هناك غاز، لكن لا قتال: هل تركيا مستعدة للقتال من أجل موارد البحر الأبيض المتوسط؟

للنشر

الكاتب: أرتوم سميونوف: صحفي حائز على ماجستير في العلاقات الدولية.

 رابط المقال الأصلي

جاءت أنشطة التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط لتعطي ​​أهمية جديدة لهذه المنطقة بالنسبة للقوى الإقليمية والدول الأوربية على حد سواء. وحيث تعتمد معظم الدول الأوروبية على الاستيراد لتأمين مواردها من الطاقة، فإن امتلاك مصادر الغاز الجديدة هذه يعد بالنسبة لها عنصرًا مهمًا لتعزيز أمنها الطاقي وتنويع مصادر إمداداتها من الهيدروكربونات.

في الوقت الحالي، يمكننا ملاحظة أن العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي (اليونان وقبرص وفرنسا وإيطاليا) يعتبرون من ضمن اللاعبين الرئيسيين الذين استكشفوا بالفعل حقول الغاز في البحر المتوسط ويحاولون تقسيمها والسيطرة عليها مستقبلاً. وهذا لا يعني أبداً أن باقي دول الاتحاد لن تستفيد من هذه الاكتشافات بل تجدر الإشارة إلى أن الدول الأخرى ستستفيد أيضاً بطريقة غير مباشرة من تلك المصادر الجديدة لموارد الطاقة، حتى ولو لم يكن لديها وصول مباشر إلى حقول الغاز تلك فستتاح لها الفرصة لتنويع مصادر وارداتها وتوزيع اعتمادهم على الهيدروكربونات بين عدة جهات موردة.

وكالعادة فإن اكتشاف أي مصدر جديد للطاقة لا يعتبر نعمة فقط بل يتحول معها إلى نقمة تجرّ الكثير من المشاكل وراءها وتصبح مصدراً للصراع بين جهات مختلفة. ومن هنا لم تكن قضية اكتشاف حقول الغاز في الجزء الشرقي من البحر المتوسط ​​استثناءً، فقد أعلنت تركيا الدولة غير العضو في الاتحاد الأوربي والتي تستورد أيضاً جل احتياجاتها من الغاز أن لها الحق في جزء من الحقول المكتشفة وبالفعل فقد قررت أنقرة القيام بعمليات الاستكشاف عن الغاز ترافق ذلك مع زيادة تواجدها العسكري في المنطقة بشكل كبير، الأمر الذي أثار حفيظة الأوربيين؛ وخاصة اليونان وفرنسا،. وشهدت الأشهر العديدة الماضية عدة حوادث خطيرة تتعلق بالسفن الحربية التركية واليونانية. حيث أعلن الجانبان استعدادهما للمواجهة العسكرية إن لزم الأمر كخيار أخير. فقد أدلت أنقرة بتصريحات جاء فيها “أن البلاد لن تهرب من المعارك”. وقد أجرت كل من تركيا واليونان بالفعل مناورات عسكرية في منطقة شرق البحر المتوسط، الأمر الذي زاد من التوتر هناك؛ ودفع بفرنسا لإرسال حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول إلى قبالة سواحل اليونان كخطوة جاءت لدعم اليونان واعتبرتها تركيا مستفزة عسكرياً.

الدوافع التركية في السيطرة على حصة من الحقول المكتشفة

تحتاج تركيا وبحسب وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ما بين 45 إلى 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً لتغطية احتياجات الاستهلاك المحلي لديها. وهي تستورد 99% من هذه الاحتياجات من الخارج حيث تأتي روسيا على رأس قائمة موردي الغاز لتركيا بنسبة تصل إلى 60% من مجموع مستورداتها من الغاز، والباقي تأمنه من إيران وأذربيجان والجزائر ونيجيريا.

وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والركود الاقتصادي الذي تعيشه تركيا منذ عام 2017 وحتى عام 2019، فقد بلغت نسبة النمو السنوي 0.877٪ فقط على الرغم من أنها تجاوزت 7% قبل عامين. وقد تفاقمت الاتجاهات السلبية داخل الاقتصاد التركي مع ظهور وباء فيروس كورونا، حيث كان عليها أن تواجه ليس فقط عواقب الحجر الصحي والتعليق الجزئي للنشاط الاقتصادي، ولكن أيضاً انخفاضاً حاداً في التدفق السياحي، الذي كان دائمًا مصدرًا مهمًا للدخل بالنسبة لأنقرة. ووفقًا لبيانات رسمية من الحكومة التركية فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي التركي في الربع الثاني من العام الحالي 2020 بنسبة 9.9٪ عن الربع السابق.

