
السياسة الأمريكية في سوريا.. بين الحرب على الإرهاب وترويضه
منذ اللحظة التي وُصفت فيها هجمات الحادي عشر من أيلول بأنها إعلان حرب جديدة على الولايات المتحدة، صارت واشنطن تنظر إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة باعتبارها الخطر الأوّل على أمنها القومي، غير أن هذا التصنيف لم يكن ثابتاً على الدوام، بل تغير بحسب السياق السياسي والاستراتيجي.
بدأت الحرب على الإرهاب بشعارات الاستئصال الكامل، لكنّها مع مرور الوقت انزلقت إلى نهج أكثر براغماتية، يقوم على ترويض الجماعات المتطرفة وإعادة إدماجها، أو على الأقل ضبط سلوكها لما يخدم المصالح الأمريكية وأمنها القومي.
جرى اختبار هذا النهج في أفغانستان والعراق، ويبدو أنها عادت لتظهر بوجه جديد في الساحة السورية، حيث برزت هذه المقاربة بشكل أكثر وضوحاً، إذ اتجهت واشنطن نحو اتباع سياسة الدبلوماسية المرنة في التعامل مع التنظيمات الإسلامية المتطرفة، بدل المواجهة العسكرية، التي عهدناها مع “القاعدة” و”تنظيم الدولة الإسلامية”، تبدّى ذلك في الدعم الملحوظ الذي تلقته سلطة دمشق الجديدة من واشنطن خلال الشهور الماضية، والذي تجلى بدايةً في لقاء الرئيس ترامب لرأس سلطة دمشق الجديدة، أحمد الشرع، والوعود التي أعلنها ترامب بخصوص رفع العقوبات عن سوريا، لتكون تلك نقطة تحول مؤثرة في الموقف الدولي في عملية الانفتاح على السلطة الجديدة في دمشق، آخرها كان حضور الشرع في اجتماع الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة، والاهتمام الملحوظ الذي لاقاه من الإدارة الأمريكية، عبر فتحها باب أهم المؤسسات الأمريكية له، ما أثار جدلاً حول موقف واشنطن الجديد حيال الملف السوري، ومجمل الملفات الإقليمية المرتبطة به، اعتبرها الكثيرون ازدواجية سياسية غير مسبوقة من جانب واشنطن وحلفائها الغربية، ما يفتح باب السؤال عن خلفية ودوافع الانفتاح الأمريكي على السلطة الجديدة في دمشق، والمعروفة بخلفيتها السلفية الجهادية، وإمكانية أن تحمل “سوريا الجديدة” ملامح “نجاح أمريكي” وفق مقارباتها المتداخلة، أم أنّها حلقة تجريبية لنظريات مسبقة لمركز القرار الأمريكي والغربي، لتوظيف التطرف، سعياً لتحقيق أهداف أوسع نطاقاً.
الترويض كخيار استراتيجي
على مدى السنوات الماضية من حرب أمريكا ضد الإرهاب، ساد الاعتقاد بأن القوة العسكرية هي الأداة الوحيدة التي تستخدمها واشنطن لمواجهة التنظيمات المتطرفة، غير أن التجارب الميدانية سيما تلك التي اتبعتها في العراق مع “الصحوات” خلال أعوام (2006- 2008)، وتحالفها مع مقاتلين سُنّة كانوا على صلة بالقاعدة، كذلك في أفغانستان حيث غيرت استراتيجية الحرب ضد طالبان، وما تبعها من اتفاقية الدوحة 2020 التي أفضت إلى خروج القوات الأمريكية وترك الحكم لطالبان، مقابل التزام طالبان بعدم توفير ملاذ آمن للجماعات الإرهابية، وصولاً إلى التجربة السورية وتجنّب واشنطن المواجهة المباشرة مع بعض الفصائل الجهادية طيلة أعوام الأزمة، بما فيها جبهة النصرة “هيئة تحرير الشام” والسماح لها بدور وظيفي قائم على مواجهة إيران ونظام الأسد، أظهرت أنّ هناك أساليب أخرى اتبعتها الإدارات الأمريكية لاحتواء التطرف تتجاوز الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة، وفي هذا السياق تكشف وثائق وتقارير عدة لمراكز بحثية مهمة عن مقاربة مختلفة، تعتمد على استخدام الأدوات الفكرية والدبلوماسية لاحتواء التطرف، ومن أهم هذه المراكز مؤسسة “راند” البحثية، العقل البحثي للمؤسسة السياسية والعسكرية الأمريكية، حيث تتحول غالبية دراساتها وتقاريرها إلى مرجع أساسي لصانعي القرار، خاصة في قضايا الأمن القومي ومكافحة الإرهاب والسياسة الخارجية. كذلك مركز “تشاتام هاوس” أو المعهد الملكي للشؤون الدولية، الذي يعدّ من أبرز مراكز الأبحاث الأوربية في السياسة الخارجية، يقدم تحليلات وتوصيات مباشرة لصانعي القرار في بريطانيا والاتحاد الأوربي، حيث تناول الملف السوري، ودور الجماعات الإسلامية، وحدود التعامل معها، ما جعله مرجعاً لفهم توجهات الغرب في إدارة الصراع.
غالبية هذه التقارير[1] تشترك في التأكيد على أنّ “ترويض الإرهاب” أو “احتواء الجماعات المتطرفة” يتطلب استراتيجيات دبلوماسية متوازنة بين المرونة والصلابة، يبدأ من الضغط العسكري والسياسي، ثم التلويح بالدعم الدبلوماسي والمؤسساتي، بالتعاون مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، وبعد ذلك التركيز على العلاقات والتمكين السياسي والاجتماعي، بحيث يسهل التحكم بها، وتحويلها إلى أداة وظيفية لتحقيق التوازن السياسي في المناطق المتأزّمة، إذ إنّه وفق هذه الاستراتيجيات، يمكن التقليل من التهديدات الإرهابية للجماعات المتطرفة دون التصعيد العسكري المباشر ضدها، مع مراعاة التحدّيات والآثار المحتملة على الأمن الإقليمي والدولي.
هذه البراغماتية إنْ هي إلّا استعادة لمنطق قديم تعود جذوره إلى خمسينات القرن الماضي، حيث اعتمدت واشنطن على استخدام الحركات الإسلامية كأدوات في لعبة التوازنات الكبرى، عبر دعمها الإسلام السياسي في الحرب الباردة، ليشكل سدّاً بوجه المد الشيوعي، في إطار مشروع ” الحزام الإسلامي الأخضر”، والذي تجلى في دعمها غير المباشر للثورة الإسلامية في إيران بتوافق أوربي، وتجلى أيضاً في دعم الحركات الجهادية في أفغانستان ضد السوفييت في آواخر السبعينيات. لذا فإن أمريكا تعيد انتاج الفكرة ذاتها، لكن بلغة ترويض الإرهاب، لا بتبنٍّ صريحٍ له.
“النصرة ” أنسب خيار للترويض
تطرقت معظم المراكز البحثية الغربية إلى مفهوم “الترويض” في مقارباتها لمكافحة الإرهاب، غير أنّ هذا المفهوم اتخذ معانيَ مختلفةً تبعاً للمرحلة والظرف السياسي، فبينما اتجهت بعض التقارير[2] نحو إمكانية ترويض جماعات مصنّفة على لوائح الإرهاب، واستثمارها بدل مواجهتها، مثل “جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام)، مع الإبقاء على تنظيمي “القاعدة” و “الدولة الإسلامية” في خانة الأعداء، باعتبارهما عابرين للحدود، رأت تقارير أخرى، أنّ التيارات الإسلامية المعتدلة تمثل الركيزة الأنسب لإعادة التوازن السياسي في سوريا والمنطقة.
ولعلّ أبرز من صاغ هذه الرؤية كانت مؤسسة “راند” في تقريرها[3] لعام 2007، حيث دعت إلى دعم تيارات إسلامية “معتدلة” أقلّ حدّة من الناحية الفكرية والسياسية، تقف في وجه حركات الإسلام السياسي مثل الإخوان المسلمين، والجماعات الجهادية العابرة للحدود. وقد وجد واضعوا التقرير في التيار “المدخلي” المنسوب إلى الشيخ السعودي ربيع المدخلي، النموذج الأمثل لذلك، إذ يدعو إلى الطاعة للحاكم المسلم، مهما كانت نزاهته، ويرفض أيّ شكل من أشكال المعارضة السياسية، ويركز على العقيدة والعبادة والطاعة أكثر من الانخراط في الشأن العام. غير أنّ هذا التيار، رغم طابعه السلمي، لا يؤمن بالديمقراطية ولا بالحريات العامة، بل يعزز الطاعة العمياء و”يشيطن” المعارضة.
