ترجمات

هل ستسفر زيارة وزير الدفاع التركي للعراق عن نتائج ملموسة؟

على الرغم من أن وزير الدفاع التركي يبدو راضياً عن نتيجة زيارته الأخيرة إلى بغداد وأربيل، إلا أن هناك عدة عوائق أمام المطالب الأمنية لتركيا.

شهدت زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار الأخيرة للعراق؛ العديد من الاتفاقات الشفوية، حول مجموعة من القضايا التي تشاركها أنقرة مع كل من الحكومة المركزية العراقية وحكومة إقليم كردستان. ومع ذلك، يبقى أن نراقب ما إذا كانت هذه الاتفاقات ستترجم إلى خطوات ملموسة؟

بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى تركيا؛ في 17 ديسمبر/كانون الأول 2020، قام خلوصي أكار بزيارة رفيعة المستوى إلى بغداد وكردستان العراق، في الفترة ما بين 18 -20 من يناير/كانون الثاني؛ ورافقه وفد تركي كبير؛ يضم رئيس أركان القوات المسلحة التركية ياشار جولر. وفي بغداد التقى الوفد برئاسة آكار بوزير الدفاع ووزير الداخلية العراقي إلى جانب الرئيس برهم صالح ورئيس الوزراء الكاظمي. عقد خلوصي أكار اجتماعات منفصلة في أربيل مع رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، ورئيس الوزراء مسرور بارزاني، والرئيس السابق مسعود بارزاني؛ زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، القوة السياسية المهيمنة في كردستان العراق. كما قام الوفد بزيارة مكتب الجبهة التركمانية العراقية في أربيل.

تشير ثمانية اجتماعات، وحفاوة رفيعة المستوى، إلى الأهمية التي يوليها الجانب العراقي للزيارة، مقارنة بالتجاهل الذي بدر من السلطات العراقية تجاه وزير الدفاع التركي قبل أشهر فقط. حيث ألغيت زيارة أكار السابقة المخططة للعراق في آب/أغسطس من العام الماضي بعد أن قتل اثنين من حرس الحدود العراقي في منطقة سيديخان بغارة طائرة تركية مسيرة في نفس الشهر، كجزء من العمليات العسكرية التركية المستمرة ضد أعضاء حزب العمال الكردستاني المتمركزين في شمالي العراق. وتعتبر تركيا حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، إلى جانب العديد من القوى الغربية بما فيها الولايات المتحدة.

 جاءت أولى علامات كسر الجليد مع زيارة الكاظمي إلى أنقرة الشهر الماضي؛ والتي تطلبت ما لا يقل عن أربع دعوات من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فزيارة المتابعة التي قام بها أكار عززت التوقعات بأن البلدين على استعداد لتسوية خلافاتهما.

 خلال زيارة الكاظمي، ناقش الجانبان مجموعة كبيرة من القضايا الثنائية، بما في ذلك تعزيز التعاون الأمني ​​ضد حزب العمال الكردستاني، وإخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سنجار ومخمور، وفتح معبر حدودي ثانٍ بين البلدين، وإعادة بناء طريق سريع رئيسي يربط الموصل بهذا المعبر، في محاولة لإقامة منطقة عازلة بين مناطق حزب العمال الكردستاني في العراق، ومنطقة سوريا الواقعة تحت سيطرة الجماعات الكردية، وإعادة فتح خط أنابيب نفط من كركوك إلى سواحل تركيا على البحر المتوسط، وإقامة مشاريع تحديث مشتركة لحل المشكلة المزمنة لتقاسم المياه بين الجارتين، وتطوير مشاريع إعادة الإعمار؛ التي كان من المقرر تمويلها من خلال تعهد تركي بقيمة 5 مليارات دولار، لإعادة إعمار العراق.

 هذه الزيارة جاءت قبل أيام فقط من تنصيب الرئيس الأمريكي جو بايدن، وركزت زيارة أكار بشكل أساسي على القضايا الأمنية. وكان الهدف من هذه الزيارة البناء على الزخم الذي ولًدته زيارة الكاظمي، والحد من الاعتراضات العراقية على العمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني، وإجبار بغداد وأربيل على تعظيم تعاونهما على هذه الجبهة، قبل أن تدخل الإدارة الأمريكية الجديدة في الحسابات. يأمل أكراد العراق – الذين أضعفهم مثلث بغداد وطهران وأنقرة – تنفس الصعداء في ظل سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة. وعلى نفس المنوال، تأمل قوات سوريا الديمقراطية أن تقوم الإدارة الأمريكية الجديدة بإيقاف العدوان التركي في سوريا.

 هل الاجتماعات الرفيعة المستوى التي عقدها أكار في بغداد وأربيل تعني خطوات ملموسة لصالح تركيا؟

 بحسب أكار، فإن الطرفان متفقان في معظم القضايا الثنائية تقريباً، لا سيما على الصعيد الأمني. وقال أكار خلال مؤتمر صحفي في القنصلية التركية في أربيل “اتفقنا على العديد من القضايا”. وأشار بأن “المحادثات المتبادلة ستتواصل بين الوفدين. وأعتقد أن هذه ستؤدي إلى نتائج إيجابية ملموسة على أرض الواقع قريباً. وشدد على أن استعداد السلطات الكردية العراقية في التعاون مع تركيا لمحاربة حزب العمال الكردستاني “كانت مفيدة للغاية” لتركيا.

بالإضافة إلى ذلك، قال بإن الجانبان ناقشا تنفيذ الاتفاق الأمني بين أربيل وبغداد، وتأمل تركيا أن يؤدي ذلك إلى إخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من منطقة سنجار. وبحسب أكار، فإن مقاتلي حزب العمال الكردستاني “سيتم إبعادهم قريباً من المنطقة من خلال إجراءات ستُتَخذ في المستقبل القريب”

وأضاف أكار: “لقد أعربنا عن ذلك مراراً؛ عن أن قتالنا [ضد حزب العمال الكردستاني] سيستمر حتى القضاء على آخر إرهابي”، وبذلك فقد لخص نوايا تركيا بخصوص هذه الزيارة.

 مع ذلك، وعلى الرغم من تصميم تركيا على محاربة حزب العمال الكردستاني، من جبال قنديل على الحدود العراقية الإيرانية، إلى الحدود الغربية السورية، إلا أن توافق الآراء بين السلطات التركية والعراقية فشل حتى الآن في ترجمتها إلى إنجازات ملموسة على الأرض، ومن غير المتوقع تحقيق أي نتائج في المستقبل القريب. وهذا يعني أن النهج العسكري التركي للبحث عن حل لمشكلتها الكردية المتجذرة والمستمرة منذ عقود من خلال العمليات عبر الحدود في البلدان المجاورة سيستمر في الإضرار بالمشاريع المشتركة بين البلدين.

 بحسب مصادر مطلعة على الزيارة في بغداد وأربيل، كان تواجد حزب العمال الكردستاني في منطقة سنجار نقطة محورية في زيارة أكار. وبناءً عليه، قامت تركيا بقياس رد فعل بغداد على إقامة نقاط تفتيش عسكرية جديدة غرب الموصل، لإجبار أعضاء حزب العمال الكردستاني على مغادرة سنجار. ومع ذلك، فإن العدد المترامي الأطراف لنقاط التفتيش التركية، ولا سيما الوجود العسكري التركي في قاعدة بعشيقة العسكرية بالقرب من الموصل، تعتبر نقطة خلاف بين أنقرة وبغداد أصلاً، حيث احتج الجانب العراقي مرتين على رفض تركيا سحب قواتها من بعشيقة. يبدو أن احتمال الحصول على إذن لنقاط تفتيش جديدة تركية أمر مستبعد للغاية في ظل هذه الظروف.

 كما فشل اتفاق سنجار بين بغداد وأربيل، والذي يدعو إلى نشر قوات الحكومة المركزية في المنطقة، في تحقيق النتائج المرجوة التي كانت تأملها تركيا. وتعتبر أنقرة “وحدات مقاومة سنجار (YBş)، المحلية تابعة لحزب العمال الكردستاني، وتطالب بحلها، بينما تريد بغداد دمجهم ضمن صفوف قوات الحشد الشعبي (PMF) لتجنب مواجهة عسكرية محتملة.

علاوة على ذلك، فإن فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران، والتي تسيطر على المناطق التي تريد تركيا إقامة نقاط تفتيش عسكرية جديدة فيها، تقف عقبة أخرى أمام المطلب التركي. كما أن هناك كتل سياسية معارضة، تعارض ذلك، وتطالب بالحد من التدخل التركي المتزايد في الموصل ومناطق عراقية أخرى. وتم تأجيل الاقتراح التركي لمعبر حدودي ثانٍ في منطقة نينوى بشكل جزئي، بسبب اعتراضات هذه الكتل التي تخشى تزايد النفوذ التركي في المنطقة ذات الأغلبية السنية. ويهدف اقتراح تركيا إلى تجاوز كردستان العراق لإقامة علاقات تجارية مباشرة بين تركيا والحكومة المركزية في بغداد، ومن شأن ذلك تعطيل العلاقات بين أربيل وبغداد أيضاً. ففي الأثناء التي تساعد تركيا الحكومة العراقية على موازنة النفوذ الإيراني، لا يريد الكاظمي المخاطرة بدعم القوى السياسية الرئيسية في العراق قبل الانتخابات العامة في أكتوبر/تشرين الأول القادم.

في غضون ذلك، قد يدفع إحجام بغداد بتركيا إلى اللجوء إلى المناطق التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني لنقاط التفتيش الجديدة. ومع ذلك، فإن قرب هذه المناطق من معبر سيمالكا-فيشخابور (صلة الوصل الوحيدة التي تربط منطقة شمال وشرق سوريا – التي يسيطر عليها الكرد – بطرق التجارة الخارجية عبر كردستان العراق) يمثل عقبة رئيسية أمام هذه الخطة. خلال العملية العسكرية التركية عام 2012 ضد الكرد في شمال وشرق سوريا، منعت الولايات المتحدة تركيا من إقامة قواعد بالقرب من معبر سيمالكا-فيشخابور، خشية أن تؤدي التدخلات التركية إلى قطع شريان الحياة الوحيد للكرد السوريين. وربما لن تؤيد أربيل هذه الفكرة بسبب مخاوف مماثلة.

أما بالنسبة لمطالب تركيا بشأن مخيم مخمور، وهي منطقة يتواجد فيها مخيم للاجئين، يستضيف أكثر من 12 ألف كردي فروا من تركيا في التسعينات، وتعتقد المصادر الكردية العراقية أن بغداد قد تختار تفكيك المخيم من خلال منح الجنسية العراقية لسكانها.

 تعتقد مصادر بأنه على الرغم من حرص عائلة بارزاني على تعزيز التعاون مع أنقرة، إلا إنها لا تريد الانجرار إلى الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني.

كانت الاشتباكات القوية بين مقاتلي حزب العمال الكردستاني؛ وقوات البشمركة في 13 ديسمبر/ كانون الأول الفائت، في منطقة “كاري” بمثابة تحذيرٍ قاسٍ لحزب الديمقراطي الكردستاني؛ ضد معركة كردية-كردية محتملة. كانت المنطقة مذعورة من شبح وقوع “قتال الأخوة” مرة أخرى، كما حدث سابقاً في التسعينات. وأثارت هذه الحادثة دعوات للمثقفين والسياسيين لضبط النفس. كما تهدد المواجهات المباشرة بين حزب العمال الكردستاني وقوات البشمركة تحت قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني؛ العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني، وشريكه في تحالف الاتحاد الوطني الكردستاني، ومقره السليمانية، المنافس السياسي الرئيسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي كان على علاقة أفضل مع حزب العمال الكردستاني. وقد يؤدي أي تصعيد محتمل إلى انقسام الإقليم بين السليمانية وأربيل.

 علاوة على ذلك، ربما ترغب كل من بغداد وأربيل في رؤية مدى التغيير الذي ستحدثه إدارة بايدن على الأرض قبل الانصياع لأي مطلب تركي.

……………………………

الرابط الأصلي للمقال

المونيتور: نبض الشرق الأوسط

بقلم: فهيم تاش تكين؛ صحفي وكاتب عمود في مجلة نبض تركيا (Turkey Pulse)، متخصص في السياسة الخارجية التركية، والقوقاز، والشرق الأوسط، وشؤون الاتحاد الأوروبي.

ترجمة: مركز الفرات للدراسات-قسم الترجمة

زر الذهاب إلى الأعلى