ترجمات

خارطة طريق إلى اللامكان: منبج، ومأزق تركيا وأمريكا في سوريا

29 يونيو 2018
ترجمة: جوان شكاكي
المصدر: WAR ON THE ROCKS

قبل البدء بالحملة العسكرية ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، كانت هناك القلّة القليلة في الولايات المتحدة الأمريكية أو في تركيا ممن سمعوا بمدينة منبج. على الرغم من صغر مساحتها والغموض الذي كان يحيط بها، أصبحت هذه المدينة السورية نقطة خلاف رئيسة بين اثنين من حلفاء الناتو، وبعد تهديدات متبادلة لعدة أشهر بين الطرفين، وصلت كلّ من تركيا والولايات المتحدة في بداية شهر يونيو من هذا العام إلى اتفاق حول خارطة طريق تهدف إلى إزالة التوتر حول إدارة مدينة منبج.
يتناول النزاع حول المدينة السورية الصغيرة قضايا عدة: إذ تحاول الولايات المتحدة الأمريكية أن توازن بين علاقتها التاريخية مع حليفتها تركيا وبين حليفها في سوريا قوات سوريا الديمقراطية، التي تشكل وحدات حماية الشعب العمود الفقري لها، والتي حاربت تنظيم الدولة الإسلامية في منبج، لقد تجنّبت الولايات المتحدة أن تصف وبشكل مباشر قوات سوريا الديمقراطية على أنّها حليفها الرئيسي، وذلك لاعتقاد ارتباط هذه القوة بحزب العمال الكردستاني، وبسبب تمرّد حزب العمال الكردستاني ضدّ تركيا منذ العام 1984، تنظر تركيا إلى قوات سوريا الديمقراطية على أنّها تهديد مباشر طويل الأمد على أمنها القومي وبالتالي انتقدت أمريكا بحدّة على تعاونها معها.
في الواقع لم يتم الإفصاح عن مضمون اتفاق منبج، ولكن على ما يبدو أنّ هذا الاتفاق يشمل خطوتين أساسيتين: الأولى هي اتفاق بين القوة العسكرية التركية والأمريكية، من أجل تسيير دوريات مشتركة ومنسّقة تصل في نهاية المطاف إلى تشكيل إدارة مشتركة بينهما، أما الخطوة الثانية، والأكثر صعوبة وبعيدة المنال على ما يبدو، فهي تكثيف الجهود الرامية بهدف تغيير نظام الحكم الحالي الذي تديره الأغلبية العربية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية.
تعطي الدوريات المشتركة هذه دوراً مباشراً لتركيا لكي تضمن الأمن والاستقرار حول مدينة منبج، بينما كان الطرفان في السابق يلتقيان وجهاً لوجه عند خطوط المواجهة الساخنة، تماشياً مع هذا، وبعد أن دخلت الدوريات المشتركة مسارها الطبيعي، تأمل تركيا في استبدال بعض من أعضاء مجالس الحكم الحالي بأعضاء من المجموعات السورية المقرّبة منها.
تهدف تركيا من خلال هذا الاتفاق إلى إضعاف قوات سوريا الديمقراطية لصالح حلفائها من غير الدول، الناشطين في شمالي حلب والمدربين في تركيا، فمن وجهة النظر التركية، يبدو هذا الهدف منطقياً، ولكنّها أيضاً تثير صراعاً داخلياً حول السيطرة على مدينة تم تطهيرها من تنظيم داعش، ومن ناحية أخرى، تتعارض هذه الخطوة مع مصالح الولايات المتحدة التي كانت، ولا تزال تسعى جاهدةً وتركز على اقتناص مساحات الأراضي من داعش وتأمينها من محاولات التسلل.
يبدو أنّ خارطة طريق منبج وببساطة، عبارة عن محاولة خداع. في الواقع، تنسيق الدوريات المشتركة بين الحليفين العسكريين أمر سهل، وعلى أية حال، إنّ التحدي الأوسع نطاقاً ينبع من الحقيقة الأساسيّة التي تقول بأنّ الأطراف الثلاثة – الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وقوات سوريا الديمقراطية – لديها مصالح متباينة إلى حدّ كبير في سوريا، ومن المتوقع أن تتخذ مقاربات عديدة لضمان تلك المصالح.
ففي الحرب البرية ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، يتماشى الهدف الأمريكي المتمثّل في استمرارية العمليات القتالية في الوقت الحالي، مع أهداف قوات سوريا الديمقراطية، وفي نفس الوقت، تسعى الولايات المتحدة إلى تهدئة تركيا، من خلال استخدام ورقة منبج من أجل دفع العلاقات الثنائية نحو الأمام. تركيا ومن جانبها، تريد تهميش تأثير قوات سوريا الديمقراطية في منبج أولاً، ومن ثم في كافة المناطق الخاضعة للسيطرة الكردية في شمال شرق سوريا.
لقد أخذت الولايات المتحدة على عاتقها مسؤولية إدارة العلاقات بين الجارين الندّين، فكلاهما يعملان بشكل مستقلّ عن الآخر لصالح الولايات المتحدة من أجل ضمان مصالحها، وكلاهما مهمان بالنسبة إليها، وهذه نسخة من سياسة “مشكلة العميل المستفيد” الكلاسيكيّة، حيث أنّ قدرة الولايات المتحدة (الراعي) على وصف رعاياها بالضعفاء باتت محدودة لأنّ الرعيّة باتوا يدركون تماماً أنّهم مهمون جداً بالنسبة لراعيهم. هنا يطرح السؤال التالي: هل تعرف أمريكا ماهي مصالحها؟ هل تكمن في منبج، أم على نطاق أوسع في سوريا بأكملها؟
إنّ أي تصدّع في العلاقة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وقوات سوريا الديمقراطية بإمكانها أن تقوّض عملية الاستقرار في الجزء الشمالي الشرقي من سوريا، وعندما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأنّه يسعى إلى سحب قواته بأقصى سرعة وترك مهمة إعادة البناء للقوى المحلية والدول الإقليمية، فإنّ مهمة كهذه تقع بالدرجة الأولى على عاتق قوات سوريا الديمقراطية.
في نفس الوقت، لدى أمريكا مصلحة في الحفاظ على علاقاتها مع تركيا، وكانت أنقرة قد أشارت إلى أنّ اتفاق منبج ضروريّ للمساعدة في إعادة العلاقات الثنائية المتأزمة، والبدء بإزالة التوترات الموجودة، ومع ذلك، فإنّ اتفاقية ضيّقة كهذه حول منبج قد تأجّج الصراعات بين تركيا والكرد السوريين، وتتسبّب في ظهور الاشتباكات المحليّة وتقويض الأمن المحليّ لصالح تنظيم الدولة الإسلامية في الوقت الذي يسعى دونالد ترمب إلى إخراج قواته من المنطقة.
سيعمل كلا الطرفين على استغلال المناطق الرمادية في الخارطة لمصالحهما، وليس بالضرورة لمصلحة الولايات المتحدة. من هنا ينبغي على واشنطن الاعتراف بعدم قدرتها على التأثير على أيّ من الطرفين، وعدم تحديد مصالحها في سوريا ومواءمتها مع رغبات الرئيس، ومن ثم جعل خارطة الطريق جزءاً من مجموعة واسعة من أهداف السياسة أكثر من كونها اتفاقاً مستقلاً بين طرفين يهدفان إلى تهدئة مخاوف حليفتها في الناتو.

ما هو مضمون الخارطة؟
ينمّ الاستقرار الحالي في منبج عن تعقيد الحالة والوضع الصعب الذي تمرّ به قوات سوريا الديمقراطية. لمنع التوغّل التركي من طرد الكرد السوريين من منبج، قامت قوات سوريا الديمقراطية في مارس 2017 بنشر عدد من قواتها على طول الضواحي الغربية للمنطقة. إلى الشمال من المدينة، قامت كلّ من القوات الأمريكية والفرنسية بنشر قواتهما بالإضافة إلى تسيير دوريات ردع للتصدّي لأيّ هجوم تركي محتمل. يذكر أنّ للجيش التركي قاعدة عسكرية ضخمة تقع شمالي نهر الساجور وتسيطر على المنطقة الواقعة غرب المدينة، وغالباً ما كانت المليشيات المتحالفة مع تركيا تطلق النار على الدوريات الأمريكية من خلف الخطوط الأمامية.
لقد هدّدت أنقرة مراراً بأنّ الالتزام طويل الأمد للولايات المتحدة تجاه قوات سوريا الديمقراطية قد يفضي إلى عمل عسكري تركي ضدّ الولايات المتحدة الأمريكية، بموازاة ذلك، عملت تركيا وبشكل وثيق مع روسيا كإشارة لامتعاضها من أمريكا، ولكي تبرهن لها بأنّ لدى أنقرة خيارات تحالف أخرى، ففي مثال متطرّف، هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقتل الجنود الأمريكان في منبج، وقد كان هذا تكتيكاً مؤثراً، حيث انتاب صانعوا السياسة الأمريكية شعور، على إثرها، وجدوا أنفسهم مضطرين للسفر إلى أنقرة من أجل تخفيف حدّة التوتر الحاصل وإزالة الحواجز القائمة بين الطرفين، وكانت النتيجة خارطة الطريق التي إذا نفّذت بالكامل، يمكن أن يخفّف من حدّة التوترات مع تركيا، ولكن يمكن أيضاً أن تدفع بقوات سوريا الديمقراطية لتعرّض المصالح الأمريكية للخطر أو أن تبحث عن حلفاء آخرين لها.
كجزء من خارطة الطريق، اعترفت الولايات المتحدة بأنّها بحاجة لأن تجد طريقة ملائمة مع تركيا، لكن ومقابل ذلك أحرزت فوزاً من خلال اتفاق مع أنقرة حول الحاجة إلى تنفيذ الشروط الأساسية. من الناحية العمليّة، هذا يعني أنّ خارطة الطريق غير ملزمة بجدول زمني محدّد، بل يمكن أن تنتقل إلى المرحلة القادمة في حال ضمان الاستقرار في المرحلة السابقة، ويعني أيضاً أنّ كلّ طرف قد وافق على ضبط ومراقبة سلوكيات قوة الشريك. حيث لن تقوم الميليشيا العربية المتحالفة مع تركيا بإطلاق النار على الدوريات الأمريكية، وفي المقابل يتعيّن على قوات سوريا الديمقراطية أن تتوقف عن إطلاق النار على الجيش التركي والمليشيات المتحالفة معها.
على أقلّ تقدير، تعتبر هذه قضية دفاعية قويّة بإمكانها أن تشدّد على العدد القليل من الجنود الأمريكان المنتشرين في سوريا.
كما أنّ لكلّ من تركيا وأمريكا توقّعات مختلفة حول تطبيق الخارطة، فقد أصدرت أنقرة الوثيقة على أنّها تحتوي على جدول زمني محدّد، في حين تصرّ أمريكا على أنّ التنفيذ سيكون مفتوحاً، أي لا يستند إلى جدول زمني، ويعتمد على شروط محدّدة ولن يؤدي إلى تغييرات جذرية في الحكم المحلي، وقد اقترحت أنقرة أيضاً بأنّه لابدّ لنموذج منبج فيما يتعلق بالدوريات التركية الأمريكية المشتركة أن يطبق على بقية المناطق الخاضعة للسيطرة الكردية في سوريا، في حين أشارت الولايات المتحدة أنّ أفق الاتفاق ضيقة.

مشكلة العميل المستفيد: مصالح متضاربة وتأثيرات تتلاشى
اكتسب حليفا أمريكا كلاهما تأثيراً عكسياً عليها، حيث أنّ لقوات سوريا الديمقراطية تأثير على الولايات المتحدة لأنّها جادة في مسألة هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. مقابل ذلك، تستطيع أنقرة تهديد واشنطن باستمرار بإقامة علاقات مع أعداء أمريكا، روسيا على سبيل المثال، وذلك لإجبارها على تقديم تنازلات، كما وتستطيع الحكومة التركية أن تزيد من حدة العداء مع أمريكا بتهديدها بقطع العلاقات الثنائية معها.
تواجه قوات سوريا الديمقراطية معضلة جادة، وحتى تبقى على رأس التحالفات مع الولايات المتحدة في ظلّ تضارب المصالح، فإنّ نقطة التأثير الوحيدة للكرد السوريين هي دورهم في قتال داعش، ومع تضاؤل تهديد تنظيم الدولة الإسلامية، تصبح قوات سوريا الديمقراطية أقلّ أهميّة بالنسبة للمصالح الأمنية الأمريكية ويتضاءل تأثيرها في دهاليز السياسة في واشنطن.
تتعارض خارطة طريق منبج مع الشؤون الأمنية لقوات سوريا الديمقراطية، ومتباينة عن طموحاتها الواسعة في شمال شرقي سوريا. إنّ قوات سوريا الديمقراطية ملزمة بتحويل مكاسبها العسكرية ضدّ داعش إلى ما يشبه الحكم الذاتي الذي في ظلّه تسيطر الإدارة المحلية على الشؤون الأمنية والسياسية، وبالمقابل تعارض تركيا ذلك، لذلك إنّ أيّ تنازل في منبج بإمكانه أن يقوض خطط الكرد.
كما أنّ الكرد يدركون تمام الإدراك أنّهم معرضون لهجوم خارجي من قبل خصم لدود كتركيا، ويدركون أيضاً أنّه هناك أسباب كثيرة تجعل الأمريكان يفضلون تركيا عليهم. لذا، يتوقع من قوات سوريا الديمقراطية أن تحتاط من رهاناتها على الولايات المتحدة وأن تبدأ باستكشاف إمكانية إقامة علاقات مع النظام من أجل حماية مصالحها الأمنية على المدى الطويل، ففي بدايات يونيو الجاري اقترحت السيدة إلهام أحمد الرئيسة المشتركة لمجلس سوريا الديمقراطي، الجناح السياسي للقوة العسكرية “محادثات غير مشروطة” مع النظام، وقد حافظ الطرفان على مواصلة المحادثات، لكنّهما اختلفا على كيفية التوافق بين مطالب الكرد في إدارة المناطق شمال شرقي سوريا وبين رغبة الأسد في تعزيز سيطرته على دمشق.
في حال غياب أمريكي مباشر عن هذه المحادثات، يمكن أن تصل قوات سوريا الديمقراطية إلى تفاهم مع دمشق بإمكانه أن يؤثر على وجود القوات الأمريكية في شمال شرقي سوريا أو على السياسة الأمريكية بشكل عام. في الواقع إنّ صفقة كهذه منطقية بشكل تام، خاصة فيما يتعلّق باحتمال تعرضها لهجوم مباغت تزامناً مع عدم التزام أمريكا بحمايتها.

تكتيكات من دون استراتيجيات
إنّ تشكيل الحكم المحلي في منبج بالنسبة للولايات المتحدة مصدر قلق بسيط جداً، ومع ذلك، يثير العمل المتوازن أسئلة كثيرة حول الدور المستقبلي لأمريكا في سوريا وتحدّد مدى تعقيدات إدارة سياسات الحروب المدنية.
بالتزامن مع إدارة الولايات المتحدة للحفاظ على التوازن ما بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية رغم تأثيرها المتضائل، ينبغي على صانعي السياسة الأمريكية أن يكونوا على دراية بأنّ تلك الأطراف المعادية تستطيع أن تنتهج سياسات تتعارض مع الأهداف الأمريكية. من المتوقع مثلاً أن تتخذ قوات سوريا الديمقراطية إجراءات تخفيف التصعيد مع النظام، ومحاولة ضمان ما يشبه الحكم الذاتي عند انتهاء النزاع، وعلى الأرجح ستعارض تركيا هذا الإجراء وتتحرّك عبر أطراف أخرى في النزاع – روسيا تحديداً – بهدف منع إنشاء حكم كردي في الجزء الشمالي الشرقي.
حالة اللااستقرار هذه تجعل الحياة غير مريحة بالنسبة للقوات الأمريكية في سوريا، وإنّ غياب مصالحة مع الكرد السوريين من شأنه أن يهدّد الجهود العسكرية الأمريكية في البلاد، وهذا بدوره يثير قضيّة أكبر: ألا وهي التفاوض على خارطة الطريق هذه بعيداً عن أية خطة أمريكية في سوريا، وتحديداً لم يستطع صناع السياسة الأمريكان أن يوفّقوا بين نوايا ترمب المعلنة عن انسحاب القوات العسكرية الأمريكية، وبين الرفض المستمر للتفاوض مع النظام السوري. لذا، تحاول الولايات المتحدة تهدئة حليفتها تركيا بالتزامن مع إرضاء قوتها على الأرض، قوات سوريا الديمقراطية دون أن تستقر على سياسة سورية محددة أو حتى صياغة أهداف سياسية قابلة للتحقيق في ظل الحرب الأهلية المتعددة الأطراف.
في ظلّ غياب مثل هذه السياسة، فإنّ خارطة طريق منبج تخدم وببساطة كآلية للتعامل مع تركيا دون ضمان التزامات ملموسة تتبنى أنقرة من خلالها الجهود الأمريكية لفض النزاع، وفي مرحلة ما، ستضمن الولايات المتحدة وبشكل مباشر مصالح حلفائها المتخاصمين لتضمن بذلك انتصاراتها على داعش، فإذا اشتبك الكرد السوريين مع القوات التركية، حينها ينتصر داعش. إنّ خارطة الطريق تجهل هذه الحقيقة، وأكثر من ذلك، تركز على تهدئة تركيا وفي نفس الوقت تقوم بإدارة الأحلام الكردية.
نظراً لكلّ ما سبق، تحتاج الولايات المتحدة إلى تحديد مصالحها ودمج خارطة طريق منبج بنهج واضح بحيث يدعم تلك المصالح. يحتاج هذا النهج الذي يركز على المصالح إلى التقرّب من نوايا ترمب المعلنة للبدء بانسحاب القوات العسكرية الأمريكية. لقد ذهبت الولايات المتحدة للحرب في سوريا بمصالح ضيّقة محصورة بمحاربة الإرهاب، وكانت قوات سوريا الديمقراطية جزء لا يتجزأ من الجهود الأمريكية، وستبقى القوة المسيطرة في شمال شرقي سوريا وغير تابعة للدولة في المستقبل المنظور. بالمقابل، فإنّ تركيا هي الجارة الأقوى لسوريا ومن مصلحتها القضاء على قوات سوريا الديمقراطية.
لم تتطرّق خارطة الطريق لهذه المشكلة، وهذا خطر بحد ذاته، لأنّه سيتخذ كل من حليفي أمريكا خطوات نحو ضمان مصالحهما الخاصة والتي تتعارض فيما بينهما، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى اندلاع اشتباكات بين الطرفين. بالنسبة للولايات المتحدة، نشوب نزاع بين حليفيها يقوض انتصاراتها ضد داعش، وبشكل أعم، يؤثر الحليف غير التابع للدولة والذي تدربه جيش الولايات المتحدة ضدّ حليف في الناتو.
ولنتعمق أكثر، يجب على واشنطن أن تعترف بأنّها غير قادرة على تحقيق أقصى الأهداف في سوريا، وبدلاً من ذلك عليها أن تكون أكثر براغماتيةً في مطالبها وأن تؤكد بشكل أكثر واقعية فيما إذا كانت أهدافها قابلة للتحقيق أم لا. على سبيل المثال، يجب على الولايات المتحدة أن تخطّط وبجدية على انسحاب جنودها، ومن ثم تتوصل إلى اتفاق مع مختلف الجهات الفاعلة في الأزمة لضمان قضاءها على داعش حتى حين البدء بانسحاب القوات. ولتحقيق ذلك، يجب أن تدرك الولايات المتحدة بأنّها يجب أن تصل إلى تفاهمات مشتركة مع روسيا حول مستقبل سوريا، وحول كيفية تلاؤم قوات سوريا الديمقراطية مع هذا المستقبل.
من خلال القيام بذلك، ستكون واشنطن مستعدة لتوجيه طلبات صعبة من كلا الحليفين في سوريا بدلاً من الاستجابة وبمنتهى البساطة لمطالب حليف (تركيا) على حساب حليف آخر (قوات سوريا الديمقراطية).
مثل هذا النهج لا يعني ضعف أمريكا، بل العكس تماماً، سيضع أمريكا في موقع أفضل بالنسبة لمشكلة العميل المستفيد التي تواجهها الآن. في غياب مقاربة أكثر قوة، ستُترك الولايات المتحدة أمام حليفين متعارضين فكرياً، وكلاهما يقوض المصالح الأمريكية في سوريا.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى