ترجمات

الاتفاق النووي الإيراني على مفترق طرق

دخلت التطورات المتعلقة بإعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران مرحلةً جديدة، فقد تراجعت إمكانية إعادة إحياء هذا الاتفاق، بشكل كبير، منذ ما قبل تولّي الحكومة الثالثة عشر السلطة، ولكن بالنظر إلى المؤشرات القائمة، فإنّ حدوث ذلك ليس مستحيلاً، وتم تعليق محادثات فيينا منذ نهاية الجولة السادسة في 20 حزيران الفائت، ولا تبدو آفاقها واضحة إلى الآن.

بعد مباحثات الاتحاد الأوروبي، وزيارة “إنريكي مورا”، نائب الأمين العام للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي إلى طهران، وافقت الحكومة الإيرانية أخيراً على الانخراط بشكلٍ رسمي في مفاوضاتٍ مع مجموعة دول (4+1).

تُعتبر زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني “علي باقري” إلى بروكسل، وإجراء مباحثات مع “مورا”، الخطة الأولى في برنامج الحكومة الإيرانية الجديدة حيال إعادة إحياء الاتفاق النووي، ووفقاً للتوافق الذي تم التوصل إليه، فإنّه من المقرّر أن تبدأ المفاوضات بحلول نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر. لكن حتى إن تمّ ذلك، فإنّ شكل التفاوض، ما يزال غير واضحاً، ولا سيما كيفية التفاوض غير المباشر مع الولايات المتحدة.

تنتهج حكومة “إبراهيم رئيسي” حتى الآن نهجاً متأنيّاً، وهي تلوّحُ بضرورة رفع العقوبات، كشرطٍ مسبق للتوصل إلى اتفاق. فيما يتعلق بالعقوبات أيضاً، فقد تم الحديث عنها كثيراً، لكن ليس من الواضح ما هي العقوبات المحددة.

لقد صرّح “رئيسي” مراراً، بعد دخوله القصر الرئاسي، إنّه يولي أهمية لإعادة إحياء الاتفاق النووي، لكنه في الوقت نفسه، لا يربط بينه وبين اقتصاد إيران، أو أداء حكومته، وبالتالي فإنّ تفسير هذه التصريحات يبيّن لنا أنّ الاتفاق النووي ليس أولوية لحكومة رئيسي، التي تحظى خطتها بتأييد القاعدة الأساسية فيها.

لم تتحدث أيّ من القوى الأصولية الرئيسية وكبار المسؤولين في السلطات الثلاث التي يحكمها الأصوليون في إيران، عن الخروج من الاتفاق النووي أو رفضه. هذا الموضوع الذي يتعارض مع مواقفهم أثناء المصادقة على الاتفاق، يثير الشكوك حول مدى صدق وجدية التصريحات المذكورة آنفاً.

لكن الجمهورية الإسلامية لم تنتهك جميع التزاماتها حيال الاتفاق النووي، في العام الأخير من الولاية الثانية لروحاني وحسب، وإنما رفعت أنشطتها النووية إلى مستوى أعلى مما كانت عليه في المرحلة التي سبقت توقيع الاتفاق. فالآن، تعمل أجهزة طرد مركزية أكثر تطوراً في المنشآت النووية، كما تمّ إنتاج اليورانيوم المعدني للمرّة الأولى، وارتفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من 60%.

في ظل هذه الظروف، تقلصت نقطة المراوغة النووية بشكل كبير، وتضاءلت المسافة التي تفصل الحكومة عن تجهيز الوقود النووي اللازم لإنتاج سلاح نووي تقليدي، إلى فترة تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر. طبعاً، لم يتضح بعد ما إذا كانت المراكز العسكرية قد توصّلت إلى إمكانية تركيب الرؤوس النووية للصواريخ أم لا. كما تظهر متابعة المواقف ورصدها، أنّه من غير المرجّح أن تسير إيران نحو امتلاك القنبلة النووية، لكنها تستغلّ ذلك للضغط على الجانب الآخر. وفي الواقع، فإنّ توسيع نطاق الأنشطة النووية الحساسة ليس هدفاً استراتيجياً لإيران، وغايتها هي تقوية موقفها التفاوضي، وزيادة الضغط على دول الغرب.

