ترجمات

الإحياء المتسرع لـ “الاتفاق السيء” سيزيد اضطرابات الشرق الأوسط

الكاتب: رضا تقي زاده*

قبل الخوض في جزئيات وتفاصيل المفاوضات المتعلقة بعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران، تتجه إدارة جو بايدن إلى الاستجابة لبعض التوقعات المالية والسياسية لطهران، إضافةً إلى الإعلان عن استعدادها لتقديم المزيد من المساعدات في حال “التأكد من وفاء الجمهورية الإسلامية لتعهداتها”، مع العلم أنّ الهدف الحتمي لهذا الاتجاه هو التوصل لاتفاق أكثر هشاشة من اتفاق 14 تموز/ يوليو عام 2016، في جنيف.

انسحب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، وهو كان قد وصف بشكل حاسم الاتفاق – خلال حملته الانتخابية – بأنه “أسوأ صفقة في التاريخ”، وبعد الإعلان عن اثني عشر شرطاً أساسياً من أجل التوصل إلى اتفاق “شامل ودائم” مع الجمهورية الإسلامية، بدأ بتنفيذ سياسة “الضغوطات القصوى” بهدف تمهيد الطريق للوصول إلى الأهداف المرسومة، من خلال إعلان عقوبات جديدة على الحكومة الدينية الإيرانية.

على الرغم من أنّ الكثير من النقاط والمسائل السرية المتعلقة بالاتفاق النووي لم يتم نشرها، لكن الاتفاق في شكله الظاهري المتعارف يحتوي على ثغرات، ومن بينها تثبيت بند “الغروب” الذي يسمح لإيران بتطوير برنامج تخصيب يورانيوم بدون قيود، خلال مهلة تتراوح بين 10 و15 سنة من دخول الاتفاق حيز التنفيذ في عام (2016).

إنّ الأنشطة العسكرية الهجومية، وصناعة الصواريخ الباليستية، والمعدات المتعلقة بحمل أسلحة الدمار الشامل، والتدخل في النزاعات الإقليمية، وانتهاكات حقوق الإنسان، كانت من القضايا التي تجنبّ اتفاق جنيف الخوض فيها، خوفاً من عدم التوصل إلى توقيع الاتفاق حينها.

من جانبهم، كان منتقدو الاتفاق النووي في الداخل، يعتبرون التنبؤ بـ “آلية الزناد”[1] وحق الدول المراقبة لتنفيذ الاتفاق في إعادة العقوبات المرفوعة، من ضمن الثغرات التي تم إدخالها للاتفاق.

الترويج لبيع الاتفاق للرأي العام

كانت إدارة أوباما، في السنوات الأخيرة من دورتها الثانية، تتصور، أو أنها كانت تروّج بأنّ الاتفاق النووي ينطوي على قيمة تاريخية، وأنّه يحول دون امتلاك إيران للقنبلة النووية، في حين أنّها كانت تدرك أنّ اتفاق جنيف فيه عيوب، ولا يحظى بدعم الرأي العام، ولا أغلبية المشرّعين الأمريكيين في أيٍّ من مجلسي الشيوخ والنوّاب في البلاد.

بذلت إدارة أوباما، في سبيل تغيير الرأي العام الأمريكي، جهوداً واسعة من أجل بيع بنود الاتفاقية المعلنة للصحافة ووسائل الإعلام (الإذاعة والتلفزيون)، وذلك من خلال تعيين شخص يُدعى “بن رودز” في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض وتخصيص ميزانية تقدّر بملايين الدولارات.

للالتفاف على تدخل المشرّعين الأمريكيين، عقب طرح موضوع الاتفاق في مجلس الشيوخ الأمريكي، منحت إدارة أوباما القضية استمرارية في المجلس، من خلال ترتيب الأمر مع بعض السيناتورات الديمقراطيين، واللجوء إلى خدعة برلمانية تسمى “فيلي بوستر” والتي تسمح للنواب في حالات معينة، بالتعليق دون حد زمني، حتى انتهاء عمر المجلس.

في أيلول/ سبتمر 2015، وبعد بضعة أشهر من توقيع اتفاق جنيف النووي، تم رفض موضوع الاتفاق في مجلس النواب الأمريكي بأغلبية 245 صوتاً مقابل 186 صوتاً، وفي مجلس الشيوخ بأغلبية 58 صوتاً مقابل 42 صوتاً، ونظراً لوجود صوتين فقط أقل من نصاب ثلثي الأصوات المعارضة في مجلس الشيوخ، فقد نجح أوباما، من خلال حق النقض، من إزاحة معارضة أغلبية النواب الممثلين للشعب الأمريكي، عن طريق تنفيذ الاتفاق النووي مع إيران.

اتُّهِمت إدارة أوباما من قبل مجلس النواب الأمريكي في ذلك الوقت، بعدم وفائها لالتزاماتها، رغم تعهدها بتقديم المعلومات الكاملة حول البنود السرية للاتفاق النووي (الوثائق المرفقة).

دوافع بايدن للعودة إلى الاتفاق  

إنّ ما تفكر فيه إدارة بايدن، من خلال العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران – فضلاً عن إظهار اختلاف وجهة نظرها مع إدارة ترامب، وتغيير سياساتها- هو إيجاد موطئ قدم لها في إيران، حتى إذا ما استمرت الحكومة الدينية في إيران، تتمكن الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوربي من خلال توسيعها، من الحيلولة دون انزلاق الجمهورية الإسلامية أكثر نحو الصين، وتحولها إلى حكومة تابعة للنفوذ السياسي والعسكري لموسكو.  

في حالة إيران، ينوي الرئيس الأمريكي جو بايدن إيجاد نوافذ مالية محدودة للجمهورية الإسلامية يمكن السيطرة عليها، وذلك بدافع من هدف قديم ومُختبر بدرجة أكبر، وهو “تقوية البراغماتيين داخل مؤسسة الحكم” في انتظار التحول التدريجي للحكومة بعد علي خامنئي البالغ من العمر 82 عاماً، والذي بات احتمال رحيله وارداً في أيّ وقت.

على الرغم من أنّ هذه السياسة لم تحقق تطلعات الغرب، وتم التخلي عنها بشكلٍ كامل، في ظل إدارة ترامب، فإنّ نقطة التحول التي قد تواجه إيران، سواءً عن طريق إجراء الانتخابات أو احتمال رحيل خامنئي، دفعت إلى إيلاء الاهتمام بهذه السياسة الفاشلة.

تدرك إدارة بايدن جيداً أنّ العودة إلى “اتفاق سيء” لن يكون قليل التكاليف؛ إذ أنّ الرأي العام ووسائل الإعلام في الداخل الأمريكي وأيضاً الكونغرس، يرون الجمهورية الإسلامية دولة منبوذة وشريرة، وفي المنطقة أيضاً، ترى المملكة العربية السعودية وإسرائيل، إحياء الاتفاق، متعارضاً مع اعتبارات أمنهما القومي.  

يبدو أنّ بايدن، الذي لديه كاريزما أقل من أوباما وسناً أكبر، يتمتع بنفوذ أكبر من الإدارة الديمقراطية السابقة للولايات المتحدة، في تحديه للضغوط الداخلية والخارجية القائمة والاقتراب الجامح من الجمهورية الإسلامية.

إنّ التجارب السابقة في سياسة فتح النوافذ المالية للجمهورية الإسلامية التي أدّت في الماضي القريب إلى توسيع نفوذها الإقليمي، وزيادة التدخل في اليمن، وتطوير البرنامج الصاروخي، وحتى اللجوء إلى العنف في مواجهة الاحتجاجات الداخلية، لم يتم نسيانها بعد.

في هذا المجال، ونظراً للأهمية التي توليها إدارة بايدن لنقطة التحوّل التالية للجمهورية الإسلامية، وضرورة إيجاد موطئ قدم لها في إيران، يبدو أنّ هذه الإدارة قد أحلّت سياسة التأمل بدرجة كبيرة بدلاً من التسرّع من أجل “العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران”.   

إنّ عودة “عراقجي” إلى طاولة مفاوضات فيينا، بعد التخريب المنسوب لإسرائيل في مركز تخصيب نطنز أولاً، وعقب انتشار الملف الصوتي لحديث ظريف، الذي يتحدث فيه دون مواربة عن “الميدان” والعسكر، واعتباره روسيا معارضة للاتفاق سابق الذكر، ثانياً، تعبّر عن رغبة الحكومة في التوصل إلى نوع من التوافق مع الولايات المتحدة وخلق انفراجة مالية لا تقل عن 10 مليار دولار على المدى القصير.

خلافاً لما يُظهره “عراقجي” الذي يقول: “لسنا في عجلة من أمرنا للتوصل إلى اتفاق”، فإنّ حكومة روحاني مستعجلة بسبب اقترابها من نهاية الخط، كما أظهرت السلطة أنّها تدعم مهمة “عراقجي” في فيينا بصمت، وتنتظر توصلها إلى نتائج بحماس. 

إنّ فشل الجولة الثالثة من “المحادثات النووية غير المباشرة لإيران مع الولايات المتحدة” في فيينا، وإطالة أمدها، على الرغم من وجود الآمال الأولية في التوصل إلى اتفاق سريع، يُظهر أنّ الفريق المفاوض للولايات المتحدة، مع التعليمات الجديدة، هو أكثر تحفظاً وصبراً مما كان عليه قبل نحو أسبوعين، كما أنه أكثر تأثراً بضغوطات حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

كان مفاد الرسالة المباشرة التي وجهها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى إيران مساء الثلاثاء في مقابلة مع قناة العربية، هو أنّه: في حال وجود رغبة لديكِ في الحصول على الموارد المالية بضوء أخضر أمريكي، فإنّه يتعيّن عليكِ أن تحدّ من ممارساتك المتطرفة في منطقتنا، وأنّ البيت الأبيض متوافق معهم في هذا الطلب.


[1] آلية الزناد أو “سناب باك”: بند من بنود الاتفاق النووي مع إيران، وهو يخول الدول الموقعة على الاتفاق لتفعيلها، بغية إعادة فرض العقوبات الأممية المفروضة على إيران قبل توقيع الاتفاق، إذا ما تبين أن إيران تنتهك تعهداتها المنصوص عليها في الاتفاق (المترجم).


رضا تقي زاده: محلل سياسي إيراني وخبير في الشؤون الإيرانية، مقيم في بريطانيا.

الرابط الأصلي للمقال

زر الذهاب إلى الأعلى