ترجمات

قلق إسرائيلي من تنامي العلاقات بين روسيا وتركيا

سعي أنقرة لتجنب العزلة السياسية، بات يشكّل قلقاً بالنسبة إلى إسرائيل.

مركز الفرات للدراسات-قسم الترجمة

أكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان-  مجدداً – على الروابط المتنامية بين موسكو وأنقرة، وذلك خلال اجتماعه الأخير مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في مدينة سوتشي. جاءت محادثات سوتشي بعد فشل أردوغان في الحصول على لقاء مع الرئيس الأمريكي جو بايدن على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وفي حديثه للصحفيين بعد الاجتماع مع بوتين، أشار أردوغان إلى أنه اقترح أن تعمل تركيا مع روسيا على بناء محطتين أخريين للطاقة النووية على الأراضي التركية. تقوم شركة روسآتوم (Rosatom) الروسية حالياً ببناء محطة للطاقة النووية في أكويو، في جنوبي تركيا.

وأضاف أردوغان أيضاً إن تركيا لا تزال تعتزم شراء دفعة ثانية من منظومة الدفاع الصاروخي S-400 من روسيا. وقد أدى شراء منظومة الصواريخ الروسية من قبل تركيا العام الماضي إلى فرض عقوبات أمريكية على هيئة الصناعات الدفاعية التركية، وإلغاء تلقي تركيا للطائرة المقاتلة F-35.

وفي مقابلة مع شبكة سي بي إس (CBS) الأمريكية، نقلت عنها رويترز، صرح الرئيس التركي إنه “في المستقبل، لن يتمكن أحد من التدخل فيما يتعلق بنوع أنظمة الدفاع التي نمتلكها ومن أي دولة وعلى أي مستوى”.

وفي ردها على تصريح أردوغان، حذّرت وزارة الخارجية الأمريكية، من أن أي شراء إضافي لأنظمة الدفاع الروسية قد يؤدي إلى فرض عقوبات إضافية.

تؤكد تصريحات أردوغان على الميل التركي نحو روسيا، وتأزم العلاقات بين أنقرة وواشنطن أكثر فأكثر.

التحركات التركية الأخيرة أيضاً تعكس تناقضاً في جوهر الاستراتيجية الإقليمية التركية، بين الرغبة الملحة لتجنب العزلة، والهدف الاستراتيجي الأعمق، المتمثل في تأكيد الإثبات الإقليمي الأحادي، ودعم الإسلام السياسي السنّي، الذي يشكل جزءاً من وجهة نظر أردوغان الأساسية، ومَن هم حوله. وبناءاً على فهم هذا التناقض يبدو بأنه سيتم تحديد ردود الفعل الإسرائيلية على هذه التحركات الدبلوماسية التركية.

التحرك التركي تجاه روسيا لا يتم تحديده فقط من خلال العلاقات المتدهورة بين أنقرة وواشنطن. بل هنالك غضب وقلق في تركيا بشأن صفقة دفاع بحرية كبرى في الفترة الأخيرة بين فرنسا وخصوم تركيا التقليديين؛ اليونان. وبموجب هذه الصفقة والتي تقدر بقيمة 5 مليار دولار، تلتزم اليونان بشراء ثلاث سفن حربية من طراز بيلارا (Belharra)، وثلاثة فرقاطات من طراز كويند (Gowind) من فرنسا، ستعمل على تعزيز القدرات الدفاعية اليونانية بشكل سريع في شرق البحر المتوسط ​​وبحر إيجة، في وقت تتزايد فيه التوترات بين البلدين بخصوص النزاعات في هذه المناطق.

ويأتي الاتفاق البحري الفرنسي-اليوناني في أعقاب اتفاق العام الماضي؛ حيث التزمت فيه أثينا بشراء 18 طائرة مقاتلة من الجيل الرابع من طراز رافائيل، مقابل 2.5 مليار دولار. وبالنظر إلى الموقف الفرنسي الحازم ضد التحركات التركية في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، فإن هذه الصفقات الدفاعية الرئيسية تعزز التحالف الاستراتيجي بين فرنسا واليونان. وفرنسا ملتزمة الآن بتقديم المساعدة العسكرية لليونان إذا طلبت ذلك.

مع وجود نزاعات كبيرة بين أثينا وأنقرة حول الحقوق الجوية والبحرية في بحر إيجة، وحقوق التنقيب في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، بالإمكان رؤية تذبذب تركيا نتيجة منحى تطور الأحداث بكل سهولة، ولماذا يبحث أردوغان عن شركاء جدد. فالولايات المتحدة منخرطة في انسحاب عام في المنطقة. كانت اليونان نشطة في الجهود المبذولة لضمان وقوفها إلى جانب واشنطن بقوة ضمن التحالف الموالي لأمريكا في أي منافسة استراتيجية ناشئة مع روسيا. فالغضب الأمريكي من شراء تركيا معدات عسكرية روسية وانتهاكات حقوق الإنسان، إلى جانب التحالفات الأمريكية الأخرى، يجعل واشنطن غير متاح كشريك لطموحات تركيا الإقليمية.