لكنّ هذه الإجراءات، إلى جانب الامتناع عن بدء الجولة السابعة من محادثات فيينا النووية، لم تتسبب بنفاد صبر الدول الغربية وحسب، بل أدّت أيضاً إلى خلق حالة من عدم الرضا لدى روسيا والصين أيضاً، ومطالبتهما ببدء المباحثات في فيينا بأسرع وقت. وفي موازاة ذلك، تتزايد الخلافات بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

في الوقت الراهن، لم يعد الاتفاق النووي موجوداً في الممارسة العملية، فكل من الولايات المتحدة وإيران، لا تفيان بالتزاماتهما. وحدها دول الترويكا الأوروبية (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا) لم تفعّل آلية الزناد، لكنها، عملياً، عاجزة عن رفع العقوبات.

في الأسابيع الفائتة، تسارعت التحركات والمحادثات الثنائية ومتعددة الأطراف بين الدول المعنية، والمجاورة لإيران في الشرق الأوسط.

على الرّغم من أنّ الولايات المتحدة ما تزال تعتبر الاتفاق النووي مع إيران أولوية لها، إلا أنها، تقوم، في موازاة ذلك، بإعداد خطة بديلة، لتقييم وكبح أي خطر أمني من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في حال قطعت الأمل من إحياء الاتفاق النووي أو فقدت امتيازاته، وهي تتحرك للتوصل إلى اتفاق شامل يتجاوز القضية النووية إلى الخلافات في المجالات الأخرى، وقد تمكنت إدارة بايدن إلى حد كبير، في هذا المسار، من جلب دول الترويكا الأوروبية إلى صفّها.

لم يحقّق تطلّع الجمهورية الإسلامية في الاستفادة من الانقسام بين أوروبا والولايات المتحدة، النتائج المرجوّة، وعادت تصرفاتها العدوانية بنتائج عكسية عليها، فقد أطلقت كل من فرنسا وبريطانيا تهديدات تجاه إيران، وإضافةً إلى هاتين الدولتين الأوروبيتين والولايات المتحدة، حذّرت ألمانيا أيضاً من أنّ نافذة المباحثات لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، وهذا يعني أنّ الدول الغربية ستميل إلى استخدام القوة الصارمة، في حال لم تتحقق توقعاتها بشأن مفاوضات بنّاءة.

في الساحة السياسية داخل أمريكا، تتزايد الضغوطات على إدارة بايدن، لاستخدام قدرتها في التهديد العسكري، وتشديد العقوبات، واتخاذ الإجراءات الاستراتيجية بالتوازي مع الدبلوماسية، لجلب الجمهورية الإسلامية إلى طاولة المفاوضات. ويعتقد أصحاب هذا الرأي أنّ استراتيجية إدارة بايدن لا تستجيب للنهج الجديد لسلطات طهران، وأنّ على إدارته تغيير تعاملها، كي تتغير حسابات كبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية، ويدركوا مخاطر القرارات التي يتخذونها.

إنّ الجمهورية الإسلامية، وبالنظر إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وفقدان الاتفاق لتأثيره المرجوّ، تسعى إلى عدم خروج هذه المباحثات من الإطار النووي، والحصول على امتيازات أكثر، وبيع العودة إلى التزاماتها النووية بثمنٍ أكبر، كما أنها تريد تحقيق مصالح إيران في الاتفاق النووي، من دون أن تغيّر استراتيجية المواجهة والتوسع في السياسة الخارجية.

لكن بسبب استخدامها أدوات ضغطها الاستراتيجي في المجال النووي، فهي ليست في وضع يسمح لها بفرض مطالبها، لا سيّما في ظل أزمتها الاقتصادية، وعلاقاتها المتأزمة مع دول الجوار، والتغيّر السلبي في المعادلات الميدانية في العراق ولبنان، وهي في الواقع في موقف صعب.

إنّ تصعيد المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وتوسيع نطاق الحرب بالوكالة في الشرق الأوسط، في ظل الأوضاع الحالية الهشة، ينطوي على مخاطر كبيرة وغير متوقعة، كما أنّ الحكومة الإيرانية في الداخل هي في وضع مضطرب، ومن الممكن أن تواجه في أية لحظة حركة احتجاجية شعبية.

من جهةٍ أخرى، فإنّ تطوير الأنشطة النووية، التي تجاوزت في الوقت الراهن، الخطوط الحمر للدول الغربية وإسرائيل، قد يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات التخريبية، أو الضربات الإسرائيلية المستقلة، أو المشتركة مع الولايات المتحدة.

