
“ممر ترامب” وموقع إيران الاستراتيجي في النظام القوقازي الجديد
وقّعت واشنطن اتفاقية لمدة 99 عاماً بشأن “ممرّ زنغزور”، وهو ممرّ ضيق في محافظة سيونيك يربط أذربيجان مباشرة بنخجيفان ومن ثم بتركيا، هذا الممر الذي أصبح يسمى الآن “طريق ترامب”، هو جزء من خطة أكبر لربط جنوب القوقاز بشبكات النقل الأوراسية، وهو يشكل من وجهة نظر طهران، تهديداً مباشراً لعمق إيران الجيوسياسي، وموقعها في النقل في الشمال الغربي.
وحذّر كبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية من أنّ هذا المشروع سوف يُخلّ بتوازن القوى في المنطقة، ومن شأنه أن يمهّد الطريق لتواجد الناتو والبنى الأمنية الغربية.
جذور الممرّ
طُرحت فكرة ممر زنغزور بعد اندلاع حرب قَرَباغ. ويُعدّ هذا الممر، الذي أُدرج في اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020 بوساطة روسية، خطوةً من قبل باكو نحو الحد من الاعتماد على إيران، أمّا بالنسبة لأنقرة فهو بمثابة أداة لتحقيق هدفين استراتيجيين، وهما: أولاً، إيجاد ممر تجاري بين الشرق والغرب من أجل ربط الصين بأوربا، وثانياً، تعزيز الربط البرّي بين الدول الناطقة بالتركية.
لكنّ دخول الولايات المتحدة على خط هذا المشروع الإقليمي رفعه إلى مستوى أعلى، فهي استجابت جزئياً لمطالب بعض الأطراف، وابتكرت استراتيجية جديدة من شأنها أن تزعزع مكانة إيران وروسيا في المنطقة، وتفتح، في الوقت نفسه، معادلات جديدة نحو تغريب دول القوقاز، فيما تجعل من تركيا الرابح الصامت في هذه القضية.
طريق واحد وممرات متعددة
بموجب الاتفاق، ستحافظ أرمينيا على سيادتها على هذا الممر، وتطبّق قوانينها الوطنية، وتتحمّل مسؤولية الأمن الميداني.
مع ذلك، سيتولى إدارة العمليات تحالفٌ تحت قيادة شركة أمريكية. ولا يوجد، في الوقت الراهن، أيّة مؤشرات على وجود عسكري أمريكي على طول هذا الممر، ولكن سيتواجد “مستشارون فنيون”.
يُعدّ هذا الاتفاق بالنسبة للرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، انتصاراً دبلوماسياً واستراتيجياً، يحقق له هدفاً قديماً. وقد وصف هذا الاتفاق بأنّه “يصلح المظالم التاريخية” ويعيد توحيد “العالم التركي من بحر قزوين إلى البحر المتوسط”.
أما رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، الذي يواجه انتقادات داخلية، فقال إنّ الاتفاق يضمن سيادة أرمينيا على الممرّ، وهو يحمل معه فوائد اقتصادية، ويعزز اتفاق السلام مع باكو.
لكن، ورغم ذلك، ما يزال علييف يطالب أرمينيا بتعديل دستورها، لإزالة الإشارات إلى قرباغ، وهي الخطوة التي اعتبرتها المعارضة الأرمينية استسلاماً.
المصالح الاستراتيجية
إنّ هذا الاتفاق، والممر قيد التشكيل، والذي يعتبره البيت الأبيض بمثابة فخر عظيم لترامب باعتباره “رئيس السلام”، له عواقب حاسمة على كل من الأطراف المعنية.
بالنسبة لأرمينيا، فإنّ هذا من شأنه أن يجلب فوائد اقتصادية محتملة وضمانات أمنية محسنة من الشركاء الغربيين، ولكنه يخاطر أيضا بزيادة عزلة روسيا، وتقويض تحالفها الأمني التقليدي، واستفزاز إيران.
بالنسبة لأذربيجان، فإنّ ذلك يثبت لها النصر في الحرب، ويقلل من اعتمادها على إيران للوصول إلى نخجيفان، ويعزز تحالفها الاستراتيجي مع تركيا.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن هذا الاتفاق يفتح لها موطئ قدم قوي في جنوب القوقاز، مما يسمح لها بالتأثير على الجزء الحيوي من الممر الأوسط (طريق النقل الدولي العابر لبحر قزوين) والحد من هيمنة روسيا وإيران على طريق النقل والعبور.
بالنسبة لتركيا، يخلق المشروع جسراً برياً مباشراً إلى حوض بحر قزوين وآسيا الوسطى، ويحسِّن الفرص التجارية للبلاد.
بالنسبة لروسيا، يعدّ تراجعاً في هيمنتها التقليدية في المنطقة، على الرغم من أنّ رد فعل موسكو المحدود حتى الآن يشير إلى انشغالها بحرب أوكرانيا.
بالنسبة لإيران، يمثل هذا المشروع تهديداً يهمّش طرق النقل للبلاد، ويضعف مكانتها في شبكة النقل في القوقاز، ويقرّب القوى الموالية للغرب، أكثر من حدودها الشمالية.
معارضة طهران
لا تنظر إيران إلى ممر زنغزور كممر للنقل وحسب، بل تراه تحديّاً يواجه موقعها الجيوسياسي.
وقد عارض مرشد الجمهورية الإسلامية علانيةً، هذه الخطّة مراراً وتكراراً، وحذّر كبار المسؤولين الحكوميين من أنهم لن يتسامحوا مع أي تغيير في توازن القوى على الحدود الشمالية.
كما وصف مستشار المرشد، علي أكبر ولايتي المشروع، في الثامن من آب/أغسطس، بأنه “تهديد أمني”، وأبدى قلقه إزاء احتمال وجود الناتو بالقرب من حدود إيران.
ورغم ذلك، فإنّ وزارة الخارجية في الجمهورية الإسلامية اعتمدت نبرة أكثر حذراً، وفي أول رد فعل لها، رحبت بالسلام بين أرمينيا وأذربيجان، لكنها حذَّرت من “التدخل الأجنبي”.
وقد أصبح هذا التناقض في المواقف، أكثر وضوحاً مع التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس الإيراني مسعود پزشکیان، والذي شدَّد على “إزالة الحساسية” من القضايا الحدودية.
تكشف هذه الفجوة في التقييم عن ازدواجية الإرادة والفعل في طهران، وتُظهر أنه حتى في ظل التهديدات العلنية، فإن إيران عاجزة عن القيام بأي إجراء ويداها مكبّلتان، بسبب تشابك مصالح العديد من القوى الإقليمية والخارجية؛ وهو وضع يؤدي بشكل مباشر إلى تآكل التماسك الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية في مواجهة التطورات في القوقاز.
حسابات إيران وردود فعلها المحتملة
تُعدّ هذه الاتفاقية هزيمة جيوسياسية لإيران؛ وهي مؤشر واضح على بقائها بعيدةً عن معظم الممرات الإقليمية، والحكم عليها بمزيد من العزلة، في وقت يتزايد فيه مستوى التهديدات المحيطة بها.
ومن غير المرجح أن يكون ردّ طهران ودياً في المستقبل القريب؛ ويتوقع أن تكون سياسة الجمهورية الإسلامية مزيجاً من الإجراءات الدبلوماسية وأوراق الضغط الأمنية، مترافقةً برسائل تحذيرية.
على الصعيد الدبلوماسي، قد تقلّص إيران تعاونها مع أرمينيا -وهو ليس ذا أهمية اقتصادية كبيرة- وتمارس ضغوطاً سياسية لإجبار يريفان على إعادة النظر في مواقفها، وهو إجراء قد يعزز موقف معارضي باشينيان بالتنسيق مع موسكو.
أما على الصعيد العسكري، فمن المحتمل أن تعمل طهران على تعزيز حضورها على الحدود الشمالية، وتنفذ مناورات مشتركة مع روسيا، لإرسال رسالة ردع واضحة إلى الأطراف المنخرطة في هذه المسألة.
كما أنّ تأكيد “ولايتي” على أنّ إيران ستتحرك “سواءٌ مع روسيا أو بدونها” يظهر استعداد طهران لتحمل مخاطر المواجهة بمفردها. كما يوضّح هذا الموقف أنّ الجمهورية الإسلامية لم تعد تعوّل على دعم موسكو لمصالحها في القوقاز.
مثلُ هذا التحول، قد يدفع طهران نحو نهجٍ أكثر مخاطرةً وربّما تصادميّ، ولا سيّما إذا تم نشر البنى التحتية المرتبطة بالناتو قرب حدودها.
ورغم أنّ إنجاز ممر زنغزور ليس أمراً حتمياً، وأنّ المعارضة السياسية في أرمينيا، والتحديات القانونية، والمخاطر الأمنية قد تؤخر تنفيذه، إلّا أنّ الاتفاق الذي جرى بوساطة واشنطن، هو في حدّ ذاته مؤشر على حدوث تحول كبير في رقعة الشطرنج في جنوب القوقاز؛ فروسيا تتراجع تدريجياً، والولايات المتحدة تتقدم بشكل أكثر وضوحاً، وإيران تجد نفسها مرغمة على الدفاع، ليس فقط عن حدودها على طرفها الشمالي، بل عن مكانتها في معادلات القوة الإقليمية.
الكاتب: عطا محمد، باحث في العلوم السياسية.
ترجمة عن الفارسية: مركز الفرات للدراسات – قسم الترجمة.





