ترجمات

التدخل التركيّ في سوريا يخدمُ مصالحَ إسرائيل الاستراتيجية

ديميتري شوفوتسينكي*

رابط المقال الأصلي*

ملخصٌ تنفيذيّ: الغزو التركيّ لسوريا من أجل حمايةِ إدلب؛ سيغرقها أكثر في حربٍ لن تكون الفائز فيها. في الوقت ذاته، سوف يضعف ذلك نظام الأسد بشدة وقد يسهم في طرد إيران من سوريا.

الحرب التركية مع نظام الأسد في سوريا يعيدُ إلى الأذهان كلمات رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل مناحيم بيجن أثناء الحرب الإيرانية-العراقية أعوام 1980-1988: “نتمنى أفضل النجاح لكلا الطرفين”.

الغزو التركيّ الأخير لسوريا لم يستهدف الكرد؛ ولكن -ومن باب التغيير- كان يستهدف نظام الأسد وداعميه من “محور الممانعة” أيضاً. ومن غير المرجح، أن يستمر وقف إطلاق النار المعلن بين أنقرة وروسيا. حيث باءت جميع محاولات روسيا السابقة في إيجاد حل دبلوماسي في سوريا بالفشل. علاوة على ذلك؛ يتعينُ على الرئيس رجب طيب أردوغان أن يحققَ نصراً كاملاً بالنيابة عن المتمردين في إدلب إذا كانَ يرغب في البقاء في السلطة.

أسفرت الضربات التركية الجوية في سوريا عن قتل تسعة من أعضاء حزب الله والعديد من مقاتلي الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران والعشرات من القوات السورية. ورداً على ذلك حذرت إيران أنقرة من استهداف المجموعات المحسوبين عليها، مشيرةً إلى أن القواعد التركية تقع في “مرمى نيران” طهران. كما إنها أرسلت المزيد من ميليشياتها لمساعدة النظام السوري في استعادة إدلب.

يُنظر إلى الهجمات التركية باعتبارها مبررة من قِبَل غالبية المجتمع الدولي. حيث جاء ذلك بعد أن أسفرت الضربات الجوية السورية-الروسية عن قتل مئات المدنيين الأبرياء في إدلب وأدت إلى قتل العشرات من الجنود الأتراك.

تملك تركيا ثاني أكبر جيش في الناتو، وهي في وضعٍ جيد يسمحُ لها بإلحاقِ أضرارٍ جسيمة بالنظام السوري. من غير المرجح أن تخضع المغامرة التركية في سوريا -التي ألحقت الضرر بالدبابات والدفاعات الجوية والطائرات الحربية والقواعد العسكرية لدمشق- للانتقادات لاسيما أن الأسد وفلاديمير بوتين كلاهما محتقران على نطاقٍ واسع.

في الوقت ذاته، من غير المرجح أن تذهب أنقرة بعيداً في استفزاز روسيا بقتلها لقوات الأسد أو القوات الروسية المشاركة بشكل مباشر. رغم إن تركيا قوة عسكرية هائلة بحد ذاتها، إلا إنها لا تستطيع أن تتحدى روسيا. ولن يسمح لها شركاؤها الأكثر نفوذاً أو قوة في الناتو “حلف الشمال الأطلسي” باتخاذ مثل هذه الخطوات. لا أحد يرغب في حربٍ عالمية ثالثة، خاصة على غرار سوريا. ولكن على أي حال؛ من المحتمل أن يقدم الغرب وإسرائيل الدعم الدبلوماسي، وربما الأسلحة أو المعلومات الاستخباراتية لأنقرة، حيث يتقاسمان جميعها أهدافاً مشتركة: إضعاف نظام الأسد، وإثبات ذلك بأن روسيا مازالت عاجزة نسبياً في المنطقة، وطرد إيران من سوريا.

إيران ووكلائها في موقفٍ لا يحسدون عليه. لقد خلفت حملة العقوبات التي شنها الرئيس دونالد ترامب؛ اقتصادها في حالة من الكساد الفظيع. وما لم تسبب أزمة فايروس كورونا في قلب آفاقه، فمن غير المرجح أن يبرح ترامب عن منصبه في نوفمبر؛ وهذا يعني بأن العقوبات ستظل قائمة بل وستصبح أكثر حدة على الأرجح. فقد قُتِل الجنرال الإيراني الأعلى قاسم سليماني إلى جانب القائد الأعلى للميليشيات الشيعية العراقية أبو مهدي المهندس في غارة شنتها طائرات أميركية بدون طيار في يناير/كانون الثاني. فقد أدى إسقاط الطائرة الأوكرانية، والاحتجاجات الواسعة النطاق داخل البلاد وانتشار فايروس كورونا إلى تفاقم عزلة إيران؛ كما أنه أحدث مزيداً من الشلل للاقتصاد واستنزف شرعية النظام الداخلية.

