ترجمات

كردستان المستقلة أفضل رهان لاحتواء داعش

في الوقت الذي تتركز فيه المخاوف على عودة ظهور الإرهاب في أفغانستان، ينبغي علينا ألا ننسى أن هناك الآلاف من مقاتلي داعش الذين يقومون بعمليات على نطاقٍ بات أضيق، في العراق وسوريا في الوقت الراهن، وأنّ احتواء هذا التهديد هو أمرٌ بالغ الأهمية، كما أنّ القيام بذلك على المدى الطويل، يتطلب انطلاق عملية في العلاقات الدولية، وهي تتمثل في إنشاء دولة كردية مستقلة.

واستناداً إلى المحاولات السابقة لإنشاء كردستان مستقلة، قد يبدو من المستبعد تحقق هذا الاحتمال، وذلك بسبب معارضة العراق وإيران وتركيا وسوريا وروسيا، لمثل هذه الخطوة. لكن مع ذلك، لا يمكننا تقبّل الوضع الراهن، ولا تلوح في الأفق حلول محتملة أكثر فعالية وديمومة من هذا الاحتمال، لاحتواء التهديد الإرهابي في المنطقة.

يتركز تنظيم داعش في الوقت الراهن في شمال العراق وشرق سوريا، وتستمر خلاياه في شن الهجمات في كل من سوريا والعراق، وهو يخطط أيضاً لتنفيذ عمليات إرهابية في الغرب أيضاً.

ينتشر تنظيم داعش في المناطق المتنازع عليها في العراق، وهي مناطق واسعة، تطالب بها كل من حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد، وهي تتسم بضعف الأمن فيها، وبالتالي فإنّ إقامة دولة كردستان المستقلة، من شأنها أن تحلّ المشكلة، وترسم حدوداً رسمية، وبموجبها يتم نشر القوات الأمنية في الأراضي التي لم تكن خاضعة لحكم الإقليم من قبل.

هُزم تنظيم داعش في سوريا، وتم احتواء خطره إلى حدٍّ لا بأس به في المناطق الكردية شرقي البلاد، وفي حقيقة الأمر، فإنّ الفضل في الحيلولة دون تحوّل داعش إلى كيان يسيطر على الأراضي السورية، وبقائه مجرد جماعة مسلحة، يعود لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة، والتي يشكل الكرد عمودها الفقري.

إنّ الجهود الدولية في تحقيق عملية الانتقال السياسي في سوريا ستستمر في التعثر، وهذه حقيقة قاسية ينبغي علينا قولها، فلا يوجد بديل مناسب للرئيس السوري بشار الأسد، الباقي في السلطة، والذي ارتكب جرائم حرب. وعليه، فمن المحتمل أن يستعيد الأسد في مرحلة من المراحل – بدعمٍ روسي وإيراني – بسط هيمنته على الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وذلك من شأنه أن يعود بالنفع على داعش.

لذلك، فإن ضمّ الجزء الذي تسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية في شرق سوريا إلى الدولة الكردية الجديدة سيساعد في الحفاظ على الاستقرار في تلك المنطقة، ومواصلة الضغط على داعش. من المؤكد أنّ ذلك لن يكون مهمة سهلة، فطالما عارضت إيران وتركيا إقامة دولة كردية، بسبب تخوفهما من التأثر المحتمل للكرد الموجودين في كلا الدولتين بهذه التجربة. لكن مع ذلك، فالعكس أيضاً قد يكون صحيحاً؛ فوجود وطن كردي قد يقلل من مطالب الكرد في الحكم الذاتي أو الاستقلال في كل من تركيا وإيران.

لا شكّ أنّ العراق سيقف في وجه مثل هذه الخطوة لأسباب عديدة، لكن مع ذلك، فإنّ إقامة دولة كردستان المستقلة، من شأنها أن تفرض حلاً للنزاعات القائمة، على الموارد والمناطق، والمواضيع التي لم يتمكن الدستور العراقي من حلها، عدا عن أنّ إخراج الكرد من المشهد العراقي قد يسهّل إدارة السياسة العراقية.

قد تعترض دمشق أيضاً على فقدان جزء من سوريا، سيّما الجزء الذي يضم الكثير من احتياطي النفط في البلاد. لكن مع ذلك، يريد الأسد البقاء في السلطة، وبقدر ما هو صعب بالنسبة للشعب السوري والمدافعين عن حقوق الإنسان، فإن إنهاء عملية الأمم المتحدة التي تدعو إلى انتقال سياسي في سوريا، والبدء بعملية جديدة يكون فيها المقابل هو دولة كردية مستقلة، من شأنه أن يؤدي إلى تحسين الاستقرار والحكم في المناطق التي ينتشر فيها داعش.

سيكون الجميع معارضين لمحاولة إقامة دولة كردية، باستثناء الكرد. لم تحقق حركات الاستقلال الكردية في الماضي أية إنجازات في مواجهة كل هذه المعارضة. ومع ذلك، فقد غير داعش المعادلة إلى نقطة لم تعد فيها الدولة الكردية مجرد موضوع أخلاقي، بل أصبحت ضرورة أمنية دولية.

كل الضغوطات في الوضع الراهن، تنذر بحدوث تحول جذري، قد يزيد من عدم الاستقرار ويسمح لداعش باستعادة نشاطه مرة أخرى، فأن يقوم العراق بتشكيل حكومة جديدة، قد يؤدي إلى تغير العلاقات مع الحكومة الكردية والولايات المتحدة، وهذا قد يدفع كرد العراق إلى إطلاق حملة استقلال أخرى مزعزعة للاستقرار. كما يمكن للأسد أن يختار شن هجوم مدعوم من إيران وروسيا لاستعادة شرق سوريا. وعليه؛ فغياب حل منظم متفق عليه، بخصوص التغيرات المتسارعة في المنطقة، سيزيد من فرص حدوث اضطرابات، سيستغلها تنظيم داعش.

ستتطلب هذه العملية (إنشاء دولة كردية) تشكيل لجنة مدعومة من الأمم المتحدة لإجراء مفاوضات معقدة ومتعددة الأطراف، وسيتطلب ذلك تنازلات كبيرة، منها ما يتعلق بالموارد الطبيعية.

مرة أخرى، إنها محاولة صعبة. ولكن ما هو البديل؟ النهج الحالي لمكافحة داعش في العراق وسوريا، عبارة عن خليط من الاتفاقات والشراكات غير المستقرة المهددة بالانهيار باستمرار. لقد حان الوقت لاتباع استراتيجية جديدة من شأنها إحداث تحول في المنطقة، وتحقيق الاستقرار فيها، وتضمن أن القوات الكردية -التي كانت رائدة في محاربة داعش – قادرة على القضاء عليه بشكل دائم.

صحيفة: التل (The Hill)  الأمريكية

سين دي كاربيري: كاتب متخصص في السياسة الخارجية والأمن القومي، ومؤسس مجلة Taimani One. وقد عمل مؤخراً في مكتب المفتش العام بوزارة الدفاع كمدير تحرير لرئيس المفتش العام الذي يقدم تقاريره إلى الكونغرس حول العمليات الطارئة في خارج البلاد.

الآراء المعبرة عنها في المقال هي للكاتب وليست وجهة نظر صحيفة التل (The Hill).

رابط المقال الأصلي

مركز الفرات للدراسات-قسم الترجمة

زر الذهاب إلى الأعلى