ترجمات

إيران وأمريكا ومصير الاتفاق النووي كما يراه جو سيرينسيون

حاورته: هانا كاوياني …. الرابط الأصلي للمقال

ترجمة: مركز الفرات للدراسات

مضى نحو شهر على وجود جو بايدن في البيت الأبيض، ووفقاً لما يقوله المسؤولون في الإدارة الأمريكية الجديدة، فإنّ العمل على ملف إيران سيكون من أولويات إدارة السيد بايدن، ويأتي في مقدمة القضايا المتعلقة بإيران برنامجها النووي؛ البرنامج الذي كانت واشنطن تسعى إلى الحد منه، أثناء فترة حكم باراك أوباما، من خلال التوصل إلى توقيع الاتفاق النووي، ومن بعدها إدارة الرئيس ترامب من خلال حملة الضغوطات القصوى.

هناك الآن وجهتا نظر رئيسيتان وبعض وجهات النظر الجانبية، للإجابة عن سؤال حول كيفية مواجهة الإدارة الأمريكية الجديدة لبرنامج إيران النووي، والذي تعتبره خطراً على أمنها؛ هل سيكون من خلال التفاوض ضمن إطار اتفاق قديم، أم من خلال استمرار الضغوط القصوى واستخدام العقوبات كوسيلة للضغط؟

متى يجب أن يتم البتّ في سلوكيات إيران الأخرى، التي تنتقدها واشنطن؛ ووضعتها على طاولة المفاوضات؟ كل هذه الأسئلة يتم الإجابة عنها بأشكال متعددة في الأوساط السياسية الأمريكية. لدراسة هذه الجوانب يحاول “راديو فردا” التحقيق في الموضوع والوصول إلى أجوبة، من خلال إجراء حوارات مع كبار الباحثين في هذا المجال.

“جو سيرينسيون” هو كبير الباحثين في معهد كوينسي بواشنطن، وهو من أشد المدافعين عن الاتفاق النووي مع إيران، وشغل منصب مدير صندوق “”Plowshares، الذي كان يركّز على دعم المبادرات المتعلقة بعدم الانتشار وخفض التصعيد، وتزامنت فترة رئاسته مع بدء واشنطن المفاوضات مع إيران وتوقيع الاتفاق النووي.

سيد سيرينسيون، أود أن ننطلق من الوضع الراهن للبدء بهذه المناقشة. برأيك، ماذا تعني هذه التصريحات التي نسمعها من الجانبين في طهران وواشنطن؟ هل هو نوع من التوجه والتحضير للحوار، أم أنها عقبة جدية في طريق الجانبين؟

باعتقادي إنّ الطرفين، إيران والولايات المتحدة يريدان العودة إلى الاتفاق؛ الاتفاق الذي حدّ من برنامج إيران النووي، وأوقفه، ووضعه تحت المراقبة الدقيقة. بالمقابل شهدت إيران أيضاً رفعاً هائلاً للعقوبات من قبل الولايات المتحدة، أو بالأحرى الغرب، وعودةً إلى العضوية في الاقتصاد العالمي. تعتقد إيران أنّ العودة إلى الاتفاق النووي يصبّ في مصلحتها الوطنية، كما أنّ إدارة بايدن تعتقد أيضاً أنّ ذلك يحقق المصالح الوطنية الأمريكية.

الآن، السؤال المطروح هو كيف يجب أن يتمّ هذا الأمر؟ فكلا الطرفين يعتقد أنّ على الآخر أن يخطو الخطوة الأولى. هل هناك طريقة لكي يخطو الطرفان الخطوة الأولى معاً؟

هذا هو الرقص الدبلوماسي الحساس الذي نراه، والبيانات الصادرة عن البيت الأبيض وطهران، يجب تفسيرها في ضوء ذلك. وبالنسبة لي، فقد أثار اهتمامي، بشكل خاص، تصريح جواد ظريف الأخير، الذي تحدث عن قدرة أوربا على لعب دور رئيسي في هذا الصدد.

