
مظاهرات إيران وتضييق الخناق على النظام من الداخل والخارج
تبدو الاحتجاجات المندلعة في شوارع المدن الإيرانية منذ 28 كانون الأول الفائت، تحدّياً خطيراً يصعب التعامل معه من قبل النظام الإيراني، بسبب حالة التطويق الشاملة التي يتعرض لها من كلّ حدب وصوبٍ، ولعلّ أشدّها وطأة هي الضربات الإسرائيلية-الأمريكية في حرب الـ 12 يوماً، واحتمال تجدّدها في كل لحظة، بالإضافة إلى العملية الأمريكية الأخيرة في فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو.
رغم اعتيادنا على ظهور الحركات الاحتجاجية، وتنوع أشكالها، ومسبباتها خلال الأعوام الأخيرة، في إيران. فإنّ هذا الحراك الأخير يتّسم بعدة خصائص أساسية تميزه عن سائر الحركات الاحتجاجية الأخرى، لعلّ أولها هو انطلاق شرارتها من السوق، أو ما يعرف في إيران بـ “البازار” الذي يعتبر حليفاً رئيسياً للنظام الإسلامي في إيران، وتوجد بينه وبين رجال الدين حالة تعاون وثيقة ضد نظام الشاه. وهذا يعتبر مؤشراً قوياً على انفكاك البازار عن السلطة الدينية، بعد الضرر الذي بات يطاله نتيجة سياسات النظام الذي أوصل البلاد إلى مأزقٍ لا سبيل للفكاك منه.
كما يشكّل هذا الحراك حلقةً جديدة في سلسلة الضغوطات الهائلة الداخلية والخارجية المفروضة على النظام، والأهمّ من ذلك هو اعتراف السلطات الإيرانية -على أعلى المستويات- بمشروعيتها، ومحاولة إجراء بعض الإصلاحات -ولو أنها شكلية وغير مجدية- والتردّد في اللّجوء إلى القمع المفرط، خشية تأجيجها في هذا الظرف بالغ الحساسية، أضف إلى ذلك تصريحات الرئيس الأمريكي المساندة للاحتجاجات والمتوعدة للنظام في حال لجوئه إلى إخماد هذه المظاهرات بالعنف، وهذا بحدّ ذاته يمثل تحولاً كبيراً في السياسة الأمريكية تجاه النظام الإيراني، والتي كانت تهدف دائماً إلى كسبه لا الإطاحة به، وما يزال موقف الرئيس الأسبق أوباما ماثلاً في الأذهان، عندما لم يدعم احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، بل أرسل حينها رسالة احتواء دبلوماسية لخامنئي تشجعه على إجراء بعض الإصلاحات لضمان استمرار نظامه.
هذه التطورات ستساهم في زيادة حدّة الاحتجاجات واتساع نطاقها، مع تردّد النظام في التوغل في قتل المتظاهرين، وبالتالي تزايد التناغم مع الضغوطات الخارجية التي ربما تصل إلى مستوى ضربات عسكرية إسرائيلية مدعومة أمريكياً، لشلّ قدرات النظام وتفكيكه، تمهيداً للإطاحة به.
لا ريب أنّ خطورة النظام الإيراني ما تزال قائمة، بل إنّ حصره في الزاوية إلى هذه الدرجة قد يزيد من خطورته على شعبه، وعلى محيطه، وخصومه، سيّما وأنه قد أعاد بناء ترسانته الصاروخية، في ظل تسريبات عن إيعاز خامنئي بصناعة رؤوس نووية تكتيكية، وهذا ما يمنع إسرائيل والولايات المتحدة إلى الآن من شنّ موجة ثانية من الهجمات ضده، وتفضيلهما التريّث ومراقبة مجريات الأحداث في الداخل الإيراني، وهذا التريث، لا يعني التوقف عن العمل على تفكيك الخيوط المتشابكة المعقدة التي تنسج قوة هذا النظام، فكانت العملية الأخيرة “شبه السحرية” التي نفذتها قوات “الدلتا” الأمريكية ضدّ الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بمثابة الضربة القاصمة التي ستشلّ قدرات النظام الإيراني الاقتصادية، وتقطع نفوذه المتشعّب في أمريكا اللاتينية من خلال بوابة فنزويلا.
لقد كانت هذه الحادثة تكراراً مدوياً في أذن المرشد خامنئي، لسلسلة سقوط أحجار الدومينو المتجهة صوب إيران، بدءاً من استهداف أذرع إيران، واغتيال قادتها الكبار، قاسم سليماني، ومحسن فخري زاده، وحسن نصر الله، وحسين سلامي، وأمير حاجي زاده، وصولاً إلى سقوط نظام الأسد، وقطع يد إيران نهائياً عن سوريا، فقد كان مادورو بالنسبة لنظام الجمهورية الإسلامية، بمثابة قائد “محور المقاومة” خارج الشرق الأوسط، على الجبهة الأمريكية، وكانت دول أمريكا اللاتينية مركزاً للنشاط الاقتصادي للحرس الثوري وحزب الله، ومسرحاً شبحياً لشبكات الجريمة المنظمة، والتهريب، وغسيل الأموال المرتبطة بهما.
ومع عدم جدوى التهديد بورقة مضيق هرمز، ونقل المعركة إلى الخليج، بعد السيطرة الأمريكية على النفط والغاز الفنزويليّين، فإنّه لم يعد هناك ما يقف حائلاً دون القيام بعمل عسكري واسع النطاق ضد مراكز القوة في الداخل الإيراني، والذي يبدو أنّه سيكون مغرياً لإسرائيل -رغم كلّ المخاطر المحتملة- في حال شعورها بخروج الأوضاع عن السيطرة داخل إيران، والتي قد تتطور بشكل دراماتيكي خلال المرحلة القادمة.





