هل تتقرّب روسيا إلى كُرد سوريا وسط الخلاف مع تركيا؟

رويترز: عمر صناديقي- الاعلام الوطنية السورية والروسية ترفرف فوق العربات العسكرية قرب منبج في 15/10/2019
للنشر

    1. رابط المقال الأصلي

تأليف: فهيم تاش تكين*

ترجمة: مركز الفرات للدراسات

أصبحت تركيا متذبذبة بين الخيارات الصعبة لروسيا والخيارات المغرية للولايات المتحدة؛ بعد التصعيد الأخير في إدلب، حيث تحافظ على موقفها المهدد لإجبار الجيش السوري على التراجع عن خطوط وقف إطلاق النار التي انتهت الآن في معقل المتمردين. وفي خضم هذه الأزمة، أصبح الكُرد السوريون عاملاً رئيسياً في كل من الحسابات الأمريكية والروسية للتأثير على موقف تركيا.

يقال إن الإدارة الأمريكية تدرس خيارات لدعم تركيا في توجه محتمل في إدلب، وحسب الأنباء الواردة، وفي خطوة أخرى تبعث على السرور لأنقرة، فإن واشنطن نبهت الكرد كي تبقى خارج النزاع. يبدو أن روسيا، من جانبها، قد كشفت النقاب عن البطاقة الكردية، وإن كانت سرية في هذا الوقت، بطريقة تتجاوز إحياء الحوار بين الكرد ودمشق.

حتى وقت قريب، كان الكُرد قلقون من أن روسيا، في محاولة لإبقاء تركيا إلى جانبها في سوريا، قد تسمح لها بالسيطرة على مدينة كوباني الكردية على الحدود التركية مقابل تنازلات تركية في إدلب. في الواقع، كان هذا الخوف متكررًا في كل تقدم واضح في الشراكة التركية الروسية. ولكن في خضم التطورات الأخيرة، يشعر الكرد بأن الباب الروسي قد يفتح أمامهم إلى حد لم يتخيلوه أبداً.

بصورة عامة، يمكن تلخيص الموقف الكردي على النحو التالي: ما زال الكُرد يعلقون أهمية على شراكتهم مع الولايات المتحدة على أرض الواقع، ويواصلون اعتبار الوجود العسكري التركي بمثابة تهديد أساسي، -وفي حين يعتبرون روسيا الضامن لأي المفاوضات مع دمشق -فهم يضعون في اعتبارهم أن المصالح الاستراتيجية لروسيا قد تقودها إلى مراعاة تركيا، كما فعلت في عام 2018 عندما وافقت على تولي السيطرة على عفرين لصالح تركيا.

ومع ذلك، فقد تغير ترتيب الأولويات في المقاربة الكردية منذ “عملية نبع السلام” التركية في شمال شرق سوريا في تشرين الأول / أكتوبر 2019. فكرة أن دمشق يجب أن تكون عنوان التسوية حول القضية الكردية قد اكتسبت ثقلًا كخيار استراتيجي عام للإدارة الذاتية بقيادة الكرد في شمال وشرق سوريا. في أواخر كانون الأول / ديسمبر الفائت، حيث عقد الروس اجتماعًا مع ممثلي الكرد في قاعدة حميميم الجوية الروسية، وبعد ذلك رتبوا لقاءً بين الفريق الكردي وممثلي الحكومة السورية في دمشق. أدت المحادثات، التي قاد فيها رئيس المخابرات علي مملوك من الجانب السوري، إلى اتفاق لتشكيل لجان مشتركة بهدف مواصلة المفاوضات على نفس المسار.

أدى توتر العلاقات الروسية التركية في إدلب إلى بعض التغييرات غير المعلنة في الخيارات التكتيكية الكردية. ووفقاً للمصادر الكردية التي اتصلت بها المونيتور(Al -Monitor)، فإن الكرد يتعاونون مع الجيش السوري في أجزاء معينة من العمليات في شمال غرب حلب، وبالتحديد في مناطق على طول حدود عفرين. وإن توسيع الهجوم على عفرين من شأنه أن يجعل المشاركة الكردية أكثر وضوحاً.

تبرز جبهتان محتملتان أخريان وهما؛ تل رفعت، حيث أعيد نشر وحدات حماية الشعب الكردي (YPG) بعد انسحابها من عفرين في عام 2018، ومنبج؛ حيث تحركت القوات السورية والروسية نحوها منذ انسحاب القوات الأمريكية إلى شرقي الفرات، في الوقت نفسه، رأس العين وتل أبيض؛ اللتان يسيطر عليهما الجيش التركي وحليفه “الجيش الوطني السوري” وكذلك تل تمر وعين عيسى؛ اللتان تقعان على الطريق السريع M4، تعتبر المناطق الرئيسية التي قد تمتد إليها اشتباكات محتملة. وبطبيعة الحال فإن المواقع المذكورة هي، بالأصل، تعتبر ميدان الاشتباكات المتقطعة عابرة ومحدودة، ولكن في حالة مواجهة مباشرة بين الجيشين السوري والتركي في إدلب، فمن المرجح أن تتحول إلى ساحات قتال ساخنة.

استؤنفت الدوريات الروسية التركية المشتركة على طول الحدود التركية السورية، والتي توقفت بعد مقتل الجنود الأتراك في إدلب في وقت سابق من هذا الشهر، في 17 شباط/ فبراير، لكن المصادر الكردية تعتقد أن الترتيب التركي الروسي الذي تم التوصل إليه في سوتشي في 22 تشرين الأول/ أكتوبر بعد “عملية نبع السلام” التركية، قد انهارت. إن انهيار الصفقة يعني أن روسيا، الضامنة لوقف إطلاق النار، ستتوقف عن التصرف كضامن لإيقاف قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الكرد والجيش السوري في المنطقة. ومع ذلك، يبدو التوصل إلى مثل هذا الاستنتاج سابقًا لأوانه في الوقت الحالي.

