ترجمات

تركيا تشن غارة فاشلة، وتلقي اللوم على “الإرهابيين”، وتهاجم منتقديها في الداخل التركي

اعترف الحزب الحاكم في تركيا وأنصاره بأنهم فشلوا في الغارة الدامية في شمال العراق أولاً، ومن ثم اتهموا “الإرهابيين” بقتل الأشخاص الذين فقدوا حياتهم في الغارة، وتحركوا لمهاجمة المعارضين السياسيين في الداخل التركي. فحزب العدالة والتنمية التركي الذي يمسك زمام السلطة في تركيا منذ ما يقارب العقدين من الزمن، أقدم على عمليات غزو في سوريا، وليبيا، وأرمينيا مؤخراً، ويستضيف إرهابيي حماس، ويدفع لحرب جديدة في العراق وسوريا وفي الداخل التركي في الوقت الحاضر.

 كيف بدأ كل هذا؟ تزعم تركيا أنها تحارب “إرهابيي” حزب العمال الكردستاني، بعد انهيار عملية وقف إطلاق النار بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني عام 2015، وشنت تركيا حرباً شاملة بسياسة الأرض المحروقة في كافة المدن الكردية، وهزمت ما تبقى من حزب العمال الكردستاني في تركيا في النهاية. في الوقت نفسه، سعت الحكومة إلى عزل حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) المعارض، وجعله حزباً متطرفاً. ودعت إلى انتخابات جديدة مرتين عام 2015، واستخدمت المحاولة الانقلابية في 2016 للحصول على صلاحيات رئاسية جديدة، والقيام بالتضييق على المجتمع المدني، وإزالة الحصانة البرلمانية. وقامت الحكومة بفصل 60 رئيس بلدية من أصل 65 تم انتخابهم، ممن يمثلون حزب الشعوب الديمقراطي، وسجنت صلاح الدين دميرتاش، الرئيس المشترك للحزب.

ثم بدأت تركيا بغزو سوريا وزادت من عملياتها في شمالي العراق. وادعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورفاقه أن حزب الشعوب الديمقراطي مرتبط بحزب العمال الكردستاني وأن وحدات حماية الشعب (YPG) في سوريا تجسيد لحزب العمال الكردستاني. ودعمت الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية (SDF) التي تحارب داعش في شرقي سوريا. وتضم قوات سوريا الديمقراطية عناصر من وحدات حماية الشعب، وهذه النقطة تعتبر محط تساؤل لوسائل الإعلام في أنقرة، والتي تتناول في خطابها بأن “الولايات المتحدة تدعم الإرهابيين”.

لا يوجد دليل على أي هجمات “إرهابية” من قبل وحدات حماية الشعب أو حزب الشعوب الديمقراطي، وقد أوقف حزب العمال الكردستاني الهجمات على تركيا لسنوات عديدة. تركيا تقول مراراً بأن حزب العمال الكردستاني قتل “40 ألف” شخص في حروبها معها، لكن معظم هؤلاء الضحايا وقعوا نتيجة قصف أنقرة العنيف للمناطق الكردية، وليس بسبب هجمات حزب العمال الكردستاني.

في كانون الثاني / يناير عام 2018، قامت تركيا بغزو واحتلال منطقة عفرين الكردية في سوريا بشكل غير قانوني، وارتكبت عمليات التطهير العرقي بحق الكرد، والإيزيديين، والأقليات الأخرى. وتتواصل عمليات القصف ضد اللاجئين الكرد والمجتمعات المسيحية، بالإضافة إلى عمليات خطف الأقليات في سوريا من قبل المتطرفين المدعومين من تركيا.

تقوم تركيا بشن حرب ما أو عملية جديدة ضد حزب العمال الكردستاني كلما أظهرت نتائج استطلاعات الرأي خسارة حزب العدالة والتنمية. على سبيل المثال، انطلقت عملية درع الفرات بعد محاولة الانقلاب عام 2016، وجاءت انتخابات حزيران / يونيو عام 2018 بعد الحرب في عفرين. وتظهر استطلاعات الرأي الآن أن حزب أردوغان يعاني من بعض الاحتجاجات في الجامعات، وبالتالي فحرب جديدة قد تكون وشيكة.

