ترجمات

إحياء العلاقات مع مصر أم التخلّي عن معارضة معاهدة كامب ديفيد؟

 

قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، في لقائه مع سلطان عمان، في إشارة إلى تصريحات المرشد الإيراني، بخصوص مصر: “بالتأكيد سنتخذ هذا النهج والتعامل، وسنقدم على اتخاذ خطوات متبادلة في هذا الصدد”.

مما لا ريب فيه أنه يمكننا وصف السياسة الخارجية لـ “الجمهورية الإسلامية” بالسياسة “المليئة بالتناقض”، وتتعلق أحد أكثر الأمثلة تناقضاً للسياسة الخارجية الإيرانية بإقامة العلاقات الدبلوماسية للدول العربية مع إسرائيل.

عقب زيارة سلطان عمان، هيثم بن طارق إلى طهران، أعلن علي خامنئي قائلاً: “نرحّب برغبة مصر في استئناف العلاقات مع “الجمهورية الإسلامية، ولا مشكلة لدينا حيال هذه المسألة”.

هذا هو موقف مرشد “الجمهورية الإسلامية” في حين أنّ العلاقات بين البلدين قُطعت من قبل طهران قبل 44 عاماً، بأمر من الخميني، اعتراضاً على معاهدة كامب ديفيد. وعليه، فإنّ موقف خامنئي الأخير يعني أنّ “الجمهورية الإسلامية” قد أعادت النظر في سياستها تجاه مصر في الوقت الراهن. ويمكننا اعتبار أنّ طهران التي قطعت علاقاتها مع القاهرة في ذلك الوقت، تقيم الآن علاقات دبلوماسية معها، انطلاقاً من مراجعة سياساتها الخاطئة.

يعود قطع العلاقات مع مصر إلى الفترة التي أعقبت اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل وفقاً لمعاهدة كامب ديفيد، حيث أصدر روح الله الخميني في أيار/مايو 1979، قراراً أرسله إلى إبراهيم يزدي، وزير الخارجية المؤقت آنذاك، بقطع العلاقات مع مصر، وجاء في هذا القرار:

“نظراً إلى معاهدة الخيانة بين مصر وإسرائيل، وطاعة الحكومة المصرية العمياء لأمريكا والصهيونية: على حكومة “الجمهورية الإسلامية” المؤقتة، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الحكومة المصرية”.

إنّ إعادة علي خامنئي النظر في إقامة العلاقة التي قطعها الخميني، تعني في الواقع أنّ معاهدة كامب ديفيد لم تكن خيانة، وأنّ السادات أيضاً لم يكن خائناً. وبالتالي، إذا لم يكن السادات خائناً، فلماذا يحمل شارع في طهران اسم قاتله (خالد الإسلامبولي)؟ فهل سيتغيّر اسم هذا الشارع أيضاً، مثلما غيّرت “الجمهورية الإسلامية” اسم شارع “الشهيد آية الله باقر النمر” بالتزامن مع إعادة علاقاتها مع المملكة العربية السعودية؟

تناقضات “الجمهورية الإسلامية”:

في السنوات التي تلت العلاقة الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل، اعترفت عدّة دول غربية أخرى رسمياً بإسرائيل، وأقامت علاقات معها، لكنّ “الجمهورية الإسلامية” لم تقطع العلاقات مع أيّ منها، وهنا يتجلّى التناقض في سياستها الخارجية.

هذه الدول هي: الأردن (1994)، والإمارات والبحرين والسودان والمغرب (2020). ويجدر بالذكر أنّ علاقات طهران قُطعت مع البحرين، والسودان، والمغرب، لأسباب أخرى، لكن لم يكن السبب إقامة هذه الدول علاقات مع إسرائيل.

بالإضافة إلى هذه الدول، اعترفت كل من إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ببعضهما البعض على أساس اتفاقية أوسلو للسلام عام 1993، وتم تأسيس هيئة الحكم الذاتي الفلسطينية بناءً عليها. وعلى الرغم من أنّ “الجمهورية الإسلامية” عارضت هذا الاتفاق، لكنّه لم يؤدِّ إلى إغلاق السفارة الفلسطينية في طهران.

بالإضافة إلى ذلك، اعترفت بعض الدول العربية فعلياً بإسرائيل، لكنّها لم تحاول إقامة علاقات دبلوماسية معها، مثل قطر، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان. ومن المفارقة هو وجود علاقات دافئة الآن بين إيران وهذه الدول الثلاث. ومن بين العلاقات مع هذه الدول، يمكن الإشارة إلى زيارة السلطان هيثم إلى طهران، والدعوة المتبادلة من قبل الملك سلمان وإبراهيم رئيسي.

علاوةً على كلّ الحالات التي سبق ذكرها، أقامت دول مجاورة لإيران مثل تركمانستان وأذربيجان، علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، دون أن يؤدي ذلك إلى قطع علاقات طهران مع هذين البلدين.

نستنتج مما سبق، أنّ علي خامنئي الآن لا يتطلع إلى إعادة النظر في العلاقة مع مصر وحسب، بل إنه يعيد النظر في سياسته الخارجية المعارضة لمعاهدة كامب ديفيد التي أثارت في يوم من الأيام غضب الخميني.

بمعنى آخر، إنّ معارضة معاهدة كامب ديفيد- من وجهة نظره- وقطع العلاقة مع مصر، في نهاية المطاف، كان خطأً ارتكبته “الجمهورية الإسلامية”، وإذا كان هناك ضرورة لهذه المعارضة، فإنها تعود إلى المزاج الثوري للسنوات الأولى من استقرار “الجمهورية الإسلامية”.

على الرغم من أنّ رؤية خامنئي الإيجابية لإقامة العلاقات مع مصر هو أمر جيّد، لكنّ السؤال المهم هو لماذا تم اتخاذ هذا القرار متأخراً، بعد مضي 34 عاماً على توليه منصب المرشد؟

إيران ومصر دولتان عريقتان في الشرق الأوسط، ويبلغ عدد سكان كل منهما قرابة 100 مليون نسمة، وكانت بينهما علاقات تاريخية قديمة. وبالتالي يمكننا الجزم بأنّ قطع العلاقات لمدة 44 عاماً تسبب في أضرار وخسائر جسيمة لكلا البلدين.

على الرغم من استعداد إيران لإقامة علاقات مع مصر، إلا أنه لا ينبغي إغفال مسألة؛ وهي أنّ الأخيرة ستسعى بحذر إلى إقامة علاقات تجارية وسياحية مع “الجمهورية الإسلامية”، ومن المستبعد أن تتمكن السفارة الإيرانية في القاهرة من لعب دورٍ مهمٍ في تطوير التعاون العسكري والثقافي بين البلدين بعد تطور العلاقات الدبلوماسية بينهما.

السياسات المتناقضة الضارة

مع إعادة النظر في قطع العلاقات مع مصر، أنهى علي خامنئي أحد تناقضات السياسة الخارجية لـ “الجمهورية الإسلامية”، ويحاول تجديد العلاقات مع مصر؛ العلاقات التي صدر أمر قطعها من قبل المرشد المؤسس لـ “الجمهورية الإسلامية”.

من السياسات الأخرى الخاطئة للخميني هو شعار “أمريكا لا تستطيع أن ترتكب أيّة حماقة، وهي عاجزة عن فعل أي شيء”. لقد ثبت بطلان هذه المقولة من جهة، وألحقت بإيران أضراراً كبيرة من جهة أخرى. إنّ التأكيد على شعار “الموت لأمريكا” هو أحد حالات التناقض الطاغية على السياسات الخارجية لـ “الجمهورية الإسلامية” التي تعرب عن حاجتها لمساعدة أمريكا لرفع العقوبات عنها، في الوقت الذي تزعم فيه أنّ أمريكا لا تستطيع أن ترتكب أيّة حماقة وهي عاجزة عن فعل أي شيء.

يبدو أنّ علي خامنئي الآن، وبعد مرور 34 عاماً على توليه منصب المرشد، بات يتقبّل الأمر الواقع، لدرجة أنّ معاهدة كامب ديفيد ليست “مشكلة” بالنسبة له في العلاقة بين إيران ومصر. ألم يحن الوقت ليعد النظر في سياساته الأخرى المضرّة؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكاتب: حسين علي زاده

ترجمة عن الفارسية: مركز الفرات للدراسات / قسم الترجمة

رابط المقال الأصلي

زر الذهاب إلى الأعلى