ومع ذلك، فإن تركيا ليست في وضع يسمح لها ببساطة بتفضيل موسكو على واشنطن. حيث أن أنقرة وكذلك موسك على طرفي نقيض في عدد من الملفات الإقليمية الرئيسية. ففي ليبيا، تدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني المرتبطة بالإخوان المسلمين، ومقرها طرابلس. وفي الملف السوري، تضمن تركيا ما تبقى من سيطرة الإسلاميين السنة في شمال غرب البلاد. وفي الجهة المقابلة، تدعم موسكو سلطة الجنرال خليفة حفتر في شرق ليبيا، ومقرها طبرق. كما أنها ملتزمة باستعادة نظام الأسد السيادة على سوريا بأكملها. وقد ازداد القصف والهجمات الجوية من قبل النظام والروس على الجيب التركي بشكل ملحوظ في الأسابيع الأخيرة، بالرغم من تقدم الدبلوماسية التركية-الروسية.

ولمواجهة عزلتها المحتملة، تسعى تركيا – بالتالي – إلى التقارب مع عدد من اللاعبين الإقليميين الإضافيين، الذين ابتعدت عنها في السنوات الأخيرة. عليه، الجهود الدبلوماسية التركية مستمرة في الوقت الحاضر تجاه الإمارات العربية المتحدة، ومصر، ولا سيما إسرائيل.

وعقدت جولة ثانية من المحادثات بين مسؤولين مصريين وأتراك في أنقرة في سبتمبر/أيلول الفائت. حيث قامت تركيا بسحب سفيرها من القاهرة عام 2013، غاضبة من الانقلاب العسكري الذي أطاح بجماعة الإخوان المسلمين من السلطة في مصر في نفس العام. وبخصوص الإمارات، تحدث أردوغان هاتفياً مع ولي العهد الشيخ محمد بن زايد الشهر الماضي.

فيما يتعلق بإسرائيل، تحدث الرئيس “إسحاق هرتسوغ” وسط ضجة إعلامية كبيرة مع أردوغان في يوليو/ تموز الماضي. ولم يحدث الكثير من المستجدات منذ هذه المكالمة. لكن على إسرائيل أن تفكر بحذر؛ فما الحكمة والفائدة من أي تقارب قد يكون قصير الأمد مع تركيا، عندما تكون في تعارض مع الاتجاه الأعمق للأحداث. لذا، فالأمر لا يقتصر على هذا فحسب، بل فيما يتعلق بتطوير العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل واليونان ومصر والإمارات العربية المتحدة وفرنسا، وهي دول اتخذت ومن المرجح أن تستمر في اتخاذ موقف معارض وصارم للطموحات التركية في شرق البحر المتوسط.

بينما تواصل تركيا مسارها في الانفصال عن مجموعتها في تحالفات الحرب الباردة، قد ترغب إسرائيل في النظر في موقف أنقرة المستمر فيما يتعلق بالأحداث غرب نهر الأردن.

وتعتبر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إيران وطموحاتها الخطر الرئيسي لأمن إسرائيل. مع ذلك، هناك تحدٍ استراتيجي رئيسي إضافي طويل الأمد يواجه إسرائيل؛ وهو التساوي القريب بين السكان اليهود والعرب المسلمين غرب الأردن. في هذا الصدد فإن إسرائيل تتمتع بمزايا رئيسية؛ وهي اقتصادها المتقدم ومجتمعها المدني، وبنى الدولة الموحدة، وانقسام السكان العرب إلى أربعة أنظمة سياسية مختلفة (غزة التي تسيطر عليها حماس، والسلطة الفلسطينية في رام الله، وإسرائيل في القدس، وأراضي ما قبل 1948). والحفاظ على هذا الانقسام مصلحة حيوية بالنسبة لإسرائيلية.

فالتحدي الحقيقي الوحيد الذي يواجه استمرار هذا الوضع – على المدى المتوسط ​​إلى الطويل – هو تعبئة رموز الإسلام السني والمنظمات التي تسعى إلى الاستفادة من هذه الرموز سياسياً. تتوجه الأنظار إلى تركيا بشكل كبير، حيث كانت منخرطة بنشاط في السنوات الأخيرة في السعي لتحقيق مكاسب في هذا المجال. من خلال “الدعوة” (أنشطة الخير الدينية) عبر TIKA (وكالة التعاون والتنسيق التركية)، وشراء الممتلكات، ودعم النشاط الإسلامي في القدس وأماكن أخرى في إسرائيل، من خلال المساهمات المالية في غزة التي تسيطر عليها حماس، ومن خلال التوطين ومنح الجنسية لـنشطاء حماس على الأراضي التركية، وتسعى أنقرة إلى تقديم نفسها على أنها حامية الأماكن الإسلامية المقدسة، وراعية الكفاح الطويل ضد إسرائيل.

لا توجد مؤشرات كثيرة على أن هذا الجهد يحمل نتائج مهمة في الوقت الحاضر. لكن يبدو أنه قد يستمر الأمر طالما بقي حزب العدالة والتنمية – المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين وأردوغان – على رأس السلطة في تركيا. إن جهود أنقرة المستمرة في هذا المجال، وتزايد ابتعادها عن واشنطن، وتحركاتها تجاه روسيا، ومعارضتها المباشرة لأقرب حلفاء إسرائيل الإقليميين والناشئين، تعني أن التقارب الوشيك بين تركيا وإسرائيل غير محتمل، والجهود المتزايدة تجاهها غير مجدية وربما غير ملائمة، في المستقبل المنظور.

 

صحيفة جيروزالم بوست

 مقال رأي

 جوناثان سباير: كاتب ومحلل وصحفي، يركز على الشؤون الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط. وهو زميل باحث في معهد القدس للدراسات الاستراتيجية (JISS)، وزميل في منتدى الشرق الأوسط. والمدير التنفيذي لمركز الشرق الأوسط للتقارير والتحليل.

رابط المقال الأصلي

زر الذهاب إلى الأعلى