وبذلك فإن اكتساب مصادر جديدة لموارد الطاقة يعتبر ذا أهمية خاصة لتركيا فحقول الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ستساعد على تخفيف العبء الاستثنائي عن ميزانية البلاد التي تئنُّ تحت وطأة واردات الطاقة وستتيح الفرصة لالتقاط الأنفاس لاقتصاد متعثر وضعيف نوعاً ما. ومن هنا فقد حددت أنقرة هدفاً رئيسياً في الوقت الحالي يتمثل في التقليل من الاعتماد على الغاز المستورد. أما على المدى البعيد، فتعتزم أن تصبح مُصدرًا صافيًا للوقود الأزرق، الأمر الذي يتطلب قدرًا كبيرًا جدًا من امتلاك حقول ومصادر الغاز، ليس فقط في البحر الأبيض المتوسط وإنما عبر مشاريع أخرى أو البحث عن حقول أخرى.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الصراع على الموارد يتناسب تمامًا مع مفهوم السياسة الخارجية “العثمانية الجديدة” لرجب طيب أردوغان، والذي في إطاره تكون تركيا أكثر استعدادًا لمواجهة الدول الغربية. بالإضافة إلى ذلك، تفترض “العثمانية الجديدة” تقوية النفوذ الإقليمي لتركيا وبالتالي فإن اكتساب مصادر جديدة للموارد الطاقية في البحر الأبيض المتوسط ​​يرتبط ارتباطًا تامًا بهذه المهمة.

النزاعات القانونية الدولية للصراع

مشكلة أنقرة هي أنه إذا انطلقنا من الأحكام الرسمية للقانون البحري، فلن يكون لتركيا الحق في استكشاف حقول الغاز المحتملة والمكتشفة بالفعل في شرق البحر المتوسط. ومع ذلك، فإن الوضع معقد للغاية بسبب حالة قانون البحار، فكما في حالة أي قواعد قانونية دولية أخرى، هناك صعوبات وتباينات في فهم مسائل تنفيذه. بالإضافة إلى ذلك، فإن أحكام قانون البحار معقدة للغاية وغالبًا ما تفسرها الدول المختلفة بطرق مختلفة، تركيا واليونان ليستا استثناء. على سبيل المثال، تقوم تركيا بأنشطة استكشاف حقول الغاز في بحر إيجه، رغم أنها لا تستطيع القيام بذلك من الناحية القانونية استناداً لقانون البحار، حيث يتم تضمين بحر إيجه بأكمله تقريبًا في المنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان بسبب سلسلة الجزر اليونانية، العديد منها أقرب إلى ساحل تركيا منه إلى البر الرئيسي لليونان نفسها. ومع ذلك، تصر أنقرة على أن هذه الجزر لا تؤخذ في الاعتبار عند تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة، وبالتالي خلقت أول نزاع قانوني دولي للصراع.

الاصطدام الثاني يتعلق بجزء آخر من البحر الأبيض المتوسط ​​في المنطقة الواقعة بين إيطاليا وليبيا. فقد أعلنت تركيا عن أن لها حقوقاً في هذه المنطقة أيضاً، مشيرة إلى اتفاقها المبرم مع حكومة الوفاق الوطني الليبية حول هذا الموضوع. وتكمن الصعوبة في حقيقة أن المجلس الوطني الانتقالي لا يسيطر على كامل الأراضي الليبية، مما قد يشكك في شرعيته. ومن ناحية أخرى، تحظى باعتراف دولي، وهو ما يؤكده الجانب التركي.

حالة أخرى تتعلق بحقول الغاز الواقعة بالقرب من ساحل قبرص. حيث تعتبر قبرص أن  إنتاج واستكشاف الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص انتهاكًا لحقوقها. في حين لا تعترف تركيا بقبرص كدولة أساساً حتى تعترف بحقوقها. (فقط جمهورية شمال قبرص التركية معترف بها من قبل تركيا)، والجدير بالذكر هنا أنه تم اكتشاف أكبر حقل غاز كاليبسو قبالة سواحل قبرص في عام 2018 ، والذي أصبح أحد “نقاط الخلاف” الرئيسية في صراع الطاقة الحالي.

دور الاتحاد الأوروبي في الصراع القائم

أعربت بروكسل منذ البداية عن دعمها لليونان وأدانت تصرفات أنقرة العدوانية في الوقت نفسه. وفي موقفها من الصراع، تختلف مواقف دول الاتحاد الأوروبي كلٌّ حسب موقعه في ساحة الصراع القائم.

