لماذا تغيب تركيا عن الطاولة بالرغم من تواجدها في الميدان؟

حضور الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ووزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، من أجل المؤتمر الصحفي بعيد لقائهم في مبنى وزارة الخارجية في أنقرة في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2020. المصور آدم ألتان/AFP
للنشر

رابط المقال الأصلي

ترجمة: مركز الفرات للدراسات

 

إن سياسة تركيا في عرض العضلات، لكسب النفوذ الدبلوماسي، تخللتها سلسلة من الحسابات الخاطئة، حيث فشلت في تحقيق النتائج المرجوة في كل من النزاعات في ليبيا والقوقاز.

إنّ الشعار التركي الذي يقول: “يجب أن نكون في الميدان حتى نكون على الطاولة.” يتماشى مع التدخلات التركية الخارجية في السنوات الأخيرة. إن هذه السياسة، التي تؤكد على ضرورة تدخل تركيا في نزاعات خارج حدودها، تهدف إلى تعزيز الدور الدبلوماسي التركي في المنطقة، وقد حققت نجاحاً جزئيًا في سوريا، لكنها فشلت في جني أية نتائج إيجابية في ليبيا والقوقاز.

وتعود جذور هذه العقيدة إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما كان الرئيس التركي آنذاك تورغوت أوزال يتمنى تطبيق مبدأ “ضع واحداً، لتأخذ ثلاثة”. من خلال فتح جبهة على الحدود الشمالية للعراق؛ لدعم الولايات المتحدة في حرب الخليج؛ إلا أنه فشل في تحقيق طموحاته تلك، بسبب المعارضة الشديدة التي تلقاها من كبار العسكريين والسياسيين في الجيش والحكومة في تركيا، والذين استقال بعضهم في تحدٍ واضح.

بعد خمسة أشهر من وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا. طلب من البرلمان الموافقة على الانضمام إلى الولايات المتحدة الأمريكية لغزو العراق في آذار/مارس 2003؛ لكنَّ طلبه قوبل بالرفض آنذاك. إلا أنه، وبعد ثلاثة عشر عاماً، أعطى البرلمان التركي الضوء الأخضر للقيام بعملية “درع الفرات” بهدف الحد من التمدد الكردي في سوريا، لتصبح هذه العملية مقدمة لحملات عسكرية تركية أخرى في سوريا وخارجها. حيث وضعت تركيا نفسها  “على طاولة المفاوضات” مع روسيا وإيران في مسار أستانا من خلال استراتيجية “التواجد في الميدان” داخل سوريا، على الرغم من أن تواجدها العسكري هذا لم يحقق لها أي إنجاز على الصعيد الدبلوماسي الخارجي.

ففي معظم الأزمات الأخيرة، كانت تركيا طرفاً فيها، بسبب اتباعها سياسة ليّ الذراع تجاه الأطراف الأخرى، مما أدى إلى استبعادها من أية منصات للتسوية. ومن الأمثلة على ذلك عملية الحوار التي أعقبت القتال في ليبيا في وقت سابق من هذا العام، والجهود المبذولة لإنهاء الحرب بين أذربيجان وأرمينيا منذ أواخر أيلول/سبتمبر الفائت.

فقد جرى برعاية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اجتماع استمر 11 ساعة بين وزيري خارجية أذربيجان وأرمينيا في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الجاري؛ والذي أسفر عن إعلان وقف لإطلاق النار مؤلف من أربعة بنود. وقد تم استبعاد تركيا من أية تسوية للنزاع في إقليم ناغورني قره باغ. وهو هدف كانت أنقرة تتطلع إليه من خلال دعمها القوي لأذربيجان. حيث أيّد الإعلان الوساطة الروسية الفرنسية والأمريكية، وهم الرؤساء المشاركون لـ “مجموعة مينسك” (وهي هيئة أنشأتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا) التي قادت جهود التسوية منذ اندلاع الصراع لأول مرة في أوائل تسعينات القرن الماضي، والذي أكد على ” ترسيخ صيغة التفاوض”.

لقد حاولت أذربيجان إشراك تركيا في عملية التسوية، إما كرئيس مشترك لمجموعة مينسك أو من خلال صيغة أخرى، لكنها فشلت في إقناع محاوريها بذلك حتى الآن. فبعد الموافقة على شروط إعلان وقف إطلاق النار، أصر الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف على مشاركة تركيا، لكن روسيا وأرمينيا رفضتا ذلك. بالإضافة إلى أن قرارات مجلس الأمن الدولي تجاه ذلك تدعم  “مجموعة مينسك” باعتبارها منصة التسوية في نزاع ناغورني قره باغ.

وعلى الرغم من موقفها الحازم من أجل إنهاء الاحتلال الأرميني للأراضي الأذربيجانية، والتشكيك الصريح في كفاءة مجموعة مينسك، فإن أنقرة تدرك جيداً حدودها في منطقة القوقاز، التي تعتبر منطقة نفوذ روسية منذ حوالي قرنين من الزمن. ولا تمتلك تركيا خياراً آخر سوى الحد من طموحاتها، والحصول على دور مهم ضمن منصة مينسك. وبذلك قد تكون تركيا مستعدة للانضمام إلى مهمة مراقبة وقف إطلاق النار التي اقترحتها “مجموعة مينسك” قبل حوالي عقد من الزمن، في حال تم إطلاق مثل هذه المبادرة في النهاية. وإن حصر المهمة بالنسبة لأنقرة في شكل من أشكال التعاون التركي – الروسي، على غرار الدوريات التركية – الروسية المشتركة في سوريا، قد يعتبر نتيجة مثلى فيما لو تم تحقيقها. ومع ذلك، فإن هذا يعني قبول روسيا لتقاسم الأدوار مع تركيا، وهو احتمال مستبعد إلى حد كبير.

وبشكل مماثل، أظهرت التطورات الأخيرة في ليبيا كيف أن الوجود التركي “في الميدان” لم يكن مؤثراً كما هو متوقع، على الرغم من أن مساعدتها العسكرية لحكومة الوفاق الوطني؛ التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، قد قلبت الموازين في الحرب في وقت سابق من هذا العام. حيث هددت مصر بالتدخل لوقف تقدم القوات المدعومة من تركيا، وتمكنت من البقاء في اللعبة كوسيط. ومع ملاحظة العداوة القوية بين أنقرة والقاهرة والتي تتجاوز الأزمة الليبية، فإن استضافة مصر للمحادثات بين الأطراف الليبية هي مؤشر واضح على تهميش الدور التركي في هذه العملية.

في الآونة الأخيرة، اجتمع مجلس النواب الليبي ومقره طبرق، والمجلس الأعلى للدولة بطرابلس في القاهرة في الفترة الممتدة ما بين 11-13 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، لمناقشة القضايا الدستورية، بدعوة من رئيس المخابرات المصرية للحوار. وجاءت هذه المفاوضات بعد سلسلة من المحادثات العسكرية والأمنية بوساطة الأمم المتحدة في مدينة الغردقة المصرية واجتماعات أخرى في القاهرة في سبتمبر/أيلول الماضي. ومن المتوقع إجراء مزيد من المحادثات في مصر، حول المسائل الدستورية بين الأطراف الليبية المتنازعة.

من جانبها، تسعى الحكومة التركية للتأثير على العملية من خلال ممثلي حكومة الوفاق الوطني، وهم الضيوف الدائمون في أنقرة. وتجدر الإشارة إلى أن جهود ألمانيا كانت مفيدة أيضاً في جلب الأطراف المتحاربة إلى طاولة المفاوضات.

يرتبط تورط تركيا في ليبيا ارتباطاً وثيقاً في طموحاتها في مجال الطاقة في شرق بحر الأبيض المتوسط، والتي أجّجت التوترات مع اليونان وقبرص على وجه الخصوص، حول الحقوق الإقليمية والتنقيب. وهنا لجأت تركيا أيضاً إلى استعراض العضلات في البحار، على الرغم من أنها كانت تمتلك وسائل أخرى للتفاوض بشأن هذه المسألة.