ولا تملك الجمهورية الإسلامية الأموال اللازمة لمواصلة الحرب في سوريا. ففي “جوارها القريب” تستهدف قواتها من قِبَل الإسرائيليون (سوريا) في الجنوب، ومن قِبَل الأتراك (سوريا) في الشمال، ومن قِبَل الأمريكان (العراق) في الغرب، وربما قريباً من الشرق من قِبَل طالبان.

ومن المرجح أن تٌرى الصفقة الأميركية مع طالبان لتدفع الجماعة لتركيز اهتمامها على عدوها التاريخي “إيران الشيعية”. قد تضطر الحكومة الإيرانية قريباً إلى إعادة نشر مرتزقتها الشيعة من سوريا إلى أفغانستان لمحاربة طالبان وغيرها من الجهاديين السُنّة هناك، وهذا من شأنه أن يزيد من تقويض قدرتها على تحقيق أهدافها في سوريا.

ومهما كان عدد الأفراد الذين تنقلهم إيران من العراق أو لبنان، فإنهم سيستهدفون باستمرار من قبل قوات العدو. فالنظام لا يملك المال ولا القوة البشرية اللازمة للحفاظ على هذا النوع من الرعاية الغير محدودة، وخاصة مع استمرار التوجه المناهض لإيران في التأجج في بيروت وبغداد.

ومع انتشار فايروس كورونا في كل من العراق ولبنان، والشلل الاقتصادي في لبنان، والعقوبات المرتبطة بإيران التي تضعف حزب الله، فإن قدرة النظام الإيراني على الدخول في حرب مع إسرائيل في أي وقت قريب سوف تكون محدودة؛ مانحاً الدولة اليهودية المزيد من الوقت لتحسين قدراتها والاستعداد لمثل هذه الحرب في المستقبل.

مجموعة التهديدات الاقتصادية والدبلوماسية والصحية -بالإضافة إلى الغزو التركي لسوريا- يشتت انتباه الإيرانيين والروس وغيرهم، الأمر الذي يعطي إسرائيل الغطاء لمواصلة مهاجمة المواقع ذات الصلة بإيران في سوريا والعراق. وهذا يتماشى مع الهدف المعلن لوزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بنت المتمثل في استئصال إيران من سوريا بحلول بداية عام 2021.

وفي حين ينشغل الأتراك بملاحقة الأسد وحلفائه من الشيعة، فإنه لن يكون بوسعهم أن يلاحقوا أهدافهم في ليبيا أو كردستان. فمن مصلحة الكرد، مثل تركيا وإسرائيل، ضعف الحضور الإيراني في سوريا والعراق. وإذ، تدخل الجيش التركي على خلاف ذلك؛ فإن من المحتمل أن يتمكن الكرد من استعادة بعض أراضيهم التي احتلتها أنقرة. في الوقت الذي تكون فيه روسيا والأسد أضعف وأكثر تشتتاً، قد يكون بوسع الأكراد إما أن يطالبوا بالمزيد منهم في اتفاق ينضمون فيه إلى سوريا الجديدة، أو أن يساعدوا الجيش السوري ضد الأتراك. من الناحية النظرية، قد يؤدي هذا إلى الحكم الذاتي الكردي أو الوعد بحقوق متساوية في سوريا الموحدة، وهذا غير مرجح ما لم يتم طرد القوى الشيعية المتطرفة من المنطقة بشكل كامل أو هزمهم بشكل قاطع.

تواجه أنقرة كامل محور الممانعة ويتعين عليها أن تستعد لاحتمال توسع الصراع ليشمل روسيا، لذلك فإنها لا تستطيع أن توسع خططها في ليبيا أو ضد الكرد. ومن المرجح أن يستغل الجنرال خليفة حفتر هذا الموقف وأن يستولي على أكبر قدر ممكن من الأراضي في حربه ضد القوات (من سوريا وليبيا) والمدعومة من تركيا. والحقيقة أن دعم تركيا للعناصر الجهادية الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة يعني أنها من غير المرجح أن تتلقى أي مساعدات عسكرية غربية ملموسة في هذه العملية؛ بل إن الأمر سوف يكون أكثر ميلاً إلى مواجهة قدر أعظم من الرقابة الدولية مع استمرار العملية وتزايد المعاناة الإنسانية.

