ترجمات

هل سيتغيّر نهج إسرائيل العسكري تجاه إيران؟

تقول إسرائيل علناً أنّها تهاجم “أهداف إيران وحلفائها” في سورية، مئات المرات خلال العام ، وإنّ إيران “لا تردّ”، ومع ذلك فإنّها تراعي بعض الاعتبارات في مثل هذه الهجمات.

من بينها، أنها تجنّبت خلال العام الأخير، على الأقل، شنّ هجمات ضد مواقع مقاتلي حزب الله في سورية، لأنها تأخذ تهديد أمينه العام على محمل الجد، بأنّه أوجد “معادلة جديدة” تجاه إسرائيل، حيث قال إنّ الردّ على مقتل أي مقاتل من حزب الله في الشرق الأوسط سيكون في الحدود الشمالية لإسرائيل.

وهنا، لا بدّ من طرح السؤال التالي: لماذا قبلت إسرائيل أن تخاطر بشنّ الغارة الجوية الأخيرة، والتي تعتبر الأعنف، على الحدود السورية- العراقية، حيث كان يتواجد مقاتلو حزب الله وقوات أخرى حليفة لإيران؟ 

في الغارات الجوية المتعددة التي استهدفت  في الساعات الأولى لفجر الأربعاء 13 كانون الثاني/ يناير، عشرات الأهداف على الطريق الشرقي في محافظة دير الزور التي تتصل بالحدود العراقية عند مدينة البوكمال ، قُتل 75 شخصاً وجُرح 37 آخرون، بينهم قتيل وستة جرحى كانوا من ضمن صفوف حزب الله، و11 قتيلاً وعدد كبير من الجرحى من لواء “فاطميون”، أما باقي الضحايا والإصابات فكانت بين صفوف الجيش السوري والقوات شبه العسكرية العراقية الحليفة لإيران، وذلك بحسب ما أفاده تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان.

نفى قائد “لواء فاطميون” (وهو ميليشيا شيعية أفغانية تشكلت أثناء قيادة قاسم سليماني لفيلق القدس التابع للحرس الثوري، وتم إرسالها إلى جبهات القتال في سوريا)، مقتل عناصر تتبع له ولفيلق “القدس” في الضربات الإسرائيلية في 13 كانون الثاني/ يناير، كما نُفي ذلك من قبل قيادي بارز في فيلق “القدس” أيضاً.

بالإضافة إلى ذلك، ذكرت وكالة “تسنيم” المقربة من الحرس الثوري، في “خبرٍ حصري” نقلته عن “قائد لواء فاطميون” الذي لا يتم ذكر اسمه عمداً في هذه الوكالة، أنّه “لم يُقتل عنصر واحد تحت إمرته”.

كذلك، صرّح المساعد السياسي لفيلق القدس “أحد كريم خاني” لوكالة “فارس” المقرّبة، هي الأخرى، من الحرس الثوري، بأنّ “الهجمات الإسرائيلية العمياء والمفتقدة لأهداف استراتيجية” على دير الزور والبوكمال “لم توقع ضحايا بشرية” وهي “في أساسها محض كذب وحرب إعلامية يشنها المحور الغربي-العبري-العربي ضد المقاومة”.

وأضاف المساعد السياسي لفيلق القدس أنّ “إسرائيل على دراية تامة بالخطوط الحُمر للجمهورية الإسلامية الإيرانية وفصائل المقاومة في سورية، وهي تعرف جيداً أنّ الهجوم على مواقع المقاومة في سوريا سيقابله حتماً رد فعل قاسِ وعنيف”.

لكنّ المتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي قالوا إنّ بلادهم شنّت، خلال عام 2020- على أقلّ تقدير-  500 هجمة ضد الأهداف الإيرانية والقوات المتحالفة معها، وكان “ردّ إيران هو التزام الصمت وحسب”. 

كتبت صحيفة هآرتس في عدد يوم الأحد 17 كانون الثاني/ يناير، نقلاً عن مصادر استخبارية إسرائيلية رسمية، أنّ الهجمات الإسرائيلية الواسعة، على سوريا، خلال الأيام الماضية، ولا سيما الغارات الجوية في يوم 13 كانون الثاني/ يناير، على الحدود السورية-العراقية، كانت غاراتٍ غير مسبوقة، قياساً إلى الهجمات الإسرائيلية السابقة خلال الأعوام القليلة الفائتة على مواقع مختلفة في سورية، كما أنها كانت تتضمن رسالة مشتركة إلى إيران وإلى الإدارة الأمريكية الجديدة بألّا تغادر العراق.

 مسؤولون أمنيون إسرائيليون قالوا إنّ قلق بلادهم حيال تخفيض إدارة جو بايدن لعدد القوات الأمريكية بشكل كبير في العراق، واتخاذ خطوات لتنفيذ القانون الذي أقرّه البرلمان العراقي من أجل خروج القوات الأمريكية من العراق، والتوجه نحو إبداء المرونة مع حكومة بغداد، كان له دور في الهجمات الإسرائيلية في آخر أسبوع من بقاء إدارة دونالد ترامب في الحكم.

لكنّ هجمات 13 كانون الثاني/ يناير، كانت مختلفةً، من حيث عدد الأهداف، واتساع نطاقها، وأعداد الضحايا.

هؤلاء المسؤولون العسكريون والأمنيون الإسرائيليون قالوا إنّ أيّ نوع من أنواع المسايرة أو المهادنة من قبل الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه العراق، ستحوّل هذا البلد، الذي هو جار إيران الغربي، إلى مسرحٍ لتمركز القوات المتحالفة مع إيران، وهذا الأمر سيزيد من وتيرة “التهديدات الأمنية والعسكرية” لإسرائيل.

إسرائيل بأسلوبها القديم المعروف بخنق أي مسعى في مهده، وحتى قبل ولادته، وضعت هذه المرّة أيضاً، على جدول أعمالها سلسلة من الضربات المتلاحقة ضدّ أي نقطة قد تتحول إلى موقع لتمركز المعدات والقوات المتحالفة مع إيران.

وعقب هجمات الأربعاء، قال مسؤولون إسرائيليون أيضاً إنهم سيستمرون في مثل هذه الضربات المتتالية في سورية، والعراق وفي أيّ مكانٍ آخر، دون أن يساورهم الخوف أو القلق من موقف إدارة بايدن.

لم تنفِ إسرائيل، ولا الولايات المتحدة أنّ المعلومات التي قدمها وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو لرئيس الموساد يوسي كوهين، خلال اجتماع يوم الإثنين 11 كانون الثاني في واشنطن، دفعت إسرائيل لشنّ غارات جوية واسعة النطاق، بعد يومين، على الحدود السورية- العراقية.

وبحسب ما نقلته صحيفة هآرتس عن مسؤولين إسرائيليين، فإنّ محاولات إيران جلب أية قوات إلى مواقع على الحدود العراقية مع سوريا، ستكون من الآن فصاعداً من بين أهداف الغارات الجوية الإسرائيلية.

إنّ سياسة الجيش الإسرائيلي وتعامله، على مدى عقود، في ملاحقة القوات التي يشعر أنّها تشكل تهديداً له، تعزّز من الاحتمال التالي؛ وهو أنه ليست سورية وحسب، وإنما العراق واليمن أيضاً من الممكن أن تتحول، خلال مرحلة إدارة جو بايدن، إلى مسرح للهجمات العلنية والسرية لإسرائيل، وحتى لهجماتٍ بعيدة كلّ البعد عن الواقع الميداني.

ووفقاً لصحيفة هآرتس ايضاً، فقد قال مسؤول أمني كبير مؤخراً، خلال اجتماعٍ مغلق، إنه في حال عودة جو بايدن إلى الاتفاق النووي مع إيران، فإنّه “من الممكن أن يعتبر الإيرانيون ذلك بمثابة ضوء أخضر لهم للاستمرار في أهدافهم غير النووية، وتوسيع نطاق أعمالهم أكثر من ذي قبل، وأن يضيّقوا الخناق على إسرائيل، كما أنّ حزب الله أيضاً قد يتأثر بالوقائع الجديدة على الأرض. لذلك فإنّ إسرائيل لن تقبل بذلك، والإيرانيون أنفسهم يدركون هذا الأمر جيّداً”.

المسؤول الاستخباراتي قال أيضاً إنّ “إيران خلُصت، من خلال تقييماتها، إلى أنّ نشر القوات بالقرب من الحدود الإسرائيلية، عن طريق لبنان وسورية، مواجهٌ بعقباتٍ كثيرة، وإنها باتت تتجه إلى نشر قواتها في غرب العراق، قرب الحدود السورية”.

قبل يومٍ من بدء هجمات فجر 13 كانون الثاني/ يناير، أوردت وكالة تسنيم للأنباء مقالاً بعنوان: “طريق المقاومة، هي الفكرة المبتكرة لإيران والعراق وسورية لهزيمة الحرب الأمريكية الاقتصادية ضد المقاومة”، حيث جاء فيه إنّه من بين المعابر الثلاثة؛ اليعربية- ربيعة، التنف- الوليد ، والبوكمال- القائم، بين سوريا والعراق، فإنّ الأخير يُعدّ الأكثر أهمية.

وبحسب الوكالة المذكورة، فإنّ «معبر البوكمال- القائم، ينطوي على أهمية من خمسة نواحي؛ أمنية، وسياسية، واستراتيجية واقتصادية، وثقافية، وفي الواقع، فإنّ الربط بين القوات البرية “محور المقاومة”، له أهمية مضاعفة. و”طريق المقاومة”، هي نفس الفكرة التي يمكن من خلالها مواصلة “طريق شهداء المدافعين عن المراقد المقدسة، ولا سيّما الحاج قاسم سليماني” في المجال الاقتصادي…»

إنّ النقطة التي أشارت إليها وكالة تسنيم، حول أهمية الربط بين القوات البرية للجماعات المنضوية تحت إمرة الجمهورية الإسلامية، أو التي تشترك معها في الهدف، هي بالتحديد السبب الذي دفع إسرائيل لتوسيع نطاق دائرة هجماتها في سوريا لتصل إلى هذا الجزء من الحدود السورية العراقية، أيضاً.

سواءً بقي بنيامين نتنياهو في الانتخابات الجديدة في موقع القيادة أو غادر المشهد، فإنّ الجيش الإسرائيلي، ولا سيّما تحت قيادة شخص مثل الجنرال “آفيف كوخافي”، الذي له تاريخ من العمليات التي لا هوادة فيها في الضفة الغربية عام 2002، لن يتخلى عن خططه العسكرية ضد إيران في المنطقة.

حيث كشفت صحيفة هآرتس أنّ أجهزة التجسس والاستخبارات الإسرائيلية نفّذت خططاً هادفة لتصفية أفرادٍ، كما أنها حدّدت الأنفاق الحدودية اللبنانية والمنشآت النووية الإيرانية، وأحبطت خططاً إيرانية لتنفيذ عملياتٍ “إرهابية”.

لقد كان اتساع وعمق المعلومات التي تمتلكها إسرائيل عن إيران بمثابة خذلانٍ لحكّام طهران، وفي الآونة الأخيرة أيضاً، أتاحت اتفاقيات التطبيع مع دول الخليج العربي، التي تُعتبر نقطة تحوّلٍ هامة لإسرائيل، أن تكون لها نظرة أكثر قرباً ودقّة على إيران.   

على الرغم من وجود نقاطٍ، تُطلق عليها هآرتس والمسؤولون الأمنيون والعسكريون ورجال الحكومة الإسرائيليون “يدهم العليا” في جميع المجالات، إلّا أنّ الجمهورية الإسلامية أظهرت أنّ سياستها تجاه إسرائيل لن تتغيّر كثيراً، حتى لو كان ثمن ذلك تحمّل ضربات أقوى من هجمات يوم 13 كانون الثاني/ يناير، وإلحاق مزيدٍ من الأضرار بالموارد المالية والعسكرية لإيران.

الكاتبة: فرنوش رام            
ترجمة: مركز الفرات للدراسات   

  الرابط الأصلي للمقال   

زر الذهاب إلى الأعلى