ هذه الضربات مستبعدة الحدوث، فعدا عن احتمالية تطور الصراع إلى حرب واسعة غير معروفة النتائج، يوجد الآن انقسام دولي حول إيران، ومن المؤكد أن الكثير من الدول الكبرى في العالم لن تؤيد نشوب حرب بين الطرفين، مثل روسيا والصين وحتى حلفاء الولايات المتحدة الأوربيين، الذين يناهضون في قرارة أنفسهم مساعي الولايات المتحدة في فرض هيمنتها على صناعة القرار العالمي، فضلاً عن مصالحهم الاقتصادية مع إيران، والتي أضر بها انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، إضافةً إلى فوبيا اللاجئين التي تعاني منها أوروبا، حيث من المتوقع في حال اندلاع حرب بين الطرفين؛ أن تنطلق أمواج اللاجئين الإيرانيين صوب الدول الأوربية.

عدا عن ذلك، نجد أنّه من الصعوبة بمكان، أن تتمكن أمريكا من خلال هذه الضربات من إحداث تغيير حقيقي لما هو عليه الحال الآن، فإيران تمتلك جغرافية جبلية واسعة ويصعب تحديد جميع المنشآت النووية السرية وقصفها، وبحسب الخبراء فإنّ منشأة نطنز، الذي تعتبر أهم منشآة نووية إيرانية، إلى جانب منشأة فوردو، تم إنشاؤها بمساحة تبلغ 100كم2 تحت الأرض[10]،  وهي مصممة ضد الضربات الجوية، ويذهب بعض الخبراء إلى أبعد من ذلكً، من خلال القول بأنها مصممة ضد القنابل النووية أيضاً.

وعليه، نظراً لعدم حدوث أي تغيير يذكر في أوراق القوة لدى إيران، التي دأبت على تعزيزها لحرب غير متكافئة مع أمريكا منذ سنوات طويلة، فإنّه يبدو من المستبعد قيام الولايات المتحدة الأمريكية بعملية عسكرية ضد إيران في الوقت الراهن، سيّما أن فرصاً عدة سنحت لترامب، خلال أزمته مع إيران لضربها، لكنه كان يحجم عن تنفيذها في كل مرة.

وفي الخاتمة، يمكننا القول إنه سيكون من الحكمة إذا فكرت إيران بضرورة إعادة حساباتها، وتجنب السير في الطريق المسدود الذي سيزيد من عزلتها والذي سيتسبب بحدوث مآسي كبرى، سواءً في الداخل الإيراني، أو في المنطقة بشكل عام، وإعادة هذه الحسابات ضرورية الآن أكثر من أي وقت مضى، في ظل ما نراه من اصطفافات وتحالفات جديدة، بدأت رقعتها تتسع يوماً بعد آخر في المنطقة.

[1] ترامب “يتراجع في لحظة التنفيذ عن ضربات عسكرية وافق عليها ضد إيران”.

[2] مصادر تمويل الإرهاب الإيراني في ظل الحصار الدولي.

[3] “مجزرة في ظلام دامس”: تقرير “العفو الدولية” عن قتل المتظاهرين.. في ظل انقطاع الإنترنت.

[4] صحيفة إسرائيلية تكشف اسماء فريق بايدن للتفاوض مع إيران.

[5] “أبرامز” لـ”إيران إنترناشيونال”: أي اتفاق جديد مع إيران يجب أن يتم بالتشاور مع حلفاء أميركا في المنطقة.

[6] إيران وترامب: إشكاليات خمس سنوات من موات الاتفاق النووي

[7] إيران وبايدن وتداعيات التفاوض.

[8] إيران في انتظار لحظة الحسم مع بايدن.

[9] أزمة رهائن إيران.

[10] 15 موقعا لبرنامج إيران النووي على خريطة الاستهداف الأمريكي.

 

اترك تعليقاً