زلزال جيوسياسي يضرب الشّرق الأوسط

أعلن الرئيس ترامب، مع مسؤولين من إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، يوم الخميس عن اتفاق بين دولتي الشرق الأوسط. توثيق... دودج ميلز/نيويورك تايمز
للنشر

رابط المقال الأصلي

(سيتردد صدى الصفقة الإسرائيلية -الإماراتية في جميع أرجاء المنطقة.)

(لمرة واحدة، سوف أتفق مع الرئيس ترامب في استخدامه لكلمته المفضلة: “هائل”)

الاتفاق الذي توسطت فيه إدارة ترامب للتطبيع الكامل بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل؛ مقابل توقف الأخيرة عن أي ضم لأجزاء من الضفة الغربية؛ هو بالضبط كما وصفه ترامب في تغريدته: “بالإنجاز الهائل”.

ولكن هذا الاتفاق ليس بحجم ذهاب أنور السادات إلى القدس، فلا شيء يضاهي أول انفتاح كبير بين العرب والإسرائيليين. وليس كمصافحة ياسر عرفات لإسحاق رابين في حديقة البيت الأبيض، فلا شيء يمكن أن يضاهي أول لحظة من المصالحة العامة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

لكنها قريبة. وما عليك إلا أن تتحقق من سجل الإنجازات، وتشاهد كيف تؤثر هذه الصفقة على كل الأطراف الرئيسية في المنطقة؛ حيث يستفيد منها أولئك الذين هم في المعسكر المؤيد لأميركا؛ أو المؤيدين للإسلام المعتدل، أو المؤيدين لإنهاء الصراع مع اسرائيل ذات يوم والذين سيستفيدون بشكل أكبر، في حين أن هؤلاء الذين هم في المعسكر المتطرف؛ والمؤيد لإيران، والمعادي لأميركا، والمؤيد للصراع الدائم مع المعسكر الإسرائيلي، يصبحون أكثر عزلة ويُتركون في الخلف.

إنه زلزال جيوسياسي

ولكي تدرك بالكامل لماذا هو زلزال جيوسياسي، يتعين عليك أن تبدأ بالقوى المحركة الداخلية للصفقة. في الحقيقة، كانت خطة ترامب للسلام التي وضعها جاريد كوشنر؛ واستعدادهما للالتزام بها، بمثابة المادة الخامة للاتفاق الحالي. وسنعرض كيفية ذلك.

فقد دعت خطة كوشنير إلى تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين؛ تمكّنُ – هذه الخطةَ – إسرائيل من ضم نحو 30% من أراضي الضفة الغربية، بحيث يكون معظم ساكنيها مستوطنين، في مقابل حصول الفلسطينيين على دولة متصلة الأراضي ومنزوعة السلاح في 70% الأخرى، إلى جانب بعض عمليات تبادل الأراضي مع إسرائيل.

رفض الفلسطينيون الاتفاق صراحة؛ باعتباره غير متوازن وغير عادل.  ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي ساعد بالأساس في كتابة الخطة المؤيدة لإسرائيل، قال إنه يعتزم المضي قدماً في تنفيذ الخطة وضم أجزاء من الضفة الغربية بحلول الأول من يوليو/تموز الفائت ـ دون الموافقة على الجزء الذي رفضته قاعدته السياسية من المستوطنين اليهود: وفي وقت لاحق يحصل الفلسطينيون على دولة بنسبة 70% الأخرى. (وإني أتساءل ما إذا كان ديفيد فريدمان سفير ترامب إلى إسرائيل، وهو متطرف مؤيد للمستوطنين، قد شجع بنيامين نتنياهو، الملقب بـ (Bibi)، على الاعتقاد بأنه قادر على التخلص من هذا التطرف).

ولم ينجح الأمر، لأن كوشنير – الذي كان يصغي بانتظام لمصر والأردن والعرب في الخليج – يعلم أن مثل هذا الضم الإسرائيلي الأحادي الجانب سوف يكون بمثابة فشل كامل للصفقة بالنسبة لهم، قال لـ بنيامين نتنياهو: “ليس بهذه السرعة”. وقد أقنع كوشنر ترامب بمنع انتقائية نتنياهو(Bibi) للخطة ومنعه من القيام بعملية بالضم الآن.

وكان هذا من شأنه أن يدفع نتنياهو إلى خسارة الدعم من المستوطنين ــ وفي وقت حيث يحاكم بتهمة الفساد ويواجه احتجاجات يومية خارج منزله بسبب أدائه الهزيل في إخراج إسرائيل من أزمة وباء فيروس كورونا، تاركاً إياه يغرق في صناديق الاقتراع.

لذلك فإن ما فعله ترامب، وكوشنر، والأمير محمد بن زايد، الزعيم الفعلي للإمارات، ونتنياهو، هو تحويل الليمون إلى عصير الليمون، كما شرح إيتامار رابينوفيتش، أحد أبرز مؤرخي الشرق الأوسط في إسرائيل وسفير سابق إلى واشنطن.

وفي مقابلة مع رابينوفيتش قال: ” فقد جعلوا التوقف عن خطط الضم الإسرائيلية مقابل السلام مع الإمارات العربية المتحدة، بدلاً من قيام إسرائيل باقتطاع أراضٍ من الدولة الفلسطينية،”.  وأضاف: ” نجح كوشنير في خلق مكتسبات من لا شيء عملياً، ومن ثم تستطيع إسرائيل أن تقايض بها من أجل السلام مع الإمارات العربية المتحدة. حيث أضحت العملية هي السلام مقابل السلام، وليس الأرض مقابل السلام”.

من الواضح أن هذه العملية بدأت بعد أن نشر يوسف العتيبة سفير الإمارات العربية المتحدة إلى واشنطن رسالة باللغة العبرية في صحيفة يديعوت احرونوت الإسرائيلية في يونيو/حزيران الفائت محذراً بشكل مباشرمن أن ضم إسرائيل للضفة الغربية من شأنه أن يقوض التقدم السري الذي أحرزته إسرائيل مع دول الخليج.

كانت الإمارات العربية المتحدة تفكر بشكل جدي في إقامة علاقات دبلوماسية متنوعة مع إسرائيل، والمناقشات حول كيفية وقف الضم هي التي أوجدت إطاراً يمكن أن ينظر إليه على أنه الحصول على مكاسب للفلسطينيين مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

في الحقيقة أن القوى المحركة لنتنياهو مذهلة، أو كما قال لي الكاتب الإسرائيلي آري شافيت: “إن نتنياهو يحاول الخروج من فضيحته “ووترغيت” الشخصية والخاصة به بالذهاب إلى الصين. فهو يشبه الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون في الاتجاه المعاكس”.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في القدس يوم الخميس… الصورة لـ عبير سلطان

كان المقصود من ذلك أن نتنياهو كان يبذل قصارى جهده لاسترضاء القوى اليمينية في إسرائيل ــ بأهداف لامعة مثل الضم ــ حتى يقفوا إلى جانبه في محاكمته في قضايا متعلقة بالفساد، بوجه نظام المحاكم الإسرائيلية والمدعي العام.

من خلال اتخاذ هذه الصفقة، تخلى نتنياهو – كما فعل نيكسون مع الصين – عن حلفائه الأيديولوجيين الطبيعيين – المستوطنين الذين دعموه لأنهم اعتقدوا أنه سينفذ الضم – “وهذا سيجبر نتنياهو على أن يصبح أكثر اعتمادًا على الوسط ويمين الوسط ” كما قال شافيت: والذي أضاف أيضاً بأنه “قد تساعد هذه الصفقة في إنقاذ الديمقراطية الإسرائيلية من خلال حرمان (Bibi) الآن” من الجيش الكامل لقوى اليمين “الذي كان بحاجة إليه لتدمير المحكمة الإسرائيلية العليا”.

جُرّدت السلطة الفلسطينية هي الأخرى، بقيادة محمود عباس، من مكاسبها بموجب هذه الصفقة، الأمر الذي قد يجبرها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. لقد جردتها هذه الصفقة من أكبر أوراقها الرابحة؛ وهي فكرة أن عرب الخليج لن يقوموا بالتطبيع مع إسرائيل إلا بعد أن يرضي الإسرائيليون مطالب السلطة الفلسطينية بدولة ترضيها.

(كنصيحة مجانية للرئيس محمود عباس، نقول له: عُد إلى طاولة المفاوضات؛ وقل إنك تنظر إلى خطة ترامب باعتبارها “أرضية” وليست “سقفاً” للتطلعات الفلسطينية. وستجد الكثير من الدعم من ترامب، والأوروبيين والعرب لهكذا الموقف. ما زال لديك نفوذ كبير.  فما زال على إسرائيل أن تتعامل معك، وذلك لأن شعبكم في الضفة الغربية لن يزول، بغض النظر عما يحدث مع الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل).

ومن المؤكد أن هذه الصفقة سوف تشجع مشيخات الخليج الأخرى (البحرين وعمان وقطر والكويت والمملكة العربية السعودية) والتي كانت من بين الدول التي لديها تعاملات تجارية واستخباراتية سرية وعلنية مع إسرائيل لمواصلة السير على خطى الإمارات العربية المتحدة.  ولن يرغبوا في السماح للإمارات العربية المتحدة في أن تكون السباقة بعقد قران رأسمالها المالي مع التكنولوجيا السيبرانية والزراعية والرعاية الصحية لإسرائيل، مع إمكانية جعل البلدين أكثر قوة وازدهاراً.

ثلاثة آخرين هم من أكبر الفائزين هنا: الفائز الأول: الملك عبد الله ملك الأردن.  والذي كان يخشى أن يؤدي خطة الضم الإسرائيلي إلى تنشيط الجهود الرامية إلى تحويل الأردن إلى دولة فلسطينية. وبالتالي نزع فتيل هذا التهديد في الوقت الحالي. والفائز الثاني: الجالية اليهودية الأمريكية، إذا ضمت إسرائيل جزءاً من الضفة الغربية، لكانت هذه الجالية في أمريكا قد انقسمت، بين المتشددين من دعاة الضم ومناهضين للضم، الليبراليين. وبالتالي أنهى الاتفاق كارثة كانت تلوح في الأفق واختفت في الوقت الحاضر. والفائز الثالث: جو بايدن. ففي حال فوزه لن يضطر إلى القلق بشأن القضية الشائكة المتمثلة في الضم، وسيكون لديه تحالف أقوى مناصر لأميركا في المنطقة للعمل معه.

ولكن الخاسرين الأكبرالجيوسياسيين هم: إيران وكل وكلائها: حزب الله، والميليشيات العراقية، والرئيس السوري بشار الأسد، وحماس، والجهاد الإسلامي، والحوثيين في اليمن وتركيا. يرجع ذلك إلى العديد من الأسباب. حتى الآن نجحت دولة الإمارات في الحفاظ على توازن دقيق بين إيران وإسرائيل، ولم تكن تتطلع إلى استفزاز إيران، والتعامل مع إسرائيل في الخفاء.

لكن جاء هذا الاتفاق بوجه إيران مباشرة.  وتحوي رسالة ضمنية وهي: “نحن الآن لدينا إسرائيل إلى جانبنا، لذا فلا تعبثوا معنا”. قد يكون الضرر الهائل الذي ألحقته إسرائيل بإيران من خلال الحرب السيبرانية (الإلكترونية) الواضحة في الأشهر الأخيرة، قد أعطت لدولة الإمارات متنفساً للقيام بهذا الاتفاق.

ولكن هناك رسالة أخرى أعمق ولها أثر نفسي أكبر. هي بأن الإمارات العربية المتحدة تقول للإيرانيين وكل وكلائهم: هنالك تحالفين في المنطقة اليوم، هؤلاء الذين يريدون أن يسمحوا للمستقبل بدفن الماضي، وأولئك الذين يريدون أن يسمحوا للماضي بدفن المستقبل. وتقود دولة الإمارات دفة التحالف المذكور أولاً، وتترك إيران أن تقود دفة التحالف الثاني.

عندما اغتالت إدارة ترامب قاسم سليماني، قائد قوات فيلق القدس الإيرانية، فرع العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإسلامي في يناير/كانون الثاني الفائت، كتبت مقالاً يقول إن أميركا قتلت للتو “الرجل الأغبى في إيران”.

لماذا؟ لأن مخطط العمل السليماني الذي عمل عليه، قد أصبح مخطط العمل لشيعة إيران، ومن بين هذه المخططات كانت توظيف العرب وغيرهم من الشيعة لمحاربة العرب السُـنّة في العراق، ولبنان، واليمن، وسوريا، بهدف توسيع نفوذ إيران. وما هي نتيجة كل هذا؟ لقد ساعدت إيران في تحويل الدول الأربع إلى دول فاشلة.  لقد أصبحت القيادة الدينية الإيرانية بمثابة الوسيط الأكبر لفشل الدولة في الشرق الأوسط ـ بما في ذلك فشلها ـ ولهذا السبب يلقي العديد من اللبنانيين باللوم على إيران وحزب الله في سوء إدارة بلادهم، الأمر الذي أدى إلى الانفجار المدمر الذي وقع في مرفأ بيروت الأسبوع الماضي.

لقد تابعتُ الشرق الأوسط لفترة أطول مما ينبغي قبل أن أكتب الجملة التالية: “لن تعود المنطقة إلى سابق عهدها مرة أخرى أبداً”. إن قوى الطائفية والقبلية والفساد ومناهضة التعددية تتجذر في أعماقها.  ولكن هناك تيارات أخرى ـ جيل الشباب من الرجال والنساء الذين سئموا تماماً من اللعبة القديمة، والمعارك القديمة، والجروح القديمة التي يتم تأجيجها مراراً وتكراراً. وكان بالإمكان رؤية هذا الجيل وهو يتظاهر في كافة شوارع بيروت الأسبوع الماضي للمطالبة بحكم جيد، وفرصة لتحقيق كامل متطلباتهم.

وقد أظهرت الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل والولايات المتحدة يوم عقد الصفقة -على الأقل لوهلة قصيرة – بأن الماضي لا يتعين عليه دفن المستقبل دائماً، وأن الكارهين والمفرًقين لا يتعين عليهم الفوز دائماً.

كان هذا الاتفاق كنفس من الهواء النقي.  وعسى أن يتحول ذات يوم قريباً إلى رياح تغيير عاتية تنتشر في أنحاء المنطقة برمتها.

 

 

 بقلم: توماس فريدمان، الحاصل على إجازة في الدراسات المتوسطية من جامعة برانديز، وعلى الماجستير في دراسات الشرق الأوسط الحديثة من جامعة أوكسفورد، وهو كاتب العمود في الشؤون الخارجية في صحيفة نيويورك تايمز.  وقد انضم إلى الصحيفة في عام 1981، وفاز بثلاث جوائز بوليتزر. ومؤلف سبعة كتب، بما في ذلك “من بيروت إلى القدس”، والتي فازت بجائزة الكتاب الوطني.