الآن أيضاً، هناك الكثير من العمل الذي يجري خلف الكواليس، والذي تقوم به كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لجعل أوربا تلعب، بطريقة ما، دور “قابلة دبلوماسية” في هذه اللعبة، لتسهيل العودة إلى الاتفاق. أنا متأكد من أنّ هذه العودة إلى الاتفاق النووي ستتم، لكن قد يستغرق ذلك وقتاً أطول مما كان من المتوقّع.

اعتقد البعض أنّ العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران سيكون قضية اليوم الأول من رئاسة جو بايدن، بينما اعتقد فريق آخر أنّ هذه العودة قد تتم عقب الانتخابات الرئاسية في إيران. ما هو رأيك؟

كانت هناك رغبة لتكون هذه العودة قضية اليوم الأول، لكن هذا العمل كان مستحيل التحقيق، من الناحية السياسية، فقد كان هناك العديد من القضايا التي تتطلب حلاً عاجلاً على طاولة الرئيس بايدن، بما في ذلك عزل الرئيس السابق دونالد ترامب. ولعل الأهم هو أنّه يتعيّن على الرئيس أن يعالج أيضاً قضية المعارضة السياسية للعودة إلى الاتفاق النووي، هنا في الولايات المتحدة.

باعتقادي أنّ الجمهوريين المتشددين سيكونون غير راضين عن هذا الاتفاق على الدوام، وهم سيعارضونه.

تمتلك إسرائيل نفوذاً كبيراً في السياسة الأمريكية، والمتعاطفون مع نتنياهو، يؤججون معارضة هذا الاتفاق. وفي النتيجة، يريد الرئيس أن يُظهر، كما فعل في موضوع حزمة دعم (Covid)، أنه ينجز هذا الإجراء بشكل منطقي ومناسب، وبالتالي فهو يستغرق وقتاً.

لكني لا أعتقد أنّه سيتم انتظار الانتخابات في إيران، فالجميع يعلم إننا إذا لم نعد إلى الاتفاق النووي، فإنّ ذلك سيكون في مصلحة المتشددين في إيران، وقد يتم انتخاب أشخاص أكثر تشدداً من الحكومة الحالية، بل حتى أكثر تشدداً من أشخاص مثل أحمدي نجاد. لذلك، أعتقد أنّ هناك رغبة قوية في حسم الأمر في غضون شهرين، ففي أوائل نيسان/ أبريل القادم، سيتجمد المشهد السياسي الإيراني إلى حدّ ما، ولن يتم إجراء أية مفاوضات في ذلك الوقت.

قبل أن نتطرّق إلى الاتفاقية والانتقادات التي تدور حولها، أريد أن أطرح سؤالاً يتعلق بالانتخابات التي أشرت إليها: ما الذي يضمن أنه – في كلتا الحالتين- سواء عادت الولايات المتحدة إلى الاتفاقية أم لا، ألا نجد سيطرة جماعة أكثر تشدداً على الحكم في إيران؟

لا يوجد أي ضمان لذلك. برأيي، إنّ التوجه العام يكمن في أنّه إذا تمكن روحاني وظريف من تحقيق هذه العودة إلى الاتفاق النووي، فمن الممكن أن يبدو برنامج المعتدلين أكثر جاذبية؛ إذ سنشهد حينها تحقيق منافع اقتصادية لإيران، وهذا من شأنه أن يساعد المعتدلين داخل الحكومة الإيرانية، لكن لا توجد ضمانات، فمن الممكن أن يحدث أي شيء، من الآن وحتى شهر حزيران. وما يمكن القيام به هو إتاحة الفرصة ليفوز شخص أكثر اعتدالاً في هذه الانتخابات.