1- الموقف الفرنسي والإيطالي

هناك دول أعضاء في مواجهة مباشرة مع تركيا. مثل اليونان وقبرص، وموقفهم لا لبس فيه. وهناك أيضاً دول لها مصالح اقتصادية واستراتيجية في اكتشاف حقول الغاز في شرقي المتوسط مثل فرنسا وإيطاليا. وهما قوتان أوروبيتان متوسطيتان تهتمان بتنوع مصادر الحصول على موارد الطاقة. وبالفعل سارعت شركتا النفط والغاز الفرنسية توتال وإيني الإيطالية إلى شراء حصص في احتياطيات التنقيب عن غاز البحر الأبيض المتوسط ​​ولديهم اتفاقيات في ذات الموضوع مع أثينا ونيقوسيا. لذلك فقد تبلور الموقفان الفرنسي والايطالي بشكل واضح في إطار المواجهة اليونانية التركية، حيث تقف باريس وروما إلى جانب اليونان دون أية مواربات. علاوة على ذلك، لم يقتصر الموقف الفرنسي على التصريحات الدبلوماسية بل أرسلت سفنها الحربية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط كما ذكرنا سابقاً. مما يدل على استعدادها لدعم الأسطول اليوناني في حال نشوب أية أوضاع حرجة. ومن خلال هذه الخطوة التي اتخذتها باريس فإنها تكون قد غيرت في كامل شكل موازين القوى العسكرية للصراع.

2- الموقف الألماني

وفي ذلك يأتي الموقف الألماني أقل تشدداً من باقي دول الاتحاد الأوربي تجاه الصراع القائم شرق البحر المتوسط بسبب بنية علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع تركيا. وعلى الرغم أن الألمان انحازوا إلى جانب اليونان إلا أن هذا الانحياز بقي في إطار دعوة برلين جميع الأطراف إلى الحوار والتهدئة وضرورة البحث عن وسائل تؤدي إلى حدوث انفراجات في الصراع الحاصل هناك. ومثل هذا الخط في السياسة الخارجية الألمانية خط معتاد تمامًا، فعادة ما تفضل برلين تجنب الضغط الشديد. بالإضافة إلى ذلك ، ليس لدى ألمانيا أية حوافز إضافية داخل الصراع ، لأنه ليست لها أية أطماع في موارد البحر الأبيض المتوسط.

3- موقف دول الاتحاد الأوربي بشكل عام

وجاء موقف الاتحاد الأوربي بشكل عام مؤيداً لليونان في مواجهة تركيا حيث تعتمد بروكسل على الأحكام الرسمية للقانون البحري. على عكس تركيا، تعترف بروكسل رسمياً بدولة قبرص وبالتالي فهي تعطي الحق لكل أثينا ونيقوسيا في امتلاك حقول الغاز شرقي البحر المتوسط. وبرؤية استراتيجية يمكننا ملاحظة أن بروكسل ترى في مصدر الغاز الجديد تحقيقاً لنوع من الاستقرار لدول الاتحاد الأوروبي، وأنه من الممكن أن يصبح “وسادة أمان” في حالة حدوث أية أزمات مستقبلاً. كما أنه سيساهم في تعزيز الأمن الطاقي لدول الاتحاد من خلال تنويع مصادر الحصول على الطاقة وهي مسألة تعطي نوعاً من الارتياح لها والتي يبلغ نسبة استهلاكها من الغاز الروسي 25% من اجمالي استهلاك دول الاتحاد الأوربي.

وبالعودة إلى الوراء قليلاً وقبل بضع سنوات، كادت الأزمة المالية العالمية وأزمة منطقة اليورو اللاحقة، التي ضربت اليونان بشدة بشكل خاص، كادت أن تؤدي إلى تخلف اليونان عن سداد التزاماتها؛ الأمر الذي كان يمكن أن يؤدي إلى خروجها من الاتحاد الأوروبي، لتصبح سابقة خطيرة للغاية كان من الممكن أن تحدث سلسلة من ردود الأفعال في دول منطقة اليورو الأخرى التي لديها مشاكل مالية ضخمة (على سبيل المثال، في إيطاليا). واعتماداً على هذه الجزئية الرئيسية، قد يعتبر السياسيون الأوروبيون أن عائدات استخراج الوقود الأزرق يمكن أن تساعد على تسوية الوضع الاقتصادي في اليونان، وتأمينه وبروكسل ضد الصدمات الاقتصادية الجديدة المحتملة. ومن الجدير بالذكر أنه لإنقاذ اليونان من الإفلاس ، كان على الاتحاد الأوروبي إنشاء برنامج مساعدات مالية وإنفاق أموال كبيرة.