بالحديث عن جبهة عفرين – التي تم فتحها فعلياً بمشاركة الكرد – وغيرها من الجبهات المحتملة، فإن هناك عامل كبح آخر، ألا وهي الولايات المتحدة، والتي تلعب دورها.

وفقًا لمصادر أمريكية، نقل عنها الصحفي التركي البارز مراد يتكين على مدونته الشخصية، في 18 شباط / فبراير الجاري، فقد أوضحت الولايات المتحدة لـ وحدات حماية الشعب (YPG) أنهم لن يحصلوا على دعم الولايات المتحدة إذا قاتلوا الجيش التركي.” وأكد هذا المسؤول الكبير أن قوات حماية الشعب الكردية تم إخبارها” بوضوح وبشكل متكرر، أن الولايات المتحدة لن تفضلهم على تركيا في حالة نشوب صراع”.

يقتبس التقرير من مصدر أمريكي رفيع وهو يحلل بأن توغل تركيا في شهر تشرين الأول / أكتوبر، على الرغم من معارضته من قبل واشنطن، يبدو أنه حقق هدفين، وهما: إقامة الوجود العسكري التركي في شمال شرق سوريا، وهو أمر مهم للمستجدات المستقبلية في سوريا، وإظهار أن الولايات المتحدة لن تحمي وحدات حماية الشعب ضد تركيا، على الرغم من أن أنقرة كانت تشعر بالقلق، واعتقاد البعض، في وحدات حماية الشعب أن الولايات المتحدة ستحميهم، على الأقل.

فيما يتعلق بالوضع في إدلب، يلخص يتكين تعليقات المصادر الأمريكية على النحو التالي: “لن تتورط القوات الأمريكية مباشرة في النزاع [في إدلب]؛ هذا هو حدنا. لكننا سندعم تركيا في مجالات أخرى، من أجهزة الاستخبارات المتقدمة إلى المعدات الخاصة عند الحاجة “.

يقتبس الصحفي من المصدر قوله إن واشنطن لن تثير أي اعتراض إذا قرر حلفاء آخرون في الناتو مساعدة تركيا من خلال نشر بطاريات باتريوت على الحدود “لضمان الغطاء الجوي”.

يشير أحد المصادر إلى أن تركيا قادرة على إرسال ما يصل إلى 45 ألف جندي إلى المنطقة في فترة زمنية قصيرة، مشددًا على أنه “لن تكون سوريا أو روسيا قادرة على ذلك”. ومع ذلك، يضيف المصدر أن واشنطن لا تتوقع من روسيا أن توتر العلاقات مع تركيا “أكثر من اللازم” على إدلب، بالنظر إلى “الأهمية الاستراتيجية” للعلاقة.

نفى مصدر كردي اتصلت به المونيتور (Al – Monitor) أن الكرد تلقوا أي رسالة بعدم توقع دعم الولايات المتحدة إذا قاتلوا تركيا، لكنهم لا يستبعدون مثل هذا الاحتمال. “فالولايات المتحدة ضد أي تحالف بين الكرد ودمشق. إن القول بأن [الكرد] يجب ألا يقاتلوا تركيا بمثابة القول بأن [الكرد] يجب أن يبقوا بعيدين عن إدلب”.

مشدداً على أن الوضع لا يزال هشاً، قال المصدر: “نحن على أرضية متقلبة للغاية، حيث يجري التعاون والتناقض والصراع بين الولايات المتحدة وتركيا؛ وبين تركيا وروسيا؛ وبين روسيا والولايات المتحدة في وقت واحد. لذلك، نحن غير قادرين على التحدث بصورة نهائية. ومع ذلك، يمكننا التأكيد على هذا: بأن دور روسيا كوسيط وضامن أصبح أكثر وضوحاً [بالنسبة للكرد] بعد الموقف الأمريكي في مواجهة الغزو التركي [في تشرين الأول/ أكتوبر]”.

ووفقاً للمصدر، فإن تعميق الخلاف التركي الروسي مهم للكرد؛ بمعنى أنه يمكن أن يدفع روسيا إلى أخذ الكرد في الحسبان بشكل أكثر وضوحاً؛ ويؤدي إلى آلية حل للمسألة الكردية. وأضاف المصدر “إذا نشب النزاع في إدلب، فمن المرجح أن يستخدم الروس البطاقة الكردية. في الواقع، يمكننا أن نقول إنها بدأت باستخدامها إلى حد ما”.

ومع ذلك، يعتقد الكرد أنه لا يزال من السابق لأوانه إعلان موقف واضح، ولا يستبعد احتمال أن الروس قد يلجؤون في نهاية المطاف إلى العزم على الدخول في مواجهة كاملة مع تركيا. تجدر الإشارة إلى أنه أثناء التواصل مع الكرد من جهة، يحاول الروس إثارة حساسيات تركيا تجاه الكرد من جهة أخرى. وفي بيان صدر في 18 شباط/فبراير الجاري، على سبيل المثال، قالت روسيا إن الولايات المتحدة نقلت أكثر من 300 حمولة شاحنات الأسلحة من العراق إلى شمال شرق سوريا هذا العام، التي “يتم استخدامها ضد القوات التركية” في المنطقة. بمعنى آخر، فإن “قابلية الاستخدام المزدوجة” للبطاقة الكردية تعتبر سبباً آخر لتوخي الكرد الحذر.

 

*فهيم تاش تكين: هو صحفي وكاتب تركي في مجلة نبض تركيا (Turkey Pulse)، متخصص في السياسة الخارجية التركية والقوقاز والشرق الأوسط وشؤون الاتحاد الأوروبي