هنا تبرز المفارقة الكبرى، والسؤال الذي يقف في صميم سياسة “الترويض”، ألا وهو؛ إلى أي فئة تنتمي جبهة النصرة؟ ولماذا اختيرت من بين كل التنظيمات الإسلامية لتكون البديل الممكن للنظام؟
رغم أنّ “النصرة” وداعش انطلقتا من الجذور السلفية الجهادية نفسها، إلا أنّ مسار كلٍّ منهما أتخذ منحىً مختلفاً، فقد رأت “داعش” أن إقامة الخلافة واجب فوري ولا يحتمل التأجيل، وتمسكت بالتكفير الصارم لكل من لم يبايع الخليفة، بينما انتهجت النصرة خطاً أكثر تدرجاً وواقعية، قائماً على فكرة أنّ التمكين يسبق إقامة دولة الخلافة، وأنّ كسب المجتمع أهم من إخضاعه بالقوة. تطور هذا المنحى بشكل واضح بعد تحولها إلى “هيئة تحرير الشام” حيث سعت إلى إخفاء ملامحها الجهادية عبر الانفتاح النسبي على النشاط المدني والإعلامي، والسماح بتشكيل إدارات مدنية تضم شخصيات تكنوقراطية، مع إبقاء القرار الحقيقي في يد الجهاز الأمني والعسكري الذي يحافظ على صرامته العقائدية.
بهذا المعنى، يمكن تصنيف “داعش” كتيار قطعي في الفكر السلفي الجهادي، إذ يرى أن الشرعية تنبع من القوة والتمكين الفوري، بينما تمثل “النصرة” التيار البراغماتي الذي يؤمن بأن البقاء يقتضي المساومة والمرونة، وإن كان على حساب نقاء العقيدة، لذلك حصرت نشاطها في الداخل السوري، ورفعت شعار “إسقاط النظام” بدلاً من “نصرة الأمة” الدال على الجهادية العابرة للحدود، وهو ما جعلها أكثر قابلية لأن تكون مادة تجريبية لسياسة الترويض.
لكن المثير في الأمر ليس في التحول وحده، بل في تشابه النصرة مع التيار “المدخلي” نفسه رغم التناقض المنهجي بينهما، فكلاهما يدين بالولاء للحاكم، بغض النظر عن شرعيته ونزاهته، وكلاهما يرفض المعارضة، ويقصي فكرة الحريات العامة، ويؤمن بالطاعة بوصفها شرطاً للإيمان. الفارق فقط أن “المدخلية” ليست جهادية، وتبنت الطاعة الدينية من داخل النظام، بينما مارستها “النصرة” كسلطة انقلابية موازية، مع احتفاظها الضمني بعقيدتها الجهادية.
وهكذا، تحولت ” هيئة تحرير الشام” تدريجياً إلى نسخة محدثة من الإسلام القابل للترويض من وجهة نظر صانعي القرار الأمريكي الغربي؛ سلطة دينية الطابع، سياسية الوظيفة.
من هنا تتجلى المفارقة الجوهرية التي تكشف عن عمق المشروع الأمريكي الغربي في سوريا، وكيفية الجمع بين الجهادية والاعتدال، لتنتج صيغة من الإسلام القابل للإدارة والتحكم؛ جهادي وبراغماتي يمكنه التشبّه بالاعتدال، ومنفتح على بناء التحالفات حتى مع الخصوم، وهو ما شكل التجسيد الأمثل لسياسة ترويض الإرهاب” في الميدان السوري.
مراحل التحضير والتمكين
انطلاقاً من استراتيجية “الترويض ” التي بدأت تتبلور في دوائر صنع القرار الأمريكي الغربي منذ عام 2014، برزت تساؤلات مبكرة حول البديل الممكن لنظام دمشق في حال سقوطه، خاصة مع تشتت المعارضة السياسية وفصائل “الجيش الحر”، وافتقادها للتماسك والإرادة الوطنية.
في هذه المرحلة، تزايدت المؤشرات على أنّ “جبهة النصرة” (هيئة تحرير الشام لاحقاً) باتت تعدّ المرشح الأكثر قدرة على ملء الفراغ الأمني والإداري، بحكم تنظيمها الصارم وسيطرتها الميدانية، رغم تصنيفها على لوائح الإرهاب الدولية، وقد عكست بعض التصريحات الأمريكية والبريطانية خلال تلك الفترة ملامح هذا التحول. أبرزها تصريح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن[4] الذي أدلى به لوكالة “الأسوشيتد بريس” في الرابع عشر من ديسمبر 2024 خلال مؤتمر صحفي في العقبة، بقوله الصريح أنّ “المسؤولين الأمريكيين كانوا على اتصال مباشر مع “هيئة تحرير الشام” ضمن سياق التحول السياسي في سوريا”، وهو أول تأكيد رسمي من واشنطن بحقيقة التواصل مع “الهيئة” رغم تصنيفها في لوائح الإرهاب الأمريكية.
في أيار/ مايو 2025، كشف السفير الأمريكي السابق روبيرت فورد أمام “مجلس بالتيمور للشؤون الخارجية”[5] عن لقاءاته مع زعيم الهيئة (أبو محمد الجولاني) عام 2023، وقد دعي الأخير للعمل مع منظمة بريطانية متخصصة في حل النزاعات، بهدف نقله من عالم الإرهاب إلى عالم السياسة والدبلوماسية. حيث أقرّ الشرع بأن استراتيجياته في العراق لم تكن تصلح للتطبيق في مناطق مكتظة مثل شمال غرب سوريا، وهو ما يشير إلى أنّ الاستراتيجية الجهادية العابرة للحدود لم تعد ضمن أجنداته التنظيمية الفكرية.
قد لا يكون كافياً بالاستناد إلى الإيحاءات التي ظهرت في المقابلة التي جمعت بين أحمد الشرع والمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات الأمريكية ديفيد بتريوس في نيويورك، بناء رؤية مؤكدة حول وجود علاقة مسبقة بين الجانبين، ولكن بالإمكان بناء رؤية مقنعة استشفافاً من التصريح الذي أدلى به بتريوس حيث قال: “نجاح أحمد الشرع بصفته قائداً للحكومة في دمشق، هو نجاحنا… أنا على دراية بماضيه أكثر بكثير مما يتصوره أي شخص”[6].
من هنا نستطيع أن نفهم أنّ سياسات التحضير صارت تتخذ شكلاً منظماً عبر آليات معينة وهي:
- دعم غير مباشر، بأشكال غير معلنة، وغضّ الطرف عن قنوات التمويل التي كانت تتم عبر وسطاء إقليميين.
- ترك المجال مفتوحاً أمام تركيا وقطر لتوظيف نفوذهما داخل “الهيئة”.
- العمل على إعادة صياغة الخطاب السياسي “للهيئة” وسلوكها العسكري.
- تشجيع المظاهر المدنية لـ “الهيئة” لتكون منسجمة مع معايير الإدارة المحلية.
وحين توجهت “الهيئة” لاحقاً باتجاه العاصمة دمشق، بدا وكأن السيناريو المرسوم قد اكتمل؛ قوة إسلامية مروّضة نسبياً، ذات سجل عسكري منضبط، وقدرة تنظيمية لا بأس بها مقارنة بفصائل “الجيش الوطني” التي طغى عليها طابع الارتزاق، لكنها في الوقت نفسه خاضعة للرقابة والضغط الدولي، ما يجعلها أداة مثالية في لعبة التوازنات.
مع ذلك، لم يكن الانفتاح الأمريكي مطلقاً، فثمة خطوط حمراء وضعتها واشنطن بوضوح، وهي أن أيّة محاولة من “الهيئة” للعودة إلى المشروع الجهادي العابر للحدود، ستؤدي بها إلى مواجهة العقوبات والحملات العسكرية في إطار مكافحة الإرهاب، وأيّ استهداف للمكونات العرقية والدينية في سوريا، سوف يجرّدها من الغطاء السياسي الذي مُنح لها ضمنياً، لذلك اتسمت العلاقة بمزيج من الضغط والاحتواء.
هكذا وباسم الواقعية السياسية، تعاملت الولايات المتحدة مع “هيئة تحرير الشام” في مرحلة ما قبل وبعد سقوط نظام الأسد، فبدل تكرار خطاب الاستئصال الكامل الذي تتعامل به مع تنظيمي “القاعدة، والدولة الإسلامية”، فضلت هذه المرة أنْ تضع الهيئة في قفص من الشروط، لتصبح سلطة محلية مروضة تخضع للرقابة الدولية، وتُستخدم كورقة في موازين القوى الإقليمية، والمصلحة الغربية.
أهداف واشنطن من استراتيجية الترويض في سوريا
بالإمكان تلخيص الدافع الأمريكي الغربي من استراتيجية “الترويض” تجاه سلطة دمشق الجديدة ورئيسها الشرع بعدة نقاط:
- جمع كافة التنظيمات المتطرفة وتوطينهم في سوريا، بهدف التخفيف من نشاطاتهم في الخارج، عبر وضعهم تحت مظلة “الهيئة”.
- الاستفادة من ضعف موقف سلطة دمشق السياسي، وتوظيفها في تحقيق أهداف تخدم السياسة الأمريكية الغربية في سوريا والمنطقة.
- وضع سوريا بعقيدتها الجديدة في وجه عودة محتملة لإيران، وهو المطلب الذي تشترك فيه واشنطن وتل أبيب مع العمق العربي.
- إتاحة الفرصة لإسرائيل بتوسيع دائرتها الأمنية لتشمل كافة جغرافيا الجنوب السوري، عبر إبرام اتفاقية أمنية مع السلطة الجديدة، والتي تعد من أهم الأولويات الأمنية لإسرائيل.
- ضمان ولاء الدول الحليفة المتذبذبة مثل تركيا والسعودية، والتحكم في سياساتهم المائلة باتجاه روسيا والصين، خاصة تركيا التي أفرطت في سياستها الازدواجية خلال العقدين الأخيرين.
وهكذا فإّن حالة الانفتاح الأمريكي على سلطة أحمد الشرع ليست مجرد خيار سياسي عابر، بل هو تطبيق عملي لضمان استقرار نسبي لتحقيق أهداف معينة في سوريا والمنطقة.
التحديات والقيود على استراتيجية الترويض
” لا يمكن للمرء ترويض نمر ليصبح قطة بمجرد تدليكه، ولا يمكن التوصل إلى تسوية مع القسوة، ولا يمكن التفاوض مع قنبلة حارقة.” بهذه الكلمات التي قالها الرئيس الأسبق فرانكلين د. روزفلت، يمكننا فهم التحديات التي تواجه صناع القرار الأمريكي في التعامل مع القوى الجهادية حول العالم. وفي سياق الأزمة السورية تتجسد هذه المقولة في الصراع المعقد بين محاولة احتواء جماعات جهادية مثل “هيئة تحرير الشام”، وبين إدماجها في العملية السياسية، مع الحفاظ على استقرار يتيح للمجتمعات المحلية الانخراط في العملية السياسية، ويحقق التوازنات الدولية.
برغم الترتيبات الأمريكية والغربية، تواجه استراتيجية “الترويض” تحديات كبيرة، تنبع من الطبيعة الجهادية للتنظيم، من الناحيتين الفكرية والتنظيمية، وخصوصية الواقع السوري، فضلاً عن التأثيرات الإقليمية التي ربما تكون سبباً قويّاً في عرقلة ما تسعى إليه واشنطن والغرب من أهداف معينة في سوريا، والتي ذكرناها سابقاً. ومن أهم هذه التحديات والقيود:
أ- لا يختلف تنظيم “هيئة تحرير الشام” فكرياً عن توجهات “القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية”، من حيث الجذور الأيديولوجية والتنظيمية والعقيدة السلفية الجهادية، والفارق الوحيد هو أن “الهيئة” تعتمد على البراغماتية كوسيلة لتحقيق أهدافها في بناء دولة الخلافة، بينما يصر تنظيما القاعدة والدولة الإسلامية، على نهج فرض الخلافة بالقوة العابرة للحدود. بالتالي فكلاهما يشتركان في هدف إقامة دولة الخلافة، وهذا ربما سيشكل خطراً محورياً في المدى المتوسط على أمن واستقرار المنطقة، وأيضاً على المصالح السياسية لأمريكا والغرب، وفق تعريفها لمعايير التنظيمات الإرهابية.
ب- من أكثر الخصائص التي تتميز بها “هيئة تحرير الشام” والتي تشترك فيها حتى مع التيار “المدخلي المعتدل”، عدم قبولها للمعارضة السياسية وشيطنتها، وعدم انفتاحها على التعددية والمبادئ الديمقراطية والمجتمع المدني، وما يؤكد ذلك حظرها لجميع الأحزاب السياسية فور وصولها للسلطة في دمشق، إضافة إلى المجازر التي ارتكبتها في الساحل والجنوب السوري، بحق الطائفتين العلوية والدرزية، واحتكاكها عسكرياً مع الكرد في شمال وشرق سوريا رغم الاتفاقيات المبرمة، وهو ما يزيد التعقيد في مهمة الترويض، حيث إنّ كل خطوة “للهيئة” قد تؤدي إلى المزيد من الاحتقان الشعبي والصراعات المحلية، ما يتعارض مع الاستراتيجية الغربية الهادفة إلى إشراك جميع السوريين في العملية السياسية، وتوصياتها العديدة تجاه أمن الأقليات والمكونات القومية والطافية في سوريا.
ج- رغم ادعاء “الهيئة” تغيير مسارها الفكري والتنظيمي، عبر تغيير اسمها الذي كان يشير لنصرة الأمة الإسلامية، إلى “هيئة تحرير الشام”، في إشارة منها إلى تغيير مسارها الجهادي العابر للحدود، نحو المسار السوري، ولكنها في نهجها التنظيمي والعسكري لا زالت تسلك المسار الجهادي نفسه، والذي تجلى في خطابها الفكري وميولها نحو التنظيمات المتطرفة العابرة للحدود “الأجانب”، وهو مؤشر واضح على احتمالية عودتها إلى النهج الجهادي العابر للحدود. وهذا يعتبر تجاوزاً للخطوط الأمريكية الغربية، وإسرائيل بالدرجة الأولى.
ج- عملية توكيل تركيا وقطر للقيام بمهام الوساطة، أدت إلى استغلال الوسطاء للقدرة السياسية والعسكرية لـ”الهيئة” و”فصائل الجيش الوطني” وتوظيفها في خدمة مصالحهم الضيقة. فنجد أن السيطرة التركية على القرارين السياسي والعسكري لسلطة دمشق، تشابهت بشكل كبير مع سلوك إيران مع النظام السابق، وهو ما يضع إسرائيل في موقع المواجهة المباشرة مع دمشق وأنقرة على حد سواء، تحسباً لتنامي القوة التركية وتشكيلها لهلال سني ربما أوسع نطاقاً من المشروع الإيراني، سواء من الناحية الاقتصادية عبر السيطرة على الخطوط التجارية القارية، أو من الناحية الأمنية.
وعليه، فإن الواقع السوري الراهن يُظهر أنه لا توجد حلول بسيطة أو مباشرة، فالموازنة بين الترويض والصلابة يظلّ الخيار الأكثر تعقيداً، حيث يضع الولايات المتحدة والغرب، أمام احتمالين رئيسيين، إمّا الاستمرار في سياسة الترويض عبر الاحتواء والتوجيه الجزئي “لهيئة تحرير الشام”، مع الحفاظ على خطوط حمراء صارمة، أو التحول إلى سياسة الصلابة في حال تجاوزت الهيئة هذه الخطوط أو لم تفي بشروط الترويض.
السياسة الأمريكية في سوريا تمثل نموذجاً صارخاً على براغماتية القوى العظمى في التعامل مع الأزمات الدولية، فهي لا تنطلق من ثوابت سياسية بقدر ما تبنى على فرضيات قابلة للتعديل مع كل متغير يطرأ على المشهد. فالولايات المتحدة التي رأت في سقوط نظام الأسد فرصة لإعادة هندسة المشهد السوري بما يخدم مصالحها، سرعان ما تبنت مقاربة “ترويض الإرهاب” بدلاً من خيار المواجهة المباشرة، مستندة في ذلك إلى تجارب سابقة في العراق وأفغانستان، حيث جرى تحويل الخصوم العقائديين إلى شركاء ظرفيين، إلا أن هذه السياسة لم تصمد طويلاً أمام تعقيدات الواقع السوري، إذ برزت أحداث الساحل وبعدها السويداء كعامل كاشف لحدود نهج ” الاحتواء”.
فالمجازر التي ارتكبت بحق العلويين والطائفة الدرزية، وتداعياتها الإقليمية والدولية، أجبرت واشنطن على إعادة النظر في استراتيجيتها، ودفعتها للتفكير بخيارات أكثر حزماً، بما في ذلك الانتقال من إدارة الأزمة عبر الوساطة، إلى ممارسة دور مباشر يشبه إلى حد بعيد التجربة الأمريكية في العراق بعد عام 2003.
لقد أظهرت واشنطن من خلال تصريحات مبعوثها، وتحركاتها العسكرية والدبلوماسية الأخيرة، أنّ سوريا لم تعد مجرد ملف محلي أو حتى إقليمي، بل باتت ساحة اختبار لإعادة صياغة التوازنات الشرق أوسطية برمتها، سواء من خلال كبح عودة إيران، أو ضبط الاندفاع التركي، او تأمين المجال الحيوي الإسرائيلي.
وفي المقابل، فإن السلطة السورية الجديدة، بتركيبتها الهشة وخلفيتها العقائدية الضيقة، لم تكن سوى أداة ضمن مشروع أمريكي أوسع، يراد له أن ينتج نظاماً ضعيفاً، قابلاً للتحكم، ويستوعب في داخله قوىً كانت بالأمس مصنفة على لوائح الإرهاب، ولكن ما جرى أن هذه السلطة وبإسناد تركي مباشر غيّرت من المعادلة الوظيفية لهذه السلطة وحولتها إلى مصدر تهديد لسوريا ومحيطها الإقليمي.
ختاماً يمكن القول أنّ مستقبل السياسة الأمريكية في سوريا سيبقى محكوماً بمعادلة المتغيرات لا الثوابت، فكل حدث استثنائي كسقوط النظام او اجتياح الساحل والسويداء، أو الإقدام على عمل عسكري ضد شمال وشرق سوريا، يفتح الباب أمام إعادة صياغة الاستراتيجية، إما بالعودة إلى مسار” الترويض” والانخراط الدبلوماسي، أو بالذهاب إلى مقاربة أكثر صرامة قوامها الضغط العسكري والدبلوماسية المباشرة، لذا فإنه من غير المستبعد في ظل هذا التحول في المشهد السوري والموقف الأمريكي، أن تتجه واشنطن عبر سياستها الجديدة إلى تبني سياسة القوة لإعادة النظر في المرحلة الانتقالية المسيرة من جانب سلطة دمشق، والسعي نحو تشكيل حكومة إنقاذ تحت إشرافها المباشر، على غرار تجربة “بول بريمر” في العراق، حين تولى إدارة المرحلة الانتقالية بصلاحيات تنفيذية واسعة.
مثل هذا السيناريو سيمنح جميع السوريين المشاركة الفعلية في الحكومة، وسيمنح الولايات المتحدة اليد العليا في ضبط مسار التحول السياسي، والتحكم بمفاصل الدولة الجديدة، مع إبقاء القرار 2254 إطاراً مرجعياً لإضفاء الشرعية الدولية على ما تسعى لفرضه.
أخيراً، لا زالت واشنطن مستمرة في مسار الترويض، ولكن وفق آليات الضغط الدبلوماسي والوسطاء الإقليميين، وعلى ما يبدو أن هذه السياسة تعتمد على آلية “خطوة بخطوة”، في سياق عملية الدمج المحلي، أي بقدر ما تبديه “الهيئة” من الانفتاح على الدمج مع المكونات السورية وفي مقدمتها إدارة شمال وشرق سوريا، وضمان أمن إسرائيل، بقدر ما تفتح لها واشنطن أبواب الشرعية، ورفع العقوبات المفروضة عليها.
[1] RAND Corporation, “The Syrian Jihad: Al-Qaeda, the Islamic State and the Evolution of an Insurgency”, 2014: https://www.rand.org/pubs/research_reports/RR609.html
[2] Chathamhouse, “Western Policy Towards Syria: Applying Lessons Learned”: https://share.google/https://kalam.chathamhouse.org/ar/articles/western-policy-towards-syria-applying-lessons-learned/
[3] RAND Corporation, “The Future of Syria: Political and Economic Challenges”: https://www.rand.org/pubs/monographs/MG574.html
[4] Associated Press, “Blinken discusses Syria, Assad, and HTS transition”, 2025: https://apnews.com/article/blinken-syria-assad-hts-transition-mideast-5fcff887a74dc9ec36e483c0b601a8c
[5] “Interview with Robert Ford on Syrian conflict”, 2025: https://www.youtube.com/watch?v=dKBFKcKZ8UU
-[6] روداو عربية، “ديفيد بتريوس لرووداو: للكورد أصدقاء آخرون غير الجبال وهذا يشمل أميركا”،2025: https://www.rudawarabia.net/arabic/interview/181020251