المعارك الحالية هي ضمن سلسلة عمليات بدأتها تركيا في شمال العراق في ربيع عام 2019 وسميت بـ “عملية المخلب”. كان لديهم مرحلة (مخلب النسر) الثانية، وتسمى (Claw-Eagle 2) في ربيع عام 2020 وبدأت المرحلة الثالثة خلال الأسبوع الماضي. وتألفت هذه الغارات من هجمات بطائرات الهليكوبتر، وأفادت التقارير بمقتل ثلاثة جنود أتراك في 11 شباط/فبراير. ولم تقدم تركيا أي دليل على أي تهديد أو سبب لعمليتها العسكرية الجديدة. حيث أنها تدعي أن هناك قواعد لحزب العمال الكردستاني في العراق؛ وعليها أن تستمر في مهاجمتها، حتى ولو لم يهاجمها حزب العمال الكردستاني. تزعم تركيا أن لها “الحق” في القيام بالهجمات بشكل دائم، لأن “المجتمع الدولي”، بما في ذلك الولايات المتحدة، قد صنف حزب العمال الكردستاني بأنه إرهابي. لم تتضح الظروف التي أدت إلى مقتل الجنود الأتراك الثلاثة، لكن تركيا شجعت الولايات المتحدة على إدانة الحادثة، وتمكنت من الحصول على رد من السفارة الأمريكية في أنقرة، حيث قالت الولايات المتحدة إنها “حزينة بسبب قتل جنود أتراك على يد إرهابيي حزب العمال الكردستاني. ونقدم تعازينا لأسر الجنود الذين فقدوا حياتهم. نحن نقف إلى جانب تركيا حليفتنا في الناتو”. المعروف بأن السفارة الأمريكية في تركيا لديها سجل حافل في دعم تركيا أكثر من نظريتها التركية في الولايات المتحدة. على سبيل المثال، لا تعرب تركيا عن تعاطفها عندما يُقتل جنود أمريكيون ولا تدعم “حليفتها في الناتو”، الولايات المتحدة.

وأوضح البيان الأمريكي أن الجنود الأتراك تعرضوا للهجوم على ما يبدو، في حين كانت الحقيقة أن تركيا شنت غارة على شمال العراق. كان يُنظر إلى المبعوثين الأمريكيين السابقين إلى تركيا وسوريا، بمن فيهم السفير جيمس جيفري، على أنهم مؤيدون لتركيا إلى حد كبير ومنتقدون لسياسة الولايات المتحدة في سوريا. كان هدف تركيا منذ عام 2016 هو دفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من سوريا، وغالباً ما كانت تستخدم ذريعة “محاربة حزب العمال الكردستاني” لدفعها إلى خطوة الانسحاب هذه.

في 14 شباط/ فبراير، زعمت وسائل الإعلام التركية أن حزب العمال الكردستاني قد “أعدم” 13 مواطناً تركياً في شمال العراق على جبل كاري؛ خلال غارة عسكرية تركية على كهف كان يحتجز فيه الأتراك. وزعمت تركيا أنها قتلت 48 من أعضاء حزب العمال الكردستاني في المعركة. ويبدو بأن هذه هي المعركة نفسها؛ أو جزء من سلسلة المعارك التي قتل فيها ثلاثة جنود أتراك.

 تركيا بدأت حرباً إعلامية الآن، وتزعم أن “13 مدنياً تركيا” قتلوا، وهو ادعاء مررته تركيا عبر قناة الجزيرة، والتي تتخذ من دولة قطر؛ حليفة تركيا مقراً لها. بالإضافة إلى صحفيين متعاطفين آخرين، والذين يشكلون جزءاً من أذرع الدعاية الإعلامية للحكومة التركية.

تركيا هي أكثر دول العالم اعتقالاً للصحفيين، لذا فإن وسائل إعلامها مرتبطة بشكل أساسي بحزب العدالة والتنمية اليوم، بمن فيهم الإذاعات الوطنية مثل تلفزيون (TRT) ووكالة الأناضول للأنباء(Anadolu). واستنكرت وزارة الخارجية الأمريكية مقتل 13 مواطناً تركياً. وتقول بهذا الصدد: “إذا تأكدت أنباء مقتل مدنيين أتراك على يد حزب العمال الكردستاني، فإننا ندين هذا العمل بأشد العبارات الممكنة”. فكلمتا “إذا” الشرطية و”المدنيين” هما الأهم، لأنه ليس من الواضح ما إذا كانوا قد قتلوا على يد “الإرهابيين” أو من خلال العملية التركية المتهورة. وحتى ليس من الواضح أنهم كانوا مدنيين.

تشير أمبرين زمان؛ الصحفية التركية، إلى أن العناوين الرئيسية حول الحادث كانت مضللة. وغرًدت على موقع تويتر “إن من بين 13 الذين قتلوا “جنود” وشرطي أيضاً. وبالتالي، يبدو أنهم لم يكونوا “مدنيين”.

قد تكون القصة الحقيقية للغارة هي أن تركيا كانت تحاول خلق ذريعة لحرب جديدة، داخلياً وخارجياً. قال وزير الداخلية التركي فور أنباء عمليات القتل، أن على تركيا القبض على مراد قره يلان، القائد العسكري لحزب العمال الكردستاني و”تقطيعه إلى ألف قطعة”. واستخدم مدير دائرة الاتصالات في الرئاسة التركية، العملية الفاشلة التي قامت بها تركيا كذريعة لمهاجمة المعارضين السياسيين المحليين من حزب الشعوب الديمقراطي. حيث غرًد قائلاً: “نفذت منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية هجمات دامية، بما في ذلك التفجيرات الانتحارية، على مدى أربعة عقود. ويشيد حزب الشعوب الديمقراطي، جناحه السياسي في تركيا بعنف حزب العمال الكردستاني ويتغاضى عنه. ليس كل الإرهابيون يطلقون النار على الناس أو يفجرون الأشياء. حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطي هما نفس الشيء”. وقام بمشاركة مقطع فيديو في حسابه على تويتر مستهدفاً صلاح الدين دميرتاش الرئيس المشترك لـ (HDP)، واتهامه بصلات حزبه بحزب العمال الكردستاني. دميرتاش القابع في السجن منذ سنوات ولا يوجد دليل على هجمات “الإرهابية” من قبل حزب العمال الكردستاني في الفترة الأخيرة، أو “إرهاب” حزب الشعوب الديمقراطي، لكن أنقرة اختلقت هذا الارتباط والأزمة لتبرير استهداف جديد للمعارضة السياسية الداخلية.

بناءً على إشارة من أنقرة، بدأ باقي قادة حزب العدالة والتنمية تصعيداً في الادعاءات لتبرير حرب جديدة. وقال نائب الرئيس فؤاد أكتاي” سنواصل كفاحنا داخل حدودنا وخارجها، حتى نقضي على الإرهاب”. لا يوجد دليل على وقوع هجمات إرهابية في تركيا، فقد اختلقت أنقرة ببساطة ادعاءً بأنها مهددة من قبل “الإرهاب” بعد أن شنت غارة على العراق، والتي قتل فيها جنودها. من الواضح أن الهدف ليس “حزب العمال الكردستاني” في العراق، بل أحزاب المعارضة المحلية. وغرًد أوكتاي على تويتر” أيهما الأسوأ؟: ألا نذكر اسم عش الخيانة علانية، أو إبقاء العمل مع امتداداتها مع العلم أنها تمثل حزب العمال الكردستاني في نهاية المطاف. وغرد وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو قائلاً: “معايير الغرب المزدوجة ومفهومها تجاه الإرهاب مستمرة، بأن” إرهابيينا سيئون، وإرهابييكم جيدون”. يبدو أن تغريدته تستهدف الولايات المتحدة، حيث تحاول تركيا إقناع الولايات المتحدة بشن “حرب جديدة على الإرهاب” وتبرر الهجمات على أحزاب المعارضة في تركيا تحت ستار الحرب على الإرهاب. وقد طرحت الحكومة التركية هاشتاغ جديد “#KahrolsunPKK” بما معناه (تسقط الـ PKK).

وكجزء من خطتها الجديدة، تركيا لم تكتفِ بالسعي إلى جعل حزب الشعوب الديمقراطي غير قانوني في الداخل فقط، واختلاق عملية عسكرية لتبرير حظره، في الوقت الذي يكون معظم سياسييها في السجن مسبقاً بتهم خرافية متعلقة “بالإرهاب” إلى حد كبير، وإنما تريد أنقرة أن تضغط أيضاً لدفع الولايات المتحدة إلى مغادرة سوريا، والتهديد بغزو شنكال (سنجار)، موطن الأقلية الإيزيدية. فقبل ستة أيام من هذه العملية على المناطق الجبلية في العراق، ذكرت إذاعة صوت أمريكا في الولايات المتحدة بشكل مسبق، بأن حزب العدالة والتنمية يريد حظر حزب الشعوب الديمقراطي. وخلقت العملية العسكرية الآن “أزمة” بكل بساطة، لإلقاء اللوم على حزب الشعوب الديمقراطي فيما بعد لعمليات القتل في العراق.

في نفس الوقت، يريد الحزب الحاكم في تركيا أيضاً إعادة كتابة الدستور. وهو يدعي أن هذه الخطوة تهدف إلى إحداث “سيادة القانون” ودستور “مدني”، في حين أنها تستخدم الجيش أكثر من أي حكومة تركية سابقة، وسجنت الصحفيين والسياسيين أكثر من أي حكومة تركية أخرى منذ عقود. فحتى انتقاد الحكومة بتغريدة على موقع تويترTwitter أصبح أمر غير قانوني الآن، ويتم تسليم الأشخاص للمحاكمات ليس فقط بسبب التغريدات، ولكن لمجرد وصفهم السياسي بـ ” صليع الرأس”. ويحكم على الصحفيين بالسجن لعدة عقود بسبب مزاولتهم مهنتهم في نقل الأخبار. ويسجن الناس بسبب لوحات رسومية. يبدو من المقنع بأن حزب العدالة والتنمية يريد إعادة كتابة الدستور، لإبقاء نفسه في السلطة بالطريقة التي فعلها من خلال الاستفتاء الرئاسي، فإن ذلك سيخلق أزمة عسكرية جديدة لتبرير مهاجمة خصومه السياسيين.

ليس من الواضح ما إذا كانت أنقرة ستقوم بغزو جديد لشمالي العراق، أم ستتمكن بحظر خصومها السياسيين المحليين، أو ما إذا كانت الأزمة الحالية ستؤدي فقط إلى مزيد من التغريدات والضربات الجوية. وكانت أنقرة تضغط على مسلحي المعارضة السوريين الذين تدعمهم لمهاجمة الكرد سابقاً في تل رفعت وعين عيسى. وبحسب بعض الشائعات، قد تفكر تركيا حتى في استخدام مسلحي المعارضة السوريين الذين جندتهم لقتال الكرد في عفرين، وللقتال في ليبيا، وحتى ضد الأرمن، لإرسالهم للقتال في شمالي العراق.

تبقى الأسئلة حول ما حدث على الجبل وفي الكهف بالفعل، حيث وقعت الغارة التركية. إذا كانت تركيا في الواقع ديمقراطية وشفافة، وتصرفت كعضو في الناتو، فسيكون لديها تحقيق شفاف في كيفية مقتل 13 شخصاً زعمت أنها كانت تحاول “تحريرهم” أثناء العملية. وتريد وسائل الإعلام الموالية للحكومة في أنقرة التأكيد على أنهم “أُعدموا”. وبسبب امتلاك أنقرة جيشاً مطوراً مع قوات خاصة محترفة وطائرات بدون طيار واستخبارات، فإن فكرة فشلها في هذه العملية وجميع الأشخاص الذين كانت تحاول العثور عليهم قد قتلوا، تبدو مستبعدة. عادة في مثل هذه المداهمات، يُصاب بعض الرهائن أو يُقتلون، لكن أن يقتل جميع الرهائن، فذلك يطرح تساؤلات حول الخطأ الذي حدث. إذا صدقت رواية أنقرة الخاصة، بأنها كانت تتعامل مع جماعة “إرهابية” دموية، فليس من الواضح لماذا سارت غاراتها بشكل خاطئ ولماذا نفذت مثل هذه الغارة في المقام الأول، مع علمها بتوقع هكذا احتمالات مسبقاً. إذا لم يكن حزب العمال الكردستاني في الواقع شرساً كما تدعي أنقرة، فمن غير الواضح كيف مات الجنود وما إذا كانت أنقرة قد ارتكبت أخطاء، وتستخدمهم الآن لتبرئة نفسها من تلك الأخطاء. ونظراً لعدم وجود وسائل إعلام ناقدة في تركيا، وتحاكم تركيا الأشخاص الذين يرجحون أن أنقرة قصفت رهائنها بالخطأ على موقع تويتر، يبدو أنه من المستحيل الحصول على تفسير كامل. والقرار الفوري الذي اتخذه حزب العدالة والتنمية لاستهداف حزب الشعوب الديمقراطي، والذي لا علاقة له بالغارة التركية الفاشلة، يشير إلى سؤال أكبر حول ما هو الهدف الفعلي لتلك العملية؟!!.

صحيفة جيروزالم بوسترابط المقال الأصلي

بقلم: سيث فرانتزمان؛ محرر ومحلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة جيروزالم بوست، والحاصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة العبرية في القدس في عام 2010. وكان يعمل سابقاً كمساعد أبحاث في مركز روبين للبحوث في الشؤون الدولية، وفي المؤسسة الأكاديمية؛ مركز هرتسليا متعدد التخصصات. (IDC)  ومحاضر مختص بالدراسات الأمريكية في جامعة القدسوهو حاليًا المدير التنفيذي لمركز الشرق الأوسط لتقديم التقارير والتحليلات، وزميل باحث في منتدى الشرق الأوسطوفي المرشحين الأخيرة؛ تتناول أبحاثه على مسألة الأمن الإقليمي وقضايا الكرد واللاجئين.

مركز الفرات للدراسات- قسم الترجمة

زر الذهاب إلى الأعلى