ترجمات

أفغانستان.. استقرارٌ أم عدوانٌ جديد

تختلفُ آراء الخبراء والسياسيين حول ما قد يحدثُ في أفغانستان في السنوات، أو الأشهر، أو حتى الأسابيع المقبلة، فاليوم لا أحد يستطيع التنبؤ على وجه اليقين بالمستقبل المحتمل لهذا البلد.

يعتقدُ المتفائلون في هذا الاتجاه، أن الجيل الجديد من قادة طالبان (المحظور في روسيا)، والذي وصل بسرعة إلى السلطة في كابول، يختلف اختلافًا جوهرياً عن أسلافهم، الذين طردتهم قوات التحالف الدولي من العاصمة الأفغانية، قبل عقدين من الزمن. ويؤكدون أنهم قوميون براغماتيون، لا يهتمون بنقاء العقائد الدينية بقدر ما يهتمون بتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في بلادهم، والفساد وانخفاض كفاءة الحكومة. ثم أنه لم تكن هناك فظائع واسعة النطاق، وأعمال وحشية ضد السكان المدنيين خلال الهجوم الأخير الذي شنته حركة طالبان، وقد تلقّت جميع الدول -الرئيسية- المجاورة لأفغانستان بالفعل تأكيدات من طالبان بأن مصالح هؤلاء الجيران ستُحترم بالكامل.

يزعم المتشائمون بأن اعتدال طالبان المثالي – وحتى حرصها على عدم وقوع حرب أهلية في النهاية – ليس أكثر من تكتيك مؤقت لحركة غير قادرة ببساطة على إعادة النظر في مواقفها الأيديولوجية القديمة بشكل أساسي. لذلك، سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً، وستشهد أفغانستان إعدامات جماعية، وتدميراً لنظام التعليم العلماني، واضطهاداً وحشياً لأي معارضة، والعديد من الخطوات الأخرى، المشابهة لما قام به النظام الثيوقراطي في العصور الوسطى، والتي سوف تشكل تحدياً أمنياً وجودياً لمنطقة وسط أوراسيا بأكملها.

ومما يزيد الوضع تعقيداً، حقيقةَ أن اللاعبين الخارجيين المختلفين لديهم أسباب مختلفة للقلق. على سبيل المثال، بالنسبة للدول الغربية، قد يكون السبب الرئيسي للقلق هو احتمال حدوث قمع جماعي ضد المتعاونين الأفغان الذين عملوا مع التحالف الدولي، أو الهجوم على مؤسسات المجتمع المدني الموالية للغرب، أو إبطال جميع إنجازات سياسة أفغانستان على المستوى المجتمعي (حقوق الانسان وتحرر المرأة) خلال السنوات العشرين الماضية.

في إيران، يشعر الكثيرون بالقلق إزاء وضع الأقلية الشيعية “الهزارة”، التي لطالما كانت علاقاتها متوترة للغاية مع حركة طالبان السنية، بعبارة أخرى، قد يؤدي استيلاء طالبان على السلطة في كابول إلى إضعاف النفوذ الإيراني في غرب أفغانستان.

ربما تفكر طاجيكستان وأوزبكستان بشأن ما إذا كان الطاجيك والأوزبك في أفغانستان سيتم تمثيلهم بالكامل في الحياة السياسية للبلاد أم لا؟. علاوة على ذلك، لم يعد هناك اليوم “تحالف الشمال” السابق الذي اعتادت طالبان على التعامل معه بطريقة أو بأخرى.

على باكستان أيضاً أن تشعر بالقلق إزاء التفاعل المحتمل لطالبان مع الانفصاليين البشتون المتطرفين في الأراضي الباكستانية، الذين طالما حلموا بإقامة “باشتونستان العظمى”.

بالنسبة للصين وروسيا، هناك خطر خاص يتمثل في احتمال إحياء خلايا جاهزة للقتال تابعة للقاعدة (المحظورة في روسيا) أو داعش (المحظورة أيضاً في روسيا) على الأراضي الأفغانية، والتي يمكن أن تخطط من هناك، وتنفذ عمليات إرهابية في شينجيانغ، وآسيا الوسطى.