هل هو نوع من اختبار الخطأ؟ أن تعود الولايات المتحدة إلى الاتفاق وتَرى ماذا سيحدث؟

لكي نكون منصفين، يجب أن نؤكد أنّ التأثير الداخلي لمثل هذا الاتفاق، هو تأثير ثانوي بالمقارنة مع تأثيره على الأمن الإقليمي أو الدولي. علينا ألا ننسى أنّ هذا العمل هو ما أنجزه كل من إيران وأمريكا وروسيا والصين والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة، لأنّ التحليلات كانت تقول إنّ قدرات إيران على صناعة السلاح النووي هو تهديد رئيسي للغرب ودول الجوار في المنطقة.

على الرغم من أنّ إيران ليس لديها خطة محددة لصناعة السلاح النووي، إلّا أنّها كانت تمتلك برنامج تخصيب. والتخصيب الذي يقود إلى إنتاج الوقود، كما أنّ أجهزة الطرد المركزي، ذاتها، تستطيع القيام بعملية التخصيب بمستوى يمكن استخدامه في صناعة القنبلة النووية، ويمكن تنفيذ ذلك بسرعة. الآن، يُحسب للاتفاق النووي، وأعتقد أنّه أحد النقاط البارزة في هذا الاتفاق، هو أنه حدّ من برنامج التخصيب أكثر مما كان عليه في البدء.

تم إزالة كل شيء، من بينها مفاعل لإنتاج البلوتونيوم، وتم تجميد كل شيء بطريقة ما، لمدة تتراواح 20 و 25 عاماً، ووضع البرنامج تحت أشد أنظمة التفتيش صرامة.

لقد كان اتفاقاً رائعاً، كان أفضل اتفاق رأيته لمنع انتشار الأسلحة النووية خلال عملي لمدة 35 عاماً في هذا المجال.

لا تكمن مشكلة هذا الاتفاق في فشله، بل في أنه لم يجد حلولاً لسائر مشاكل الولايات المتحدة مع إيران.

كانت هناك نوايا للتوصل إلى اتفاقات أخرى، لكنّ ذلك لم يتحقق، وانسحب دونالد ترامب باكراً جداً من الاتفاق.

عندما تستمعون إلى حكومة جو بايدن، فإنهم يرون الوضع كالآتي:

لنعُد إلى الاتفاق النووي، لنعد إلى الحلّ الذي كان يعالج التهديد الأّول؛ وهو البرنامج النووي. ومن ثم ندخل في محادثات فيما يتعلق بباقي القضايا؛ مثل البرنامج الصاروخي، والحرب في اليمن، وأنشطة إيران في المنطقة.

باعتقادي أنّ هذا هو الطريق الصحيح، ويتفق معظم الخبراء مع هذا النهج.

سيد سيرينسيون، لقد كنت من أشدّ المدافعين عن الدبلوماسية، ودعمتَ التفاوض الذي أدّى إلى تحقق الاتفاق النووي وأثنيت على التوصل إليه. على مدى السنوات الأربع الماضية، عندما تم استجواب المسؤولين السابقين للولايات المتحدة- الذين دخلوا من جديد، الآن، الحكومة ووزارة الخارجية- حول بعض بنود الاتفاق، وقد اعترفوا في نهاية المطاف، أنّ هذا الاتفاق لم يكن مثالياً. فعلى سبيل المثال، ثمة انتقادات تتعلق ببنود “الغروب” والقيود التي ستنتهي في السنوات القادمة، أو استمرار البحث والتطوير بالشكل الذي رأيناه.

هذه من جملة الانتقادات الموجهة من قبل أولئك الذين أيّدوا انسحاب الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع الماضية.

نعم، هذا ما يفعله المنتقدون دوماً، فقد تكون محقاً بنسبة تسعة وتسعين بالمائة، لكنك تجدهم يعلقون في الواحد بالمائة الباقية. إنهم يتصيدون العيوب ويضخمّونها، وهذا ما نشاهده الآن، بل وقد بلغ مرحلةً سخيفة؛ إنهم يعتقدون أنّ الاتفاق كان مسايرةً وعاراً.

أعتقد أنّ الدليل على هذه المسألة هو ما شاهدناه بعد الاتفاق. إذا كانوا على حقّ، فلماذا لم يتحسّن الوضع مع خروج دونالد ترامب من الاتفاق؟ ثمّ لا تنسوا أنه وعد بأنه سيتوصل إلى اتفاق أفضل بعد انسحابه، أو أنّ خطته المتمثلة في الضغط الأقصى ستؤدي إلى إخضاع إيران أو حتى انهيارها.

لقد اعتقد الكثيرون أنّ النظام الإيراني الذي يرون أنّه مسؤول عن كلّ الشرور في الشرق الأوسط، قد أصبح ضعيفاً لدرجة أنّه سينهار بمجرد القيام بحركة واحدة، مثلما ينهار أحدهم بلكمةٍ من خصمه. لكننا رأينا ما فعلته سياسة الضغط الأقصى. لقد اعتقدوا أنّ العقوبات المتتالية، والهجمات العديدة، والتعاون مع إسرائيل في اغتيال العالم النووي، واغتيال القائد الإيراني الأبرز، قاسم سليماني، سيضعف النظام الإيراني.

نعم، لقد دمّر اقتصادها، لكنّ إيران في وضع أقوى مما كانت عليه قبل عامين. كما أظهر اختبار القمر الصناعي مؤخراً، أنّ برنامج الصواريخ الإيراني أصبح أكثر تطوراً. إنها تبتعد بشكل يومي عن التزاماتها التي تعهدت بها في الاتفاق النووي، وباتت قريبة أكثر من أي وقتٍ مضى، من القدرة على صناعة المواد اللازمة لإنتاج السلاح النووي، أضف إلى ذلك، نفوذها المتزايد في المنطقة. لذلك، يمكنكِ أن ترى أنّ مثل هذه السياسة قد باءت بالفشل.

ألا ترى أنّ وضع إيران الذي وصفته، هو عقبة في طريق إدارة جو بايدن للعودة إلى مسار التفاوض؟

لا، على الإطلاق. هذه أسباب للدخول في مفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق. هذا هو السبب في أنّ على الدول أن تتفاوض حتى لو كانت بينهما حالة من العداء. حتى عندما تكون معارضاً تماماً لدولة ما، فإنّك تتفاوض من أجل التأثير على ما تُقدم عليه هذه الدولة.

عادةً ما تلجأ الدول إلى استخدام الضغط، أو تتظاهر بعدم وجود المشاكل، أو أنها تلجأ إلى استخدام أي حلّ سحري آخر.

لكن في النهاية، أظهرت التجربة أنّ الحلّ يكمن في الدبلوماسية، ولهذا فقد كان للاتفاق النووي نتائج إيجابية.

باعتقادي، لم يكن هناك مشكلة في الاتفاق. أنتِ تقولين أنّه لم يكن مثالياً؛ نعم، هذا صحيح، كان الوضع المثالي هو تدمير جميع أجهزة الطرد المركزي، وتفكيك كامل البرنامج، كان على الولايات المتحدة تقديم المزيد من الامتيازات الاقتصادية والأمنية، ولم تكن الولايات المتحدة تريد القيام بذلك، وبالتالي تمّ التوصل إلى توافق.

لكنني أعتقد أنّ أكبر مشكلة في هذا الاتفاق هو أنه لم يترك صوراً أو مقاطع مصوّرة. لم يكن بإمكانكِ مشاهدة ما فعله الإيرانيون. كان ينبغي تفكيك وإزالة 15 ألف جهاز طرد مركزي تم إنفاق المليارات عليها، كما كان لا بدّ من إخراج آلاف الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصّب إلى خارج البلاد، ولا يوجد صورة توثق هذه الإجراءات، لأنّ الحكومة الإيرانية لم تكن تريد أن يشاهد الناس ما يحدث؛ وهو أنّ البرنامج الذي كانوا يزعمون أنه ذو أهمية بالغة لأمنهم القومي قد تم إنهاؤه.

لقد رحّب جميع الخبراء في هذا المجال، وأنا من بينهم، بهذا الاتفاق؛ وأشاد جميع خبراء العالم، ممن هم خارج دائرة إسرائيل والسعودية واليمين في بلادنا، بهذا الاتفاق واعتبروه حلّاً رائعاً للمشكلة.

لو لم تنسحب إدارة ترامب من هذا الاتفاق، ربما كنا حصلنا على اتفاقات أفضل اليوم، في مجال الصواريخ- على سبيل المثال- ولكنّا درسنا مواضيع مثل الحرب اليمنية أو دعم إيران لحماس وحزب الله.

لم يكن لدى إدارة ترامب الثقة الكافية بنفسها لتحقيق هذا المستوى من الدبلوماسية، لكنّ إدارة بايدن ستحقق الكثير من التقدم الدبلوماسي في الشرق الأوسط، خلال الأربع السنوات التي أمامها، ولديها أفضل الأشخاص من أجل العمل على هذا الأمر، وفي مقدمتهم شخص الرئيس، الذي يمتلك معرفة جيدة جداً بهذا الاتفاق. كذلك وزير الخارجية “أنطوني بلينكن” ونائبه المستقبلي “ويندي شيرمان” التي خاضت المفاوضات لتحقيق هذا الاتفاق، إضافةً إلى “جيك ساليوان” مستشار الأمن القومي.

كل هؤلاء، هم الذين رأوا كيف تم التوصل إلى الاتفاق، وهم يعرفون الأثر الذي سيتركه عندما تستبدله بحملة ضغط، والآن هم يريدون المضيّ لتحسينها.

تقول أنّ إيران لم تكن تريد أن يرى الناس كيف توقف هذا البرنامج. لكن خلال السنة الأخيرة، حيث ابتعدت إيران تدريجياً عن التزاماتها في الاتفاق النووي، رأينا كيف تم استئناف هذا البرنامج، وكل يوم يتم اتخاذ خطوات جديدة بخصوصه، وتضاف إليه أجهزة طرد مركزية متطورة أيضاً. هذه مسألة أكد عليها منتقدو هذا الاتفاق أيضاً خلال هذه الفترة الطويلة. كيف ترون هذه الحقيقة؟

نعم، لهذا السبب كان الاتفاق مهماً، لأنه كان يمنع تنصيب أجهزة طرد مركزية كهذه. فحينها يكون لديك أجهزة متطورة، وتقرر فجأةً الخروج من الاتفاق، وتبدأ في إنتاج يورانيوم عالي التخصيب بسرعة. لهذا السبب، حظر الاتفاق هذا الإجراء لفترة طويلة.

عندما انسحب ترامب من الاتفاق-ويجب القول هنا أنّ هذا الاتفاق لم يكن يتضمن خياراً بالانسحاب، وقد انتهكته الولايات المتحدة من خلال فرض العقوبات وأعمال أخرى- قالت إيران إن بإمكانها أن تتخذ إجراءات تعويضية، ضمن إطار الاتفاق النووي، وهم يعتقدون أنّ الإجراءات التي قاموا بها، بشكل ما، هي في مستوى الإجراءات التي أقدمت عليها الولايات المتحدة، فهم على سبيل المثال، يقومون بالتخصيب في مستوى أعلى، ويزيدون من مخزونهم الاحتياطي، كما بدأوا بتركيب أجهزة طرد مركزية أكثر فعالية.

لكن النقطة المهمة تكمن في أنّ كل هذه الإجراءات هي قابلة للرجوع عنها، وهذا يعطي انطباعاً بأنّ إيران صممتها لتستخدمها كأداة ضغط في التفاوض. والخلاصة، أنّ هذه المشكلة ليست مشكلة عقيمة بدون حلّ، فإذا تم التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة وباقي الأطراف في الاتفاق النووي، ستجدين خطوات عملية سريعة من قِبل إيران للحد من هذه الإجراءات. حيث ستوقف عمل أجهزة الطرد المركزية، وتصدّر مخزون اليورانيوم، وكل ذلك يمكن أن يتم خلال بضعة أشهر. لكنّ المهارة تكمن في كيفية التنسيق لذلك، ليتم هذا الأمر بالتزامن مع إجراءات الولايات المتحدة في رفع العقوبات.

على مدى السنوات الأربع الماضية، كانت إدارة ترامب، ومنتقدو الاتفاق النووي والمؤيدون للانسحاب منه، والإيرانيون المقيمون في داخل الولايات المتحدة، مثل الأشخاص الثماني والثلاثين الذين كتبوا، مؤخراً، رسالة لجو بايدن يطلبون فيها الاستمرار في الضغط السياسي والاقتصادي على النظام الإيراني، كلهم كانوا على قناعة مفادها أنّ الفوائد الاقتصادية للاتفاق النووي لم تُصرف داخل البلاد ولا من أجل تحقيق الرفاهية للشعب الإيراني، وإنّما تم إنفاقها على أنشطة الجمهورية الإسلامية في المنطقة وعلى جماعاتها بالوكالة، برأيكم كيف ستتعامل إدارة بايدن مع هذا الموضوع للحيلولة دون ذلك؟

أولاً هذا التقييم ليس صحيحاً. فتقديرات الاستخبارات الأمريكية تشير إلى أنّ معظم الفوائد الاقتصادية التي تحققت خلال السنوات الأولى من الاتفاق النووي، مثل تحرير الأموال المجمّدة، دخلت في عجلة الاقتصاد الإيراني. ربما لم يدخل جزء منها في هذه العجلة، لكنّ تقييمات الاستخبارات الأمريكية أظهرت أنّه من غير المرجّح أن يزداد دعم حماس والحوثيين وغيرها من الجماعات الموالية لإيران، بسبب الاتفاق النووي. أنا أفهم لماذا يفكّر البعض بهذه الطريقة، أو يريدون أن يكون مثل هذا الأمر صحيحاً، لكنّه ليس كذلك.

ثانياً، إذا كان أولئك يعتقدون أنّ المزيد من الضغط، سيؤدي إلى تحسين وضع حقوق الإنسان في إيران، فلماذا إذاً لم تفلح ضغوط إدارة ترامب على مدى عامين في ذلك؟ لا بل إنّ وضع حقوق الإنسان ساء أكثر من ذي قبل. أفهم لماذا يريد الناس أن يتم تحقيق اتفاق معجزة يحلّ جميع المشاكل دفعةً واحدة، لكن الأمور لا تسير كذلك. فعلى سبيل المثال، يجب أن يتم إطلاق سراح الرهائن؛ إيران هي دولة عديمة الرحمة، ديكتاتورية ولصوصية تنهب أموال شعبها.

أنا أيضاً لا أريد العيش في مثل هذا الوضع في مكان مثل إيران، لكن في الوقت نفسه ليس بإمكانك، عندما تخوض مفاوضات تتعلق بأجهزة الطرد المركزي، أن تضع ملف حقوق الإنسان أيضاً على الطاولة. لأنّك في هذه الحالة، تمنح إيران ورقة ضغط، فأنت حينها تقول: “تعالي يا إيران أطلقي سراح عشرة أشخاص أو مائة من هؤلاء الرهائن، وامتلكي المزيد من أجهزة الطرد المركزي”.

لكي تجعل أوراق القوة التي يمتلكها الطرف المقابل أكثر ضعفاً، على الدوام، فإنّ عليك أن تقلّل من المواضيع قدر الإمكان؛ المنفعة الاقتصادية مقابل المنفعة الأمنية.

وترى حكومة بايدن الوضع على هذا النحو، وهو أن تخفف من سخونته وحدّته، حتى يشعر الطرفان بالأمان، ومن ثم يدخلان إلى المرحلة التالية، والتي من الممكن أن تتضمن قضايا مثل حقوق الإنسان، والأمن الإقليمي وبرنامج الصواريخ.

في تلك المرحلة، من أجل التوصل إلى اتفاق حول أمن المنطقة، يمكن إشراك جيران إيران أيضاً في الحوار، وهي مهمة أكثر صعوبة وأكثر ثقلاً بكلّ تأكيد. لكن أيّ خطوة من هذه الخطوات لن تكون ممكنة بدون التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي.

أشرت إلى المنطقة. أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة -وهي إسرائيل- كانت معارضة منذ البداية لهذا التوجّه، والتفاوض، والاتفاق، والسعي للعودة إلى الاتفاق في الوقت الراهن. من ناحية أخرى، لا تعترف إيران إلى الآن بإسرائيل بشكل رسمي، وهي في حالة عداء مستمر معها. برأيك، ما هو تأثير استمرار هذه التوجه على خطط حكومة بايدن؟

هذه القضية ذات شقين؛ الشق الأول هو كيف ستكون علاقات الولايات المتحدة وإسرائيل؟

أنا أعتقد أنّ هذه العلاقات ستكون صعبة. فقد اعتاد بنيامين نتنياهو أن يملي سياسته الخارجية المفضّلة على الولايات المتحدة.  هو يعتقد أنّ له اليد الطولى، حتى لو كانت إسرائيل دولة تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة، فيما يتعلق بالمساعدة المالية والعسكرية، وأنّه ما يزال بإمكانه مواصلة هذا النهج النافذ، من خلال اللجوء إلى المنظمات التي تعمل على خدمة حزب الليكود في الولايات المتحدة، لكنني أعتقد أنّ هذا النفوذ بات يفقد قوته، لأنّ الرأي العام الأمريكي هو في حالة تحوّل، ويريد الأمريكيون الخروج من الشرق الأوسط، وإنهاء هذه الحروب التي لا نهاية لها.

يعتبر الشرق الأوسط، بالنسبة للولايات المتحدة، أقل أهمية مما كانت عليه الحال قبل عشرين أو خمسين عاماً. فعلى سبيل المثال، في عام 2035 عندما لا تكون السيارات تحتوي على “محركات احتراق داخلي” ماذا سيحدث للاقتصاد النفطي للشرق الأوسط؟ سيّما وأننا لم نعد نعتمد على نفط الشرق الأوسط، بل وأصبحنا مصدّرين للنفط.

إنّ أهمية إسرائيل ستبقى مسألة راسخة وثابتة بالنسبة للولايات المتحدة، سواءً من الناحية الثقافية أو السياسية، سنؤمن دائماً بأنّ الشعب اليهودي يستحق أن يكون له وطن، ولا شكّ أبداً في هذا. لكن قضية أن تكون إسرائيل على الدوام أولوية متعلقة بأمننا القومي واستقرارنا، فهذا التوجه هو في حالة تغيّر الآن.

باعتقادي، لم يترك نتنياهو لنفسه خطاً للرجعة، وبات دعم الحزب الديمقراطي له في أدنى المستويات. يريد جو بايدن العودة إلى جهود إدارة أوباما التي كانت تسعى إلى تحقيق التوازن في المنطقة. أن ندين التشدد وانتهاك حقوق الإنسان من الطرفين، سواءً من قِبل إيران أو السعودية، وأن نقف على مسافة واحدة من الطرفين في قضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأن نسعى للتوصل إلى اتفاق بينهما، لا أن نعطي إسرائيل الضوء الأخضر لتفعل ما تشاء، وحسب.

كموضوع أخير. أريد أن أعود إلى واشنطن مرّة أخرى، وهذه المرة إلى الكونغرس الأمريكي.

ما هو تقييمك لعلاقة إدارة بايدن مع الكونغرس في الوضع الراهن؟ نحن نعلم أنّه عندما تم توقيع الاتفاق النووي مع إيران، تحولت القضية إلى تحدٍّ بالنسبة للإدارة الأمريكية، ويعتبر الكثيرون أحد نقاط ضعف الاتفاق النووي هو أنّه لم يكن يحظى بدعم الكونغرس.

الحزب الجمهوري هو في حالة جدال حول كيفية التعامل مع إدارة بايدن. الكثير من قادة الحزب يرغبون في استمرار نهجهم كما كان إبّان إدارة أوباما، وهو الاعتراض على كلّ شيء.

يجب أن تعلمي أنّ قضية الاتفاق النووي مع إيران ربّما هي واحدة من ضمن خمس مبادرات طرحتها الحكومة، وعارضها الحزب الجمهوري. سواءً كان الأمر متعلقاً بالتأمين العام أو كان اتفاقاً حول الحدّ من التسلّح مع روسيا، فإنهم كانوا يعتبرون القضية سياسيةً، ولم يكونوا يريدون النجاح لرئيسٍ ديمقراطي.

أعتقد أنّ هذا النهج سيستمر في هذه الإدارة أيضاً، وبايدن لم يعوّل على دعمهم، كما أنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً لإشراك الحزب الجمهوري في موضوع إيران. ربما يستفيد من دعم بعض أعضاء الحزب مثل السيناتور “ميت رامني” أو “جيم ساس”. السياسة هي التي ترشد الحزب في نهجه لمواجهة إيران وليس الأمن القومي. بعبارة أخرى، يستخدم الجمهوريون إيران كإرث لضرب الديمقراطيين. إنها قضية تستخدم من قبلهم لخلق الشقاق.

إنهم متأملون أن يقلّل اليهود الأمريكيون دعمهم للحزب الديمقراطي، لكن ما تزال الأغلبية منهم تصوّت للحزب الديمقراطي. طبعاً عدد اليمينيين اليهود الأمريكيين الذين ينضمون إليهم، أو المنظمات التي تدعم حزب الليكود، ليس قليل أيضاً. لكن ما شاهدناه عند التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، هو ظهور مجتمع يهودي أمريكي متقدم، مثل المنظمة التي تسمى “جي ستريت” والمنظمات المستعدة للمحاربة من أجل الدبلوماسية. وأنا واحدٌ منهم، وأعرف أنّهم انتصروا في ذلك الوقت، وسوف ينتصرون مرّة أخرى.

لكن متابعة السلطة التنفيذية العمل بمعزل عن السلطة التشريعية، ألا يضعف ذلك موقف الولايات المتحدة؟

من الأفضل جعل مثل هذه الاتفاقات على شكل معاهدة؛ لكنّ الحزب الجمهوري يمتنع عن الموافقة على المعاهدات، حتى أنّ معاهدة “نيو ستارت” مع روسيا عام 2010 (وهي معاهدة في مجال نزع السلاح النووي، وهي كانت، في الواقع، استمراراً لنهج رونالد ريغان) تمّ رفضها من قِبل غالبية الحزب الجمهوري، ولم يكن لها سوى بضعة أصوات من هذا الحزب.

يتفق معظم الخبراء على أنّه من غير الممكن المصادقة على معاهدة في مجلس الشيوخ، لذلك يضطر الرئيس إلى متابعة العلاقات الدولية بأوامر تنفيذية.

الهدف هو بذل أقصى الجهود في سبيل إشراك المعتدلين من الجمهوريين، لكن يجب علينا ألاّ نتوهّم أن يكون لكلا الحزبين نهج موحّد تجاه إيران؛ فهذا لن يحدث.

زر الذهاب إلى الأعلى