ترجمات

ما الذي جلب السعوديين إلى طاولة المفاوضات مع إيران؟

وصف محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية، في مقابلة مع شبكة الإخبارية السعودية، في 2 أيار/مايو 2017- وهو لم يكن ولياً للعهد آنذاك- أي حوار مع نظام الجمهورية الإسلامية بالعبثي.

وقال بن سلمان، الذي يدير مقاليد الحكم في المملكة بشكل فعلي، إنّ بلاده لن تنتظر أن تقوم “المعركة” على الأرض السعودية، وأنه سيسعى لأن ينقل “المعركة” إلى داخل إيران.

ولكن بعد مضي أربعة أعوام، قال محمد بن سلمان في مقابلة أذيعت على شبكات مختلفة صباح الأربعاء 27نيسان/أبريل من العام الحالي: “إيران دولة جارة، وكل ما نطمح إليه هو أن يكون لدينا علاقة طيبة ومميزة مع إيران”.

وأضاف وليّ العهد السعودي: “لا نريد أن يكون وضع إيران صعباً، بالعكس نريد إيران مزدهرة”.

لكن، ما الذي طرأ خلال هذه السنوات الأربع حتى حدث مثل هذا التغيير الكبير في موقف ولي العهد السعودي؟ ما هو سبب ورود تقارير تفيد بأنّ البلدين أجريا محادثات “مباشرة” منذ أوائل نيسان/ أبريل الفائت، في بغداد، وأنه من المرجّح أن تُجرى الجولة القادمة من المحادثات بين إيران والمملكة العربية السعودية على مستوى السفراء؟

يمكن تقسيم الأسباب المؤدية إلى هذا التغيير إلى ثلاثة أقسام؛ التطورات الداخلية السعودية، والتطورات الداخلية في إيران، وأخيراً التطورات الدولية:

التطورات الداخلية السعودية

يسعى ولي العهد السعودي الشاب منذ فترة، إلى تحرير بلاده من الاعتماد على عائدات النفط، وقد كشف عن خطط لمشاريع ضخمة في هذا المجال.

لقد كان بن سلمان يأمل في أن ينجح في تحقيق استقرار الأوضاع، بعد القيام بعدة إجراءات إقليمية ضد النفوذ الإيراني، ومن ثم يتمكن من استقطاب رؤوس أموال أجنبية ضخمة لمشاريع بلاده. لكنّ مساعيه في الإزالة السريعة لنفوذ الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وتطويق نفوذ الجمهورية الإسلامية في بلدان أخرى، مثل لبنان وسوريا لم تحقق النتائج المرجوة.

وبالتالي، فإنّ استمرار الأوضاع المتوترة، بالإضافة إلى سجل بن سلمان في مجال حقوق الإنسان، حال دون رغبة المستثمرين الدوليين للدخول في المشاريع السعودية الكبيرة.

إنّ الاعتراف بالقدرات المحدودة للمملكة العربية السعودية في مواجهة نفوذ اللاعبين الرئيسيين الآخرين في المنطقة؛ أي إيران وتركيا، من شأنه تحويل الأموال المخصصة للإنفاق على الحروب اللانهائية في اليمن وأماكن أخرى، وإدخالها إلى الاقتصاد المحلي السعودي.

من أجل التحرك في هذا الاتجاه، فإنّ السعودية بحاجة إلى التوافق مع القوى الإقليمية. ويُعتبر الشروع بالمحادثات مع الوفود الإيرانية، والتي بدأت قبل بضعة أسابيع في العاصمة العراقية بغداد، دليلاً على هذا التوجه.

من جانبٍ آخر، كان محمد بن سلمان قد دعا إلى الرفع التدريجي للعادات والتقاليد القديمة من داخل المجتمع السعودي، ودخول البلد إلى العالم العصري، من خلال اتخاذ العديد من الإجراءات، مثل السماح للنساء بقيادة السيارات، ومنح بعض الحقوق للمواطنين.

وهو يواجه في هذا الاتجاه أيضاً معارضة قوية من رجال الدين السلفيين، الذين يمتلكون نفوذاً كبيراً في المجتمع السعودي والنظام السياسي في البلاد.

 وقد أطلق التوتر الشديد القائم بين المملكة العربية السعودية والحكومة الشيعية في إيران، يد رجال الدين السنة المتطرفين لمواصلة نفوذهم السياسي في المملكة، وبالتالي فإنّ تخفيف حدة التوترات مع إيران سيكون من شأنه أن يقلل من مخاوف الشعب السعودي تجاه إيران، ويخفف من احتمائهم بمظلة الأجنحة السلفية الأكثر تطرفاً، وهو شيءٌ يراه ابن سلمان نفسه، يصبّ في مصلحته.

من ناحية أخرى، وعلى عكس الحكام الإيرانيين المستعدين لإنفاق رفاهية وراحة الشعب الإيراني على حروبهم الإقليمية التي تُدار بالوكالة عنهم، والردّ بالرصاص في الشوارع، على أي احتجاجات يقوم بها المواطنون ضد هذا النهج، فإنّ وليّ العهد السعودي لا يلعب مثل هذه اللعبة.

استطاعت الحكومة الإيرانية، من خلال التضحية بحاضر ومستقبل الشعب الإيراني، في سبيل مخططاتها الإقليمية، أن تمتلك اليد الطولى في هذا الصراع الديني المتآكل مع السعودية.

لكننا لا نجد أيّ مؤشر يدلّ على نية الحكومة السعودية، لتسخير كل موارد البلاد في لعبة القوة هذه، فمثل هذا التوجه سيجلب معه استياءً داخلياً شديداً، ولا يبدو أنّ الحكومة السعودية تميل للقيام بذلك، وبالتالي ارتكاب المجازر بحق المحتجين، في سبيل مواصلة برنامجها الإقليمي.

التطورات الداخلية في إيران

يعود الانقطاع الكامل للعلاقات بين الرياض وطهران إلى كانون الثاني/يناير 2016، حينما هاجم متطرفون إيرانيون موالون لخامنئي، المقرات الدبلوماسية السعودية في مدينتي طهران ومشهد.

على الرغم من أنّ لمرشد الجمهورية الإسلامية الكلمة الأولى في السياسة الخارجية لإيران، لكن القلق السعودي سيزداد أكثر جراء قيام إيران بتحركات عنيفة ومؤذية ضدها، مع احتمال وصول رئيس أصولي إلى سدّة الحكم في الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة.

ومن المحتمل أن تكون المساعي السعودية لإنهاء الحرب اليمنية، والتوصل إلى اتفاقيات غير مكتوبة مع الوفود الإيرانية المفاوضة أيضاً، على صلة بهذا الاحتمال المرتقب.

التطورات الدولية

عقب تعرّضها لخسارة بقيمة 2 مليون دولار، جرّاء هجمات بطائرات مسيرة، شنتها جماعات موالية لإيران، على منشأة أرامكو لإنتاج النفط، شرقي السعودية، في 14 أيلول/ سبتمبر 2019، دعت الحكومة السعودية إلى ردّ عالمي سريع، لكن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حينها، لم تُبدِ استجابة فعلية تبث الأمل في نفوس السعوديين، حيال هذه القضية.

لقد أحدث ذلك تغييراً في المعادلة بالنسبة للسعوديين، وزاد هذا التغيير شدةً الآن، مع وصول إدارة الرئيس جو بايدن إلى السلطة في الولايات المتحدة. فقد أعلن بايدن، منذ توليه الحكم، عن إيقاف تقديم الدعم للحرب السعودية في اليمن، إضافةً إلى متابعة ملفات حقوق الإنسان المتعلقة بمحمد بن سلمان.

لكن قلق السعوديين الآن، لا يقتصر على الرئيس الأمريكي جو بايدن، فبعد سيطرته على المجلسين في الكونغرس، بات يحظى بدعم كامل من قبل الحزب الديمقراطي؛ الحزب الذي يتابع أعضاءه الإجراءات العقابية المتعلقة بملف حقوق الإنسان ضد بن سلمان، على نطاق أوسع من بايدن.

على أية حال، فإنّ كل هذه العوامل والأسباب بإمكانها أن تكون هي ذاتها التي جلبت السعودية إلى طاولة المفاوضات مع الوفود الإيرانية. لكن، وبالنظر إلى الأحقاد القديمة للكثير من رجال الدين المتنفذين في الحكومة الإيرانية ضد سلالة آل سعود، والتوجهات الحادة للكثير من المسؤولين الإيرانيين ضد هذا البلد، فإنه يبقى من غير الواضح إلى أين سيقود المستقبل هذه المحادثات.


الكاتب: ماني پارسا.

الرابط الأصلي لمقال

زر الذهاب إلى الأعلى