ومن غير المرجح أن يكتسب طرد تركيا للاجئين السوريين من أراضيها إلى أوروبا ــ التي أعاقتها حتى الآن المؤسسة العسكرية والشرطة اليونانية ــ قدراً كبيراً من التعاطف في بروكسل. والأرجح أن يتحول الأوروبيون ضد أنقرة وأن يشجع على تقدم ذلك النوع من حكومات اليمين المتطرف الذي يحاربه أردوغان.

وفي النهاية، من المحتمل أن يؤدي الجمع بين القوة العسكرية الإسرائيلية والتركية، فضلاً عن العوامل الخارجية، إلى إضعاف نظام الأسد بشدة، وإضعاف وتدمير حزب الله والمرتزقة الشيعة في سوريا، وإرغام الإيرانيين على الخروج من البلاد. ولكن على أية حال من المتحمل أن يتم إرغام الأتراك أيضاً على الخروج. ولن يتسامح العالم مع دعم أنقرة للعناصر المتطرفة، ولن يُسمح لها بجر روسيا والناتو إلى حرب عالمية.

ومن المرجح أن تترك تركيا الأسد في السلطة خشية استفزاز روسيا أكثر مما ينبغي؛ ومن ثم ترحل بعد فشلها في إعادة تصميم سوريا وكردستان بما يتوافق مع تطلعاتها العثمانية الجديدة. وسوف يأتي المزيد من القوات التركية إلى الديار محمولين في النعوش نيابة عن النظام المنبوذ من قِبَل شعبه وفي الأمم المتحدة أيضاً. فضلاً عن ذلك فإن اقتصاد البلاد المتعثر لن يسمح بتحقيق النصر في ليبيا. وسوف تكون روسيا قد أتمت مهمتها في الإبقاء على الأسد حياً، وربما استعادة إدلب من الجهاديين في المستقبل والسماح بإعادة اللاجئين إلى وطنهم.

صحيحٌ أن الأسد سوف يكون مكروهاً من قِبَل العالم بعد أن ارتكب فظائع مروعة؛ وسوف يكون اقتصاده معدماً ولن يملك سوى القليل من القوة الحقيقية، الأمر الذي من شأنه أن يجعل منه معتمداً على موسكو في توفير الحماية. وسوف يُنظَر إلى روسيا أيضاً باعتبارها دولة لم تستطع أن تستخدم الدبلوماسية لتحقيق أهدافها، بل وكان عليها أن تلجأ إلى العنف وجرائم الحرب. وهذا من شأنه أن يدفع بلدان الخليج العربي، على الأرجح إلى العودة إلى الولايات المتحدة وأوروبا.

وأياً كان ما يفكر فيه المجتمع الدولي، فمن المرجح أن ينتهي الأمر بموسكو إلى فرض هيمنتها الأحادية على سوريا، بعد أن تطرد تركيا وإيران ـ كلا خصميها الإمبراطوريتين التاريخيتين ـ من البلاد. وهذا من شأنه أن يمنع اندلاع حرب بين سوريا وإسرائيل، بل وقد يؤدي نظرياً إلى السلام بين البلدين. كما يمكن أن يؤدي إلى المزيد من الحقوق للشعب الكردي في سوريا – بما في ذلك الحكم الذاتي – هذا فيما لم يتحدوا بالقدر الكافي للضغط من أجل الاستقلال مرة أخرى.

إن التدخل التركي من الممكن أن يؤدي إلى الإطاحة بالعثمانية الجديدة والثورة الشيعية المتطرفة التي تحاول إيران نشرها. مرة أخرى، دعونا نتمنى أفضل النجاح لكلا الطرفين.

 

 

*ديميتري شوفوتسينكي: حاصل على الماجستير في السلام الدولي؛ وحل النزاعات من جامعة أركاديا. يعيش في كيبوتس إيريز، إسرائيل، كجندي وحيد (من غير عائلته) في برنامج غارين تزابا ( لالتحاق الشباب اليهود في الخارج بالجيش الإسرائيلي). وقد ألحق ب ميتشف آلون (المعسكر التدريبي) في 15 ديسمبر.

*المقال نشر باللغة الإنكليزية في مركز بيغن سادات للدراسات الاستراتيجية بتاريخ 29/3/2020

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى