ترجمات

دولة كردستان أمل أمريكا الأخير في الشرق الأوسط

قامت الميليشيات الموالية لتركيا، التي انتشرت في شمالي سوريا، باختطاف امرأتين، كانتا ترتديان لباس رثّة، شبيهةً باللباس العسكري. وبعد فترة كانتا واقفتين على حافة صخرة، حيث أُعدمت واحدة منهنّ على الفور، والأخرى تم دفعها من أعلى الصخرة، ومن ثم أطلقوا النار عليها أثناء سقوطها. إننا في العام 2018، وما زالت الإبادة الجماعية الوحشية مستمرة بحق الكرد.

يزيد تعداد الكرد عن 35 مليون نسمة، وهي مجموعة عرقية تمتد أراضي موطنها الدائم بين كل من إيران، وسوريا، وتركيا، والعراق. وتعد أكبر مجموعة عرقية في العالم لا تتمتع بدولة. البريطانيون كانوا قد وعدوا الكرد بإقامة دولة، مثلما تلقّى الشعب اليهودي – بعد الحرب العالمية الثانية – وعداً مشابهاً. بينما أمنت اسرائيل المستقبل للشعب اليهودي، بقي الكرد في حالة تهميش من قبل المجتمع الدولي، حيث يعانون من الاضطهاد العرقي المتفشّي والعشوائي الذي يرتكب بحقهم.

ينبغي على الولايات المتحدة الأمريكية أن تتزعّم جهود دولية، لدعم انفصال سلمي لكردستان عن دولة العراق الحالية. فدعم دولة كردية لها فوائد جمّة. وهو واجب أخلاقي مطلق.

القوات العسكرية الكردية برهَنَت على أنها حليف قوي للولايات المتحدة طوال أكثر من ثلاثة عقود، حيث ساعد المقاتلون الكرد القوات الأمريكية في الحرب ضد صدام حسين، ثم ضد تنظيم القاعدة، وأيضاً في إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش.

بقي إقليم كوردستان العراق مركزاً اقتصادياً مستقراً وسلمياً ومنفتحاً على التطور التكنولوجي والاستثمار الأجنبي خلال اضطرابات الحرب في العراق، وتُعرف الحكومة الكردية بطبيعتها العلمانية، والتسامح القائم على الاحترام مع المكوّنات العربية الأخرى. ويعتبر الكرد المرشّح الرئيسي لإقامة دولة لهم بدعم الولايات المتحدة، بسبب الهوية المتميزة للكرد، وحكومتهم الليبرالية، واقتصادهم، إلى جانب تاريخهم الحافل بالبسالة العسكرية.

وعلى نفس المنوال، فكما تمتلك الولايات المتحدة تاريخاً تفخر به بدعم إسرائيل، يمكن لكردستان أن تكون بمثابة نجاح أمريكي دائم في الشرق الأوسط أيضاً.

إذا بذلت الولايات المتحدة والحلفاء، الجهود لتعزيز التنمية الوطنية لكردستان، ستزدهر ويتطور شعبها لأجيال. مثل هذا الدعم لدولة كردية، سيمنح العديد من حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، شريكاً تجارياً مهماً، ومركزاً للاستثمار. يمكن لجيش كردي درّبته وسلّحته الولايات المتحدة، أن يشارك في عمليات مشتركة لمكافحة الإرهاب، ويمنع عودة ظهور داعش، بالإضافة إلى أنّ توفّر النفط والكفاءات الفكرية لكردستان، من شأنه أن يجعل من إقامة الدولة خياراً منطقياً وفعالاً.

من المنظور الأخلاقي، فإن تزعّم الجهود من أجل إقامة الدولة الكردية، يمكن أن ينقذ مئات الآلاف من الأرواح، فقد ارتكب صدام حسين عمليات تطهير عرقي خلال الثمانينيات، عندما قَتَل 187 ألف كردي، ودمّر مئات القرى الكردية، فاستخدام صدام للأسلحة الكيماوية بشكل واسع، جعل (حملة الأنفال) واحدة من أسوأ عمليات الإبادة الجماعية في العالم، في حقبة ما بعد ألمانيا النازية.

في الحقيقة، التسامح بين الكرد والعرب المسلمين أمرٌ ليس بمستحيل. ولكنّ المجتمعات القائمة على التسامح وحده، ستكون دائماً عرضة للخطر. عليه، فإن تأسيس دولة بحدود رسمية وجيش وطني، سيمكّن الكرد من ضمان إقامة مجتمع آمن ومستدام، ويتمتع بالحريات الأساسية، لا أن تكون ممنوحة لهم.

تركيا تمثل العائق الرئيسي أمام قيام الدولة الكردية، ولا تزال تركيا والمجموعات الإسلامية المدعومة من قبلها تواصل ارتكاب فظائع جماعية بحق الكرد بشكل يومي. لذا، فقيام دولة كردية جديدة، يمكن أن يؤدي إلى وقف عمليات التمرد ضد تركيا، وكذلك ستوفر مكاناً لترحيل الكرد الذين تعاملهم تركيا بازدراء. يجب على الولايات المتحدة أن تختار دعم قيام دولة لحلفائها الكرد الموثوقين، حتى على حساب النظام التركي الذي يدعم الإرهابيين، ويتقصّد ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ومع مرور الوقت، ستجني أمريكا فوائد من دولة كردية حليفة أكثر من فوائد الدولة التركية المتقلّبة وغير الإنسانية.

إن الشعب الكردي لا يستطيع بناء دولة بمفرده، والولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تمتلك القدرات القيادية، والعزيمة العسكرية، والعلاقة التاريخية، لدعم الدولة التي يحتاجها الكرد ويستحقونها. يجب ألا يُسمح لتركيا بانتهاك القانون الدولي ومعايير الناتو باستمرار دون مساءلة أو عواقب. إذا فشلت الولايات المتحدة في التصرّف، فعليها أن تتحمل نصيبها من المسؤولية عن كل جريمة قتل ووحشية عانى منها شركاؤها الكرد المخلصون على الإطلاق.

ما هي الرسالة التي نحاول أن نرسلها إلى حلفائنا الكرد، إذا كانت مكافأتنا لولائهم هي ازدواجيتنا المستمرة وغير الملزمة؟ فالسماح باستمرار الإبادة الجماعية والخيانة ضد الكرد كفيلٌ بإبعاد دول الشرق الأوسط الأخرى أيضاً. فدولة كردية كهذه ستوفّر الأمان والفرص الاقتصادية لملايين الأشخاص المستضعفين.

على الولايات المتحدة القيام بدورها، لترى أن الدولة الكردية المتمتعة بالحرية والازدهار، ستؤتي ثمارها، وذلك قبل فوات الأوان.

…………………………………………..

صحيفة إنترناشيونال بوليسي دايجست.

مقال رأي .. الرابط الأصلي.

 الكاتب: بين سيغال: الحاصل على الإجازة في دراسات الشرق الأوسط واللغة العربية – كلية ترينيتي في مدينة هارتفورد بولاية كونيتيكت. وطالب دراسات عليا في برنامج دراسات السياسة الأمنية في جامعة جورج واشنطن، ويعمل حالياً في Navanti Group)) مجموعة نافانتي، وهي مجموعة استخبارات خاصة تعمل في أرلينغتون بولاية فيرجينيا.

مركز الفرات للدراسات – قسم الترجمة

 

زر الذهاب إلى الأعلى