لكنّ حسابات المسؤولين الرئيسيين في الجمهورية الإسلامية، تجعلهم يتصوّرون أنّ بإمكانهم المقاومة، وأنهم يستطيعون، من خلال شراء الوقت، أن يُرهقوا الجانب الآخر، ويغيّروا أجواء المفاوضات لصالحهم. حيث يكشف تصريح وزير الخارجية “حسين أمير عبد اللهيان”، الذي قال: “لا نريد أن ندخل المفاوضات من نقطة فيينا”، يكشف بوضوح عن ميل الحكومة الإيرانية لشراء الوقت، وهو كان قد أكّد قبولهم صيغة فيينا، لكنه اعتبر تغيير اتجاه المحادثات أمراً ضرورياً.

كما أنّ الحكومة الإيرانية الجديدة تريد التوصل أولاً إلى اتفاق رئيسي مع الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ثم تنضم بعدها إلى مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة. لكنّ الأخيرة أرسلت رسالة واضحة مفادها أنها لا تقبل هذا المسار، وأنّ مفاوضات إعادة إحياء الاتفاق النووي يجب أن تتم في فيينا، وأن تبدأ من النقطة التي كانت قد توقفت عندها.

لكن الجمهورية الإسلامية في الظروف الراهنة، لا تقبل الصيغة التي تمّ طرحها في نهاية مفاوضات “عباس عراقجي”. ونظراً للمأزق الحاصل، فإنه حتى لو بدأت الجولة السابعة من محادثات فيينا، فإنّ مستقبل المحادثات سيعتمد على نتيجة اختبار القوة، وعوامل القوة الباردة، بعيداً عن طاولة المفاوضات.

في هذا السياق، يمكن التنبؤ بأنّ زيادة التهديدات والمواجهات الكلامية من كلا الطرفين، والقيام بإجراءات من شأنها أن تضايق الطرف الآخر، إضافةً إلى زيادة الأنشطة التخريبية، ولا سيما التصدي الإسرائيلي المباشر وغير المباشر، جميعها ستكون أحداثاً محتملة الوقوع. أضف إلى ذلك، تصعيد الهجمات على القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا والعراق من قبل حلفاء الجمهورية الإسلامية. ووفقاً لما يتم الحديث عنه، فإنّه من المستبعد أن يستخدم النظام الإيراني القوة ضد المملكة العربية السعودية، وستكون نتيجة هذه الأحداث المحتملة، عودة شبح الحرب إلى سماء إيران والمنطقة.

أحد العوامل التي يبدو أنها موجودة في حسابات الجمهورية الإسلامية، هو وثوقها في عدم تفعيل “آلية الزناد” من قبل دول الترويكا الأوروبية. وفي حال استمرار حالة الجمود، فإنّ احتمال حدوث ذلك واردٌ جدّاً، مما قد يؤدي إلى الانهيار الكامل للاتفاق النووي، ويشكل صدمة جديدة للاقتصاد الإيراني المتأزم، ويترتب على ذلك بدء جولة أخرى من الانخفاض السريع والحاد لقيمة العملة الوطنية.

لم تستخدم الدول الغربية أوراق ضغطها بعد، فتفعيل آلية الزناد يعني العودة التلقائية لعقوبات مجلس الأمن الدولي، التي من شأنها تصعيب العلاقات التجارية مع الصين وروسيا أيضاً.

إنّ سير الجمهورية الإسلامية في اتجاه مختلف، أو اتباعها نمط السلوك السابق، يجعلها تتراجع عند آخر لحظة، وذلك بعد تأكدها من عدم وجود مفرّ من الضغوطات التي تمارس عليها، وعدم تحقيق اختبار القوة للنتائج المرجوّة.

في الوقت الحالي، وفي ضوء المعطيات الموجودة، لا يمكن توقع ما ستؤول إليه الأمور، لكن يبدو أنّه لا وجود لاتفاقٍ يلوح في الأفق، وسيصبح كل طرف من أطراف النزاع أكثر انخراطاً في اختبار القوة، ويحاول أن يُظهر، من خلال الإجراءات التي يقوم بها، أنه في موقعٍ أقوى من الآخر.

إنّ فريق التفاوض الإيراني الجديد، إضافةً إلى ضعفه الدبلوماسي الواضح، فهو أكثر مهارة في كسب الوقت والتفاوض بهدف التفاوض، وهذا بدوره سيكون له تأثير على إطالة أمد المباحثات وخلق المزيد من التحديات في أجوائها.

………………………………….

الكاتب: علي أفشاري، محلل سياسي إيراني وناشط في مجال حقوق الإنسان، مقيم في أمريكا.

ترجمة: مركز الفرات للدراسات

الرابط الأصلي للمقال

زر الذهاب إلى الأعلى