باختصار، تكافح تركيا من أجل أن تكون صانعة ألعاب، لكن أنقرة أثبتت قدرتها على “إفساد الألعاب” في مناطق الصراع، كما يتفاخر مؤيدو الحكومة. ويعزى ذلك لعدم امتلاكها الأساليب الاستراتيجية التي تتطلبها صناعة الألعاب. وتعود أسباب فشل تركيا إلى ما يلي:

  • في المقام الأول، إن فشل معادلة الجدول الميداني لأنقرة، سببها التفاوت بين الأهداف والوسائل. فعلى الرغم من كونها ثاني أكبر قوة في حلف الناتو، تميل تركيا إلى المبالغة في ردعها العسكري في المناطق البعيدة. حيث أنً كفاءة أداء الطائرات المسلحة (بدون طيار) في الصراعات في سوريا، وليبيا، والقوقاز أدى إلى شعور بالقوة مبالغ فيه لدى أنقرة “القوة الاستراتيجية”. لأن إظهار القوة وبسط النفوذ من هذا القبيل تتطلب امكانات أكبر من قوة الطائرات بدون طيار. حيث أظهرت التجربة الليبية بشكل خاص، بأنّ القدرات العسكرية التركية محدودة في مغامراتها خارج الحدود. فضلاً عن ذلك، فإن مسألة تفاخر الحكومة بشأن الطائرات بدون طيار “الأصلية بالكامل”، قد تلقت ضربة قوية في وقت سابق من هذا الشهر، عندما علقت كندا تصدير أجزاء مهمة من هذه الطائرات إلى تركيا.
  • وعلى نفس القدر من الأهمية، تأتي مسألة كيفية تصور الآخرين للقوة التركية. فكثيراً ما تصرح أنقرة بتهديدات لا يمكنها القيام بها. ونتيجة لذلك، أصبحت تحذيراتها وتهديداتها غالباً ما يُنظر إليها على أنها ابتزاز، أو خداع، أو مصممة لأغراض المساومة، أو كمتنفس محلي من قبل الحكومة، التي ازداد اعتمادها في الآونة الأخيرة على دعم الأوساط القومية في تركيا لها.
  • هنالك جانب سلبي آخر، ينشأ من ميل أنقرة إلى تجاهل عامل الجوار القريب؛ أو التقليل من شأنه في المناطق التي تتدخل فيها عسكرياً؛ أو تنخرط فيها بطرق أخرى. ويمكننا التذكير بالنفوذ المصري في الأزمة الليبية، والدور الروسي الحاسم في نزاع ناغورني قره باغ ضمن هذا السياق.
  • وتعزى حسابات تركيا الخاطئة أيضًا إلى ميلها إلى الاعتقاد بأن الجهات الفاعلة التي تدعمها ستلتزم دائماً بمسار عملها. ومع ذلك، لا يرغب حلفاؤها الليبيون ولا الأذربيجانيون أن يصل دعم تركيا لهم لدرجة عدم ترك مساحة لهم للمناورة.
  • بالإضافة إلى ذلك، فقد باتت السياسة الخارجية التركية مثيرة للجدل إلى حد كبير، مما أدى إلى نفور العديد من حلفائها منها الأمر الذي ساهم في ازدياد عزلة تركيا على الساحة الدولية.
  • كما أن استخدام تركيا للمسلحين السوريين كأداة للتدخل في صراعات أخرى تأتي بنتائج عكسية.

خلاصة القول، إن تزايد توجه أنقرة نحو عسكرة سياستها الخارجية، يؤدي إلى تآكل قدرتها الدبلوماسية. وفشل الدبلوماسية التركية في مجاراة استعراض القوة العسكرية، حوّلها إلى لغة عدائية، ومشاكسة، واستفزازية، الأمر الذي جعل من الصعب الحصول على نتائج إيجابية لها. وهنا تتزايد الأمثلة على كيفية فقدان تركيا لمصداقيتها ونفوذها. فمثلاً لم تقم مصر بالاستفراد بالمبادرة في ليبيا فحسب، بل عززت العلاقات الوثيقة مع روسيا أيضاً، لدرجة إجراء مناورات عسكرية مشتركة في البحر الأسود. وتوغلت فرنسا في المواجهة في البحر الأبيض المتوسط بحاملة طائرات، ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً تميل إلى دعم موقف اليونان وقبرص. وعلى الرغم من موقع تركيا الجغرافي الرئيسي وإمكاناتها الاقتصادية إلا أن نظرة حلفائها في الناتو والاتحاد الأوروبي إليها تتزايد باتجاه  أنها أصبحت “الدولة المشكلة”.

 

صحيفة المونيتور؛ نبض شرق الأوسط…. بقلم: فهيم تاش تكين: هو صحفي، وكاتب تركي في مجلة نبض تركيا (Turkey Pulse)، متخصص في السياسة الخارجية التركية والقوقاز والشرق الأوسط، وشؤون الاتحاد الأوروبي.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here