ترجمات

الجمهورية الإسلامية واختبار استمرارية السلام في الشرق الأوسط

يعلم دونالد ترامب أنّ وقف إطلاق النار في غزة هو فقط “البداية” وليس نهاية الأزمة. حيث يخيّم في الظاهر هدوء هشّ على غزّة. لكنْ في أعماق هذا السكون، بدأت منافسات جيوسياسية جديدة، وسيكون من الصعب أن يدوم السلام، بدون إشراك إيران في المسار الدبلوماسي أو حلّ “المشكلة الإيرانية”،

ما تزال الجمهورية الإسلامية لاعباً قادراً على إضعاف النظام القائم الهش بخطوة واحدة، كما أنّ إيران المنزوية والجريحة، بإمكانها أنْ تهدّد السلام طويل الأمد. هنا تبرز حاجة الولايات المتحدة إلى استراتيجية جديدة؛ وإلّا فإنّ غيمة إيران السوداء ستستمر بإلقاء ظلها على الاتفاقات.

لطالما لعبت إيران دوراً محورياً في تقويض استقرار الشرق الأوسط، وهي تجد نفسها اليوم في موقف ضعيف، بعد إعلان وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025. فاقتصادها يرزح تحت وطأة العقوبات، ووكلاؤها فقدوا قوتهم وباتوا ضعفاء، إلى جانب مواجهتها لعزلة دولية متزايدة. ويعتقد المحلّلون أنّ هذا الضعف قد يدفع طهران إلى القيام بإجراءات تخريبية، مثل تصعيد الهجمات السيبرانية أو دعم سرّي لعناصر من حماس معارضة لوقف إطلاق النار.

عبر تاريخ الجمهورية الإسلامية؛ كلما شعرت طهران بأنها معزولة ومحاصرة، لم يكن ردّها التراجع، بل استعراضاً القوة، بدءاً من توسيع رقعة الحرب إلى مياه الخليج خلال السنوات الأخيرة في حربها مع العراق، مروراً بالإعلان رسمياً عن استمرار تخصيب اليورانيوم في مواجهة عقوبات مجلس الأمن، وصولاً إلى الهجمات بالوكالة على منشآت أرامكو. هذا النهج المتكرّر، يبيّن أنّ سياسة الكبح دون وجود مسار للحوار، لا تضعف النظام الإيراني، بل تدفعه نحو ممارسات أشدّ خطورة.

يعتقد ترامب أنّ الجمهورية الإسلامية مستعدة للسلام. ففي خطابه الأخير الذي ألقاه أمام الكنيست الإسرائيلي، قال: “إيران أبلغتنا بموافقتها الكاملة على هذا الاتفاق”، حتى إنّه عرض “الصداقة” على طهران.

لماذا يظنّ ترامب أنّ غيمة إيران السوداء قد انقشعت، في حين أنّ تهديدها ما يزال قائماً؟ لقد كان هو نفسه من حذّر أنّ ظلّ الجمهورية الإسلامية يلقي بثقله على أيّ اتفاق، لكن الآن، ومع تركيزه على “إنهاء الحرب” ربما يكون قد بالغ في الترويج لفكرة الانتصار.

يقول ترامب، إن الهجوم على المنشآت النووية أزاح الجمهورية الإسلامية من الساحة، ومهد الطريق لاتفاق سلام. ولكنْ هل كان كلّ شرّ الجمهورية الإسلامية كامناً في أقبية نطنز وفوردو ومختبرات أصفهان؟ قد يبدو “الهلال الشيعي” اليوم أبهت من هلال الليلة الأولى، إلا أنّ هذا الضعف الظاهري لا يُلغي حقيقة أنّ الجمهورية الإسلامية ما زالت قوّة نووية محتملة وداعمة للجهادية.

في خضمّ ذلك، يبرز الدور شديد الأهمية للعالم العربي. ففي تموز/ يوليو 2025، وفي خطوة عير مسبوقة، انضمت الجامعة العربية إلى الدول الغربية في المطالبة بنزع سلاح حماس، وجرّدت هذه الجماعة من شرعيتها الجهادية ومن مشروع إيران الميليشياوي. هذا البيان، الذي يدعو حماس إلى تسليم الأسلحة وإطلاق سراح الرهائن، يشير إلى حدوث تغيير جذري في السياسات العربية.

إنّ نجاح ترامب في تثبيت الهدنة مرهونٌ إلى حدّ كبير بضغط العرب، فالعالم العربي، ولا سيّما دول الخليج التي تموّل إعادة إعمار غزّة، يمكنه أن يجعل مساعداته المالية مشروطة بالتزام حماس بخطة ترامب، بما في ذلك النزع الكامل لسلاح هذه الجماعة الإرهابية.

لكنْ إذا فعل العالم العربي هذا الأمر، ماذا ستفعل الجمهورية الإسلامية؟ هل ستقبل؟ تشير التحليلات إلى أنّه من المستبعد أن تستسلم طهران بسهولة، فهي تعتبر حماس جزءاً من استراتيجيتها المعادية لإسرائيل، وترى في نزع سلاحها ضربةً لنفوذها الإقليمي. وردّاً على ذلك، قد تصعّد الجمهورية الإسلامية من تحرّكات وكلائها وأنشطتهم، مثل هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر، أو دعم عناصر متطرفة في العراق وسوريا.

مع ذلك، فإنّ ضعف إيران في الوقت الراهن- بما في ذلك العقوبات الاقتصادية والخسائر العسكرية الأخيرة- قد يدفعها نحو التفاوض، وهذه هي الورقة التي استثمر فيها ترامب سياسياً. إلّا أنّ غياب إيران عن قمة شرم الشيخ، ومن بعدها التغريدة الحادّة التي نشرها عراقجي ردّاً على ترامب، يستبعدان احتمال أيّ شكلٍ من أشكال التفاوض في الظروف الحالية.

لم يعد “محور المقاومة” هو الذي يشكل النظام الجديد للشرق الأوسط، وإنما الاعتبارات الأمنية والاقتصادية المشتركة، التي باتت تتشكل بين العرب وإسرائيل.

لقد خسرت الجمهورية الإسلامية كلّ ما كانت تملكه في مقامرة “المقاومة”، ومن المحتمل أن يكون ردّ فعلها مزيجاً من مسارات متعدّدة؛ مثل السعي إلى ترميم مكانتها عن طريق الدبلوماسية الناعمة مع الدول العربية، وزيادة الضغط على إسرائيل عن طريق الجبهات الجانبية مثل لبنان وسوريا، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على قنوات تواصل مع روسيا والصين، كدعائم سياسية في مواجهة الغرب.

في هذا الوضع الذي نشهده اليوم، يبدو أنّ ترامب ينتظر متربّصاً؛ فإذا تحركت الجمهورية الإسلامية، سيلجأ على الفور إلى القوة العسكرية، وإذا امتنعت عن أي رد فعل، سيكون المشهد أمام ترامب هو إقصاء الجمهورية الإسلامية من المعادلات الإقليمية وفرض “شلل دبلوماسي” عليها، أو السقوط بيد الشعب.

 

الكاتبة: سميرة قرائي: صحفية إيرانية مقيمة في لندن

ترجمة عن الفارسية: مركز الفرات للدراسات- قسم الترجمة

رابط المقال الأصلي

زر الذهاب إلى الأعلى