في حين أن الجهات الفاعلة الخارجية لديها فرص محدودة فقط للتأثير على الديناميكيات السياسية داخل أفغانستان، ولا ينبغي الاستهانة بهذه الفرص. حتى الاعتراف الدبلوماسي بالحكومة الجديدة من قبل الأمم المتحدة والقوى العالمية الكبرى واللاعبين الإقليميين الرئيسيين، هو بالفعل أداة يمكن استغلالها للتأثير على كابول. وبهذا المعنى، فإن المبادرة الأخيرة لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون جديرة بالاهتمام، وذلك بشأن استصواب الاعتراف الجماعي بالقيادة الأفغانية الجديدة من قبل المجتمع الدولي، وبأن هذا الاعتراف يجب أن يسبقه التزام كابول بالامتثال للمعايير الأساسية للقانون الدولي، وليس من الواضح تماماً إن كان خطاب لندن موجهاً للمجتمع الدولي ككل أم لشركاء بريطانيا في حلف شمال الأطلسي حصرياً.

كانت أفغانستان تعتمد اقتصادياً على النظام الدولي لدعم الحياة في عهد الرئيس “أشرف غني”، ولا تزال تعتمد عليه في ظل النظام الجديد. وارِدات أفغانستان اليوم أعلى بعشر مرات تقريباً من صادراتها، وهذا العجز الكارثي في التجارة الخارجية تعوّضه برامج المساعدات الدولية، والقروض التفضيلية من الشركاء، والمنح المقدمة من مختلف المنظمات الخيرية، وما إلى ذلك، ومن غير المرجح أن يتغير هذا الوضع في المستقبل القريب، بل على العكس من ذلك، فإن حاجة البلد إلى المساعدة الدولية والاستثمار الأجنبي سوف تزداد. ويمكن أن يكون هذا الصك الذي يؤثر به المجتمع الدولي على القيادة في كابل فعالاً جداً، ولكن بشرط ألا يواجه المانحون الرئيسيون والشركاء الاقتصاديون لأفغانستان بعضهم بعضاً بصورة صارمة من أجل “الصراع على أفغانستان”، بل على العكس من ذلك، يجب تنسيق نهجهم في التعاون مع هذا البلد.

وفي الوقت نفسه، من المهم ملاحظة أنه وبغض النظر عمن يناشده رئيس الوزراء البريطاني، فإن دور “الغرب الكلي” في الشؤون الأفغانية بعد انسحاب قوات التحالف الدولي سينخفض حتماً. فأفغانستان تتحول على نحو متزايد إلى هدف، فضلاً عن أنها موضوع لسياسة أوراسيا جديدة. وجيرانها المباشرون سيكونون المستفيدين الرئيسيين من استقرار الحالة في ذلك البلد، والتقدم الاجتماعي والاقتصادي الذي أحرزه. كما سيكونون الخاسرين الرئيسيين إذا بدأت جولة جديدة من الحرب الأهلية في أفغانستان بتدفقات اللاجئين، وتصدير الإرهاب الدولي، وزيادة أخرى في تجارة المخدرات، وعواقب أخرى لتحويل أفغانستان إلى “دولة فاشلة”.

لذلك، يبدو أن التفاعل الوثيق بشأن أفغانستان من جانب اللاعبين الإقليميين الرئيسيين – روسيا والصين ودول آسيا الوسطى وباكستان وإيران والهند – هو إطار ضروري للغاية للمحيط الخارجي، الذي يمكن أن يسهم في تطبيع الوضع في هذا البلد الذي طال معاناته. ويمكن تنفيذ هذا التفاعل في صيغ ثنائية، أو على مستوى متعدد الأطراف، باستخدام مؤسسات مثل منظمة شنغهاي للتعاون، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، والاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي. مع الفهم الذي لا غنى عنه، أنه على الرغم من أهمية المحيط الخارجي، فإن مصير أفغانستان يجب أن يقرره ويحدده الأفغان أنفسهم بطريقة أو بأخرى.


بقلم: أندري كورتونوف ……………. رابط المقال الأصلي

زر الذهاب إلى الأعلى