احتمالية دخول الصراع في المرحلة “الساخنة”

على الرغم من تطورات الأحداث الخطيرة في شرق المتوسط، إلا أن احتمالية نشوب أي مواجهة عسكرية يعتبر ضعيفاً إلى حد ما. ويعود السبب الرئيسي في ذلك أن الجميع اصطفوا إلى جانب اليونان في حين رأت أنقرة نفسها وحيدة ومعزولة في تلك المواجهة. ما عدا اتفاقها الوحيد مع حكومة الوفاق الوطني غير المستقرة في ليبيا الذي يمكن أن تعتمد عليه.

فعلى الجانب الآخر، تجمّع تحالف كامل من الدول، حيث تجري اليونان وفرنسا بالفعل تدريبات عسكرية مشتركة. وقد أدى التدخل العسكري لفرنسا إلى تغيير جذري في ميزان القوى بأكمله. فالأسطول التركي أقوى وأكبر من الأسطول اليوناني (وفقًا لمؤشر قوة النيران العالمية ، 149 سفينة حربية مقابل 116)، ولكنه أقل بشكل ملحوظ من الأسطول الفرنسي (180 سفينة حربية). والأهمية هنا ليست فقط في عدد السفن الحربية، ولكن أيضًا في بنيتها ومكوناتها وجودتها: فالأسطول الفرنسي يمتلك 4 حاملات طائرات تحت تصرفه، بينما لا تمتلك تركيا أي حاملات للطائرات.

إضافة لذلك جاء موقف دول الاتحاد الأوربي الداعم لليونان خلال المؤتمر الأخير لوزراء خارجية الاتحاد، حيث تم الإعلان عن إمكانية فرض عقوبات اقتصادية ضد تركيا. الأمر الذي يمكن أن يترك آثاراً سلبية خطيرة على الاقتصاد التركي، فالاتحاد الأوربي يعد الشريك التجاري الرئيسي لأنقرة، حيث تصل نسبة الصادرات التركية إليه 42.4٪ من إجمالي صادرات البلاد وتصل نسبة الواردات منه 32.3٪ من إجمالي واردات البلاد. وبالنظر للوضع الحالي للاقتصاد التركي والركود الحاصل فيه إضافة إلى تداعيات تفشي وباء كورونا عليه يمكننا أن ندرك تماماً أن أية عقوبات اقتصادية أوربية على تركيا ستترك آثاراً مؤلمة على الاقتصاد التركي.

إضافة إلى العقوبات الاقتصادية تمتلك بروكسل عدة أوراق أخرى قد تستخدمها في وجه تركيا إذا ما حدثت أية مواجهة عسكرية بينها وبين أثينا. فبروكسل تستطيع حرمان تركيا من تفضيلاتها التجارية الحالية مع الدول الأوروبية. وخاصة مسألة استبعادها من الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تعمل بروكسل على إغلاق مسألة عضوية تركيا المحتملة بشكل دائم واستبعادها من قائمة الدول المرشحة إلى الانضمام للاتحاد.

على الجانب الآخر لا يمكننا اغفال أن أية خطوات كهذه يمكن أن تقوم بها بروكسل لن تكون سهلة أو دون عواقب فأنقرة تتمتع بموقع جيوسياسي هام بالنسبة للاتحاد من جهة وللولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية وما تزال حليفتها القوية في منطقة الشرق الأوسط والدولة العضو في حلف الناتو الذي تتزعمه الولايات المتحدة.

آثار المواجهة العسكرية على تركيا

إن حدوث أي صراع أو مواجهة عسكرية بين تركيا واليونان قد تكبد تركيا خسائر بالجملة وعلى عدة أصعدة دفعة واحدة يمكننا إحاطتها كما يلي:

أولاً- إن ميل كفة توازن القوى العسكرية لصالح الطرف الأخر بعد التدخل الفرنسي، تقوض أية إمكانية لانتصار تركيا عسكرياً في هذه المواجهة إن حدثت.

ثانيًا- ستقوض الحرب مكانة تركيا في العالم وعضويتها في المنظمات الدولية.

ثالثًا- إن الظرف الاقتصادي الحالي السيء في تركيا لا يدع مجالاً للشك في ضعف قدراتها على تحمل نفقات تحشيد قواتها العسكرية في المنطقة (على الرغم من حقيقة أن سلطات البلاد تعلن عكس ذلك وتعلن عن حشد نشط للقوات البحرية).

رابعاً- لا يستطيع الاقتصاد التركي أن يرزخ تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الأوربية إن فرضت عليه كونه يعتبر الشريك التجاري الرئيسي لتركيا.

وعلى الرغم من خطاب القيادة التركية المتشدد للغاية، إلا أن أنقرة تدرك جيدًا العواقب الحقيقية للانفصال عن أوروبا وإطلاق العنان لصراع مفتوح مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. لذلك فمن المحتمل أن تنحو تركيا منحى آخر بدلاً من الصراع “الساخن”، يتمثل في محاولتها استخدام أدوات الضغط غير العسكرية التي تمتلكها. فدائماً ما كان الرئيس التركي أردوغان يلوح بورقة فتح الحدود أمام تدفق اللاجئين المتواجدين على أراضيها نحو أوروبا على الرغم من الاتفاق المبرم بهذا الخصوص عام 2016 بينها وبين بروكسل حيث أعلنت أنقرة وعلى لسان الرئيس رجب طيب أردوغان أنها لا ترى حرجاً في تعليق إجراءاته جزئيًا و”فتح الباب” أمام المهاجرين إلى أوربا، الأمر الذي قد يتسبب بأزمات جديدة على حدود دول الاتحاد الأوروبي.

هل يؤثر صراع الغاز في البحر المتوسط ​​على روسيا؟

تعد روسيا المورّد الرئيسي للغاز إلى أوروبا حيث يشكل الغاز الروسي نسبة 25% من إجمالي استهلاك الاتحاد الأوربي للغاز وهي ميزة تراها روسيا ورقة قوية في علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع الدول الأوربية.

من هنا يمكننا أن ندرك أن أية اكتشافات لمصادر جديدة للغاز في شرق المتوسط قد تترك آثاراً غير مباشرة على روسيا، فالدول الأوربية تسعى جاهدة لتنويع مصادر توريد الطاقة إليها بهدف تحقيق الاستقرار في أمنها الطاقي حتى لا تكون أسيرة موردين محددين ولكنها في الوقت نفسه ترى أنه من الصعب حالياً التخلي عن الغاز الروسي نظراً لرخص سعره من جهة، وللبنية التحتية من خطوط الأنابيب التي تم إنشاؤها في أوروبا سابقاً لهذا الغرض. وأن أية مشاريع جديدة كالمشروع المشترك بين اليونان وقبرص واسرائيل لمد خط أنابيب غاز إيست ميد الذي سينقل الغاز من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​إلى اليونان ويمكن توسيعه لاحقاً للوصول إلى دول أوربية أخرى بعد زيادة قدراتها الإنتاجية بسبب الحقول الجديدة التي لم يتم اكتشافها بعد في شرق البحر الأبيض المتوسط حيث لا تتجاوز طاقتها التصميمية الآن 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا فضلاً عن ضرورة مد خط أنابيب الغاز من البحر المتوسط مما يصعب من إمكانية حدوث ذلك بسبب التكاليف العالية لمثل هذا المشروع وإلا فبدون خط الأنابيب، ستذهب الإمدادات في شكل غاز طبيعي مسال، مما سيزيد من سعر الوقود الأزرق بشكل كبير ويجعله أقل جاذبية للدول الأوروبية.

على الضفة الأخرى تعتبر تركيا ثاني مستورد رئيسي للغاز الروسي بعد ألمانيا حيث تستورد تركيا سنوياً قرابة 30 مليار متر مكعب من الغاز الروسي تشكل نسبة 60% من إجمالي احتياجاتها السنوية من الغاز. وبذلك فإن احتمالية حصول تركيا على أية حقول غازية قد تترك آثاراً سلبية على تجارة الغاز الروسية. وتخرج سوق الطاقة التركي من تحت الهيمنة الروسية. وما يؤكد ان روسيا مهتمة باستمرار هيمنتها على هذه السوق كمستحوذ رئيسي للغاز الروسي، مضيها في تشغيل مشروع السيل التركي في يناير كانون الثاني من العام الحالي وباستطاعة 31 مليار متر مكعب سنوياً، والمشروع عبارة عن أنبوبين سيغذي الأول تركيا باستطاعة 15.75 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً وهذا يشكل نسبة 53% من احتياجاتها السنوية أما الأنبوب الثاني سينقل 15.25 مليار متر مكعب إلى دول جنوب شرق أوروبا عبر الأراضي التركية على مسافة 180 كم بعد إنشاء الأخيرة خزانات ضخمة على حدودها مع بلغاريا.