ترجمات

كلما طال أمد بقاء أردوغان في السلطة، بدت تركيا شبيهة بإيران

رابط المقال الأصلي

ترجمة: مركز الفرات للدراسات – قسم الترجمة

بدأت إدارة أردوغان في استخدام القضية الفلسطينية – الإسرائيلية كأداة مهمة لكسب دعم المجتمع الإسلامي، بانتهاج سياسة مماثلة لسياسة إيران.

كان الدعم العسكري الذي قدمته تركيا لحكومة الوفاق الوطنية التي تدعمها الأمم المتحدة في ليبيا سبباً في زيادة قوة تركيا الصلبة في الشرق الأوسط بعد الحرب الأهلية السورية المستمرة.  إن إنهاء حالة ليبيا لصالح تركيا يعتمد على حلف الناتو، وفي المقام الأول، أهمية النهج الذي تتبناه الولايات المتحدة في ليبيا. وفي الوقت نفسه، إن الضغوطات الأمريكية القصوى التي تعمل على إضعاف إيران، تفسح المجال اللازم لتركيا لزيادة التدخل العسكري في الشرق الأوسط ودعم الميليشيات. فإن تزايد الوجود التركي وتعاظم نفوذه يعني صعود دولة أخرى مارقة (خارجة عن القانون) في الشرق الأوسط، على حساب تراجع النفوذ الإيراني. وعند المقارنة بين السياسة الإيرانية بعد عام 1979؛ عندما وصل النظام الإسلامي إلى سدة الحكم، والسياسة التركية المتبعة بعد الربيع العربي، يصبح التشابه بين البلدين أكثر وضوحاً.

يسعى النظامان إلى إعادة بناء إمبراطوريتهما في المنطقة من خلال الإيديولوجية الإسلامية. ووفقاً للمنظمة السورية لحقوق الإنسان، فإن حكومة تركيا تعمل على تجنيد وتدريب اللاجئين السوريين، ودفع أجور لهم، وإرسالهم إلى الحرب الأهلية في ليبيا. حيث أن هذا العمل من جانب تركيا يذكرنا بجارتها الشرقية إيران، الدولة التي كانت تستخدم اللاجئين الأفغان وتدفع لهم من أجل القتال في حرب إيران بالوكالة في سوريا. فضلاً عن ذلك؛ فإن المقاتلون السوريون في ليبيا يزعمون أنهم هناك للدفاع عن الإسلام وتحرير ليبيا بالكامل من قوات حفتر. فالمقاتلون الأفغان، الذين تجندهم إيران للقتال في سوريا، وظّفوا  بطريقة مماثلة، وهي أنهم يحمون العقيدة الشيعية والمواقع المقدسة. وفي كلتا الحالتين، فإن معظم السوريين والأفغانيين لاجئون غير موثّقين وقد وعدوا بتوفير حياة أفضل لأسرهم.

إن النظام العربي السعودي هو العدو المشترك لكل من تركيا وإيران. فكل منهما يتطلع إلى الحلول محل المملكة العربية السعودية باعتبارها تمثل العالم الإسلامي. فالرياض تستمد سلطتها من مدينة مكة المكرمة التي تقع تحت سيطرتها, ويدعم أردوغان وآية الله علي خامنئي مختلف أطراف الصراعات في دول الشرق الأوسط ضد السعودية، لكنهما في الوقت نفسه، يتصادمان في بعض مناطق الحرب، سوريا على سبيل المثال.

فهذا ليس التشابه الوحيد بين حكومة أردوغان وجمهورية إيران الإسلامية في الأعوام الأخيرة. وعلى النقيض من نظام الشاه في إيران، الذي بنى نموذجه على غرار الإصلاحات الغربية التي طبقها أتاتورك في تركيا أثناء عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، فإن أردوغان الآن يتبع أسلوب النظام الإسلامي في إيران لأسلمة تركيا.

إن تسليط الضوء على أوجه الشبه في العديد من النواحي السياسة الداخلية والخارجية يساعد في فهم المخاطر التي تنطوي عليها السياسة التركية الحالية في الشرق الأوسط.

السياسة الداخلية

بعد الاستفتاء الذي حول تركيا من نظام برلماني إلى نظام حكومي رئاسي في عام 2018، قام أردوغان بنقل تركيا خطوة واحدة نحو نظام استبدادي. ومن خلال هذه المناورة اكتسب المزيد من السلطات التنفيذية والسياسية في تركيا. إن أردوغان هو صانع القرار الوحيد بشأن كل القضايا الرئيسية تقريباً، والعديد من القضايا الصغيرة في البلاد أيضاً. جرت عملية مماثلة في إيران؛ بعد أن أجرى الحزب الإسلامي استفتاء عام 1979 لتوطيد منصب المرشد الأعلى على أنه يتمتع بصلاحيات كبيرة على جميع السلطات. ورغم وجود تحفظات داخل كل من البلدين على منح الزعماء القوميين قدراً كبيراً من السلطة الفردية، نجح الزعيمان في التغلب على المقاومة لجعل نفوذهما أكثر مركزية إلى حد كبير.

حاول الحزب الإسلامي في إيران بعد الثورة الإسلامية في عام 1979 أن يقلّص أو يسحق الأحزاب السياسية الأخرى باعتقال أعضائهم واتهامهم بجرائم مختلفة. وفي سيناريو مماثل، يهاجم أردوغان خصومه في تركيا ويعتقل العديد من المسؤولين المنتخبين. فكلا البلدين يسيطران على وسائل الإعلام ويقيدان حرية التعبير، ويلقيان القبض على عدداً كبيراً من الناشطين السياسيين والاجتماعيين.

إن تركيا تغير مناهج التعليم المدرسي إلى مفاهيم دينية متطرفة، وترفع عدد المدارس الإسلامية. وتظهر البيانات أنه أثناء عهد أردوغان في تركيا فإن عدد مدارس إمام الخطيب (داعية) الدينية ارتفع من 450 مدرسة في عام 2003 إلى 4500 مدرسة في عام 2018.

المسألة الكردية تعتبر من بين الجوانب الثابتة للسياسة الداخلية للبلدين، والتي كانت قائمة منذ القرن السادس عشر في عهد الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية. وقد شكلت الحقوق السياسية والثقافية الكردية، معضلة بالنسبة لطهران وأنقرة منذ زمن طويل، فضلاً عن النضال من أجل الحكم الذاتي والاستقلال. وقد يكون التعامل مع الكرد النقطة الأكثر أهمية بالنسبة لكل من البلدين في التوصل إلى رؤية وسياسة مشتركة.

السياسة الخارجية

لقد منح الربيع العربي – الذي بدأ في أواخر عام 2010 – تركيا الفرصة لزيادة نفوذها في الشرق الأوسط؛ على نحو شبيه بمحاولة إيران بزيادة نفوذها في المنطقة. وقد اعتبرت الحكومة التركية هذه الانتفاضة بمثابة “ربيع تركي” لمساعدة بلدان إقليمية أخرى في جلب الإسلاميين إلى السلطة. وفي إيران أطلق عليها خامنئي وصف “الصحوة الإسلامية”. وعلى هذا فإن مشروع (الأمة الإسلامية العظمى) كان بمثابة الأجندة الرئيسية للسياسة الخارجية لكلا البلدين، والتي يتعين على كل منهما أن يعمل على توسيع سلطاته في المناطق العربية في المقام الأول. ولكن خلافاً لتركيا، بدأت إيران خطتها جنباً إلى جنب مع ثورتها الإسلامية في عام 1979، ولكن الربيع العربي أعطى إيران فرصة أكبر لزيادة دعمها للجماعات الشيعية في المنطقة والمساهمة في إضعاف خصومها القدامى مثل حسني مبارك في مصر.

وبانتهاج سياسة مماثلة لسياسة إيران، بدأت إدارة أردوغان في استخدام القضية الفلسطينية-الإسرائيلية كأداة مهمة للحصول على دعم المجتمع الإسلامي.

فقدت تركيا الكثير من حلفائها وأصبحت معادية للمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات بعد تزايد التدخل في المنطقة. ولكن القوة الناعمة التركية كانت ناجحة في بعض الحالات، في زيادة هيمنة تركيا على المنطقة قبل الربيع العربي. إن تحوّل تركيا من القوة الناعمة إلى القوة الصلبة مجدداً، في التعامل مع بلدان الشرق الأوسط، كان سبباً في عزل تركيا عن بقية المنطقة من ناحية. ومن ناحية أخرى، كان تغيير السياسة الخارجية التركية، من محاولة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى التقارب مع الشرق الأوسط، سبباً في إبعاد تركيا عن البلدان الغربية، وبالرغم أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يحتاج إلى تركيا كبديل لممر النفط، في حال عدم الوثوق بمصدر النفط الروسي. ولكن تركيا تمكنت من إقامة علاقات قوية مع قطر فقط والحفاظ عليها، بما في ذلك التواجد العسكري في تلك الدولة الصغيرة بمساحة جزيرة. ومن جانبها؛ وجدت قطر نفسها معزولة في منطقة الخليج، وهي هدف لنزاع دبلوماسي مستمر ينشأ من علاقاتها مع تركيا وإيران.

إن كِلا النظامين الإسلامي في إيران وحكومة أردوغان في تركيا يستخدمان القوة الناعمة للفوز بقلوب وعقول المسلمين في مختلف أنحاء العالم. ورغم هذا فإن المنافسة المتزايدة الأهمية تدور حول البلدان الأفريقية، حيث أدت المساعدات الإنسانية التي تقدمها إيران وتركيا، والمؤتمرات، والأنشطة الدينية، والأحداث السياسية، والمنح التعليمية إلى زيادة النفوذ بين السكان المسلمين الأفارقة. فضلاً عن ذلك، فإن الطوائف الشيعية والسُنّية في باكستان منقسمة فيما يخص دعم السياسات التي تنتهجها كل من إيران وتركيا ووجودها العالمي.

إن تحوّل تركيا لدولة مارقة أخرى (كإيران) في المنطقة، يعتمد على طول مدة بقاء أردوغان في السلطة مع سياسة إعادة بناء الإمبراطورية العثمانية، أما فرص التغيير في تركيا فتعتمد على مجيء شخص آخر ويحل محل أردوغان.

 

 

بقلم: شكرية برادوست: محللة سياسية، حاصلة على ماجستير في الأمن الدولي بجامعة ليسترسيتي في الممكلة المتحدة، وإجازة في القانون من جامعة صلاح الدين في أربيل، وطالبة دكتوراه مختصة بالأمن والاستقرار في الشرق الأوسط في جامعة ومعهد فيرجينيا للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وعضوة في المجلس الإداري في المعهد الأمريكي-الكردي للأبحاث.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى