لماذا تدعم إدارة ترامب تركيا؟

الرئيس ترامب وهو يصافح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد الانتهاء من المؤتمر الصحفي في البيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر الفائت.
للنشر

رابط المقال الأصلي

تصرُّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على معارضة وتحجيم الدور الإيراني، لكنها في الوقت نفسه تفتح الطريق أمام دولة إسلامية توسعية؛ تسعى للهيمنة الإقليمية، وهي تركيا.

تمثل تركيا، اليوم، الموضوع الجدلي الذي يتجنب الجميع مناقشته في السياسة الخارجية الأمريكية.  حيث يناصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فكراً إسلامياً متطرفاً؛ ويحتضن إرهابيي حركة حماس الفلسطينية؛ ويهدد دولاً حليفة للولايات المتحدة؛ مثل اليونان وفرنسا ودولة الإمارات، دون أن يُحاسَب على ذلك.

من الواضح أن تركيا وإيران تنطلقان من أماكن مختلفة تماماً. كانت تركيا شريكةً للحلف الأطلسي على مدى عقودٍ من الزمان، وكانت حصناً ضدّ التمدد الروسي السوفييتي، وفي الخفاء، كانت أيضاً الحليف الاستراتيجي الرئيسي لإسرائيل في العالم الإسلامي. أما إيران فقد تعاملت مع الولايات المتحدة باعتبارها عدو دائم منذُ الثورة الإسلامية عام 1979، إضافة إلى أنها من ألد أعداء إسرائيل.

ولكن تغيرت تركيا في عهد أردوغان، ليس فقط في عدائها المتنامي لإسرائيل. ففي الوقت الحاضر، أصبحت أوجه الشبه بينها وبين إيران في عهد آية الله علي الخامنئي مخيفة إلى حد كبير، والواقع أن المعاملة المتباينة التي تتبناها إدارة ترامب مع البلدين صارخة وواضحة بشكل جليّ، رغم أن كلا الدولتين تروّجان لنسخ متطرفة من الإسلام، في حين أن الإسلام المعتدل يكمن في العديد من البلدان العربية، مثل الإمارات العربية المتحدة، ومصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية. وكل منهما – إيران وتركيا – لديها حنين إلى أمجاد الماضي القديم، في الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية. وكلاهما يصدّران عدم الاستقرار من خلال قوى بالوكالة. وكلاهما يسعد بمهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية.

تزايدت هواجس “الكونغرس” تجاه أردوغان، وبحسب تقارير إعلامية نشرت مؤخراً على موقع مجلة “Defense News” الأمريكية، كشفت أن أعضاء بارزين في “الكونغرس”، “قاموا بتجميد صفقات بيع سلاح ضخمة إلى تركيا”. وقد غرًد مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي، الذي يقال إنه أصبح أكثر انزعاجاً، على موقع تويتر هذا الأسبوع، بأن “الولايات المتحدة سوف ترفع جزئياً حظرها المفروض على توريد الأسلحة إلى قبرص وتزيد من التعاون الأمني، وهو يُعتبر توبيخاً متواضعاً لتركيا”.

ولكن إدارة ترامب مستمرة بتمكين أردوغان والوقوف إلى جانبه. فعندما زار الموفد الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري أنقرة الشهر الفائت، والتي شدد فيها على أن “الولايات المتحدة ستبقى حليفاً وطيداً لتركيا”. نحن قمنا بإثبات فعاليتنا في العديد من الميادين خارج سوريا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا عن اثبات تركيا فعاليتها للولايات المتحدة الأمريكية؟

سرُّ أردوغان هو أنه يلعب على وتر غرور ترامب، وعلى فكرة ترامب حول الدبلوماسية الشخصية، ويبقى على تواصل دائم مع البيت الأبيض. وفي الشهر الماضي، كان ترامب يتفاخر بأن “زعيم بارز” طلب منه أن يتصل بالرئيس التركي قائلا: “أنت الوحيد الذي يحترمه ويستمع إليه”.

وقد أعلن فريق أردوغان؛ وعبّر صراحة عن موقفٍ معادٍ للمرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية جو بايدن. وفي الشهر الماضي تناول الإعلام المؤيد للحكومة التركية تعليقاً قدمه بايدن في مقابلة “الطاولة المستديرة” في صحيفة نيويورك تايمز في ديسمبر/كانون الأول الماضي، مفاده أن “الرضوخ لأردوغان والتخلي عن الكرد السوريين (كما فعل ترامب في العام الماضي) كان آخر ما كان ليفعله لو كان رئيساً لأمريكا”.

هدًد المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالن الشهر الفائت بأن تعليقات المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي جو بايدن كانت “مبنية على الجهل، والغطرسة، والنفاق”، وقال محذّراً: “أيام إعطاء التعليمات لتركيا قد ولًت”. وبهذا بدا موقف تركيا واضحاً في الوقوف إلى أي جانب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة.

ما يقلق قادة المنطقة هو مساعي أردوغان بنشر القوة العسكرية، حيث نشرت وكالة TRT الإخبارية التركية مؤخراً؛ والتي بيِّنت بحسب مخطط تصويري؛ عن تواجد القوات التركية في اثنتي عشرة دولة أجنبية: شمال قبرص، وسوريا، والعراق، وأذربيجان، والصومال، وقطر، وأفغانستان، ألبانيا، ولبنان، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو، وسودان، حيث أرسل أردوغان آلاف المرتزقة السوريين المدربين من قبل تركيا إلى ليبيا لدعم حكومة طرابلس. وبحسب نقّاد فإن أردوغان يستخدم شبكة الإخوان المسلمين للمضي قدماً في تحقيق أهدافه.

وتعكس طموحات أردوغان الإقليمية ما وصفه المحللون رغبة “العثمانية الجديدة” في فرض هيمنتها خارج الحدود التركية المرسومة بعد الحرب العالمية الأولى. فقد صرح أردوغان لدبلوماسي أميركي زاره قبل عدة سنوات، بأن مناطق نفوذ تركيا لابد أن تمتد من حلب في سوريا إلى الموصل في العراق. ولتحقيق هذه الغاية فقط، لديه وبحسب تقديرات وكالة الإخبارية التركية TRT، ما يقارب الخمسة آلاف من القوات التركية يحتلون الشريط الحدودي في الشمال السوري، وما يقارب الألفين وخمسمائة من هذه القوات في الشمال العراقي.

ويسعى أردوغان إلى فرض نفوذه على العالم الإسلامي، فهو الآن ينافس إيران على أنه أشدُّ منها في مناصرة القضية الفلسطينية. وفي الشهر الماضي، التقى الرئيس التركي في اسطنبول مع اثنين من أبرز قادة حماس، وهما إسماعيل هنية وصالح العروري، وكلاهما ضمن قائمة الإرهاب الأميركية. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها “تعترض بشدة” ولكنها لم تتخذ أي إجراء يذكر.

يحظى أردوغان بالمساندة بسبب عضوية بلاده في الحلف الشمال الأطلسي (NATO). لكن هذا الولاء آخذ في التآكل. فعلى الرغم من التحذيرات الأميركية الكثيرة له، قام أردوغان بشراء نظام الدفاع الجوي الروسي (S-400) في العام الماضي. وفي الأسابيع الأخيرة، تحدى أردوغان دولتين حليفتين لحلف شمال الأطلسي (NATO) وهما؛ اليونان وفرنسا، في إطار دفعه للحصول على حقوق التنقيب في شرق البحر الأبيض المتوسط. عندما أرسلت دولة الإمارات العربية المتحدة أربعة مقاتلات لإظهار دعمها لليونان، هدد مسؤول تركي بإسقاط هذه الطائرات إذا اقتربت من المجال الجوي التركي. وكان حلف شمال الأطلسي (NATO) سيكون في خطرٍ لولا اقتراح الأمين العام للحلف الأطلسي؛ ينس ستولتنبرغ إجراء محادثات بين اليونان وتركيا.

إن كل ما يحدث يدل على أن ترامب لا يدرك الحقائق التي ذكرناها، ومنها أن اثنين من شركائه المفضلين في الشرق الأوسط وهما تركيا والإمارات اقتربتا نحو المواجهة بسبب سياساته.

يتهم ترامب – دائماً – سلفه باراك أوباما بالتساهل مع إيران، ومن حقنا أن نسأل الآن: لماذا يتودد ترامب إلى تركيا رغم أنها تهدد الأمن الإقليمي؟.

 

بقلم: ديفيد إغناطيوس: كاتب عمود مختص بالشؤون الخارجية في صحيفة واشنطن الأمريكية.. واشنطن بوست.