قضايا راهنة

العودة إلى المشهد… ماذا تغير في معادلة داعش بسوريا؟

أفضت التطورات الأخيرة التي شهدتها سوريا، وتغير مناطق السيطرة الميدانية بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الجديدة، بانسحاب قسد من مساحات واسعة كانت تمثل خطوط تماس متقدمة في مواجهة الخلايا النائمة للتنظيم، إلى تفكّك بنية أمنية تشكلت عبر سنوات من الحرب ضد تنظيم داعش، وبرزت فجوات أمنية في مناطق لطالما اعتُبرت رخوة وقابلة للاختراق، ولا سيما في الرقة ودير الزور، حيث ما تزال البنى الاجتماعية والاقتصادية الهشّة توفر بيئة خصبة لإعادة تنشيط الشبكات السرية للتنظيم، وظهرت مؤشرات لعودة التنظيم بقوة في سوريا، بعد الهجمات العديدة التي تبناها في مناطق مختلفة على الساحة السورية.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بعودة الهجمات، بل بطبيعة هذه العودة؛ فالتنظيم الذي تبنى في السنوات الأخيرة أسلوب الهجمات الاستنزافية بالاعتماد على “الخلايا النائمة” وأسلوب الكرّ والفرّ، يبدو اليوم وكأنه يسعى إلى استعادة حضور ميداني أكثر وضوحاً في مناطق سبق أن خسرها عسكرياً أمام قسد والتحالف الدولي، سيما بعد بيانه الأخير والذي كان ذا نبرة حادة وتحمل ملامح مرحلة عملياتية جديدة في المنطقة.

لكن ما الذي تبدل في ملف مكافحة التنظيم حتى يحاول الانتقال من العمل السري المحدود إلى محاولة إعادة التموضع العلني؟ وما هي العوامل التي تساعد في ذلك؟

ملف “محاربة داعش” بعد سقوط الأسد

لقد شكل سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 نقطة تحول مفصلية، حيث وجدت البلاد نفسها أمام فراغ سياسي وأمني واسع منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024. هذا الفراغ ترافق مع فوضى انتشار السلاح، وتعدّد الفصائل المسلحة ذات المرجعيات المتباينة، وتصاعد خطاب تعبوي ذي طابع طائفي وديني متطرف، ما أعاد إنتاج بيئة شبيهة بتلك التي استفاد منها التنظيم في بدايات صعوده. في ظل هذا المشهد، تمكن داعش من إعادة رص صفوفه وتوسيع شبكات التجنيد، خصوصاً في البادية السورية وريف دير الزور.

وبانتقال السلطة إلى حكومة جديدة في دمشق، لم يشهد ملف مكافحة الإرهاب تحولاً في البداية، إذ استمرت الشراكة القائمة بين قسد والتحالف الدولي على الأرض، إلّا أنّ توقيع اتفاق العاشر من آذار بين قسد والحكومة السورية فتح الباب أمام معادلة جديدة؛ فقد تضمن الاتفاق بنوداً تتعلق باندماج قسد ضمن الجيش السوري الجديد، وربط -بصورة غير مباشرة- بين إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، ومستقبل الحرب على الإرهاب، ترافق ذلك مع إصرار أمريكي واضح على حسم مسألة الاندماج أو تحديد شكله، باعتباره شرطاً ضرورياً قبل أي خطوة تتعلق برفع العقوبات عن سوريا أو انضمامها رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش.

غير أن الاتفاق لم يُنفّذ عملياً، وانتهى الأمر بمواجهات عسكرية أعادت رسم خطوط السيطرة مرة أخرى، حيث انسحبت قسد من مناطق ذات غالبية عربية، وأعادت تموضعها في مناطق كردية في شمال وشرق البلاد. لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في خرائط الانتشار، بل كان بمثابة تفكيك تدريجي للمنظومة الأمنية التي شكلت خلال السنوات الماضية خط الدفاع الأول في وجه عودة التنظيم.

تزامن ذلك مع تداعيات خطيرة على ملف السجون، والمخيمات، ومراكز الاحتجاز التي كانت تضم الآلاف من مقاتلي التنظيم وعائلاتهم، ما أدّى إلى حالات فرار واسعة، شملت عناصر مصنّفة عالية الخطورة كما حصل في سجن الشدادي ومخيم الهول في الحسكة، وفقدت تلك المنشآت التي كانت تديرها قسد بدعم مباشر من التحالف الدولي والتي كانت تحول دون إعادة تشكّل البنية البشرية للتنظيم، جزءاً كبير من فعاليتها مع إعادة الانتشار العسكري، خاصة مع تبني دمشق “الخيار العسكري” في مقاربتها للملف، ما أدى إلى خروقات أمنية وفوضى واسعة.

صعود داعش والترتيبات الإقليمية

يزداد المشهد تعقيداً مع نقل عدد من قيادات التنظيم إلى العراق، رغم انضمام دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي. هذا الإجراء يثير تساؤلات حول دوافعه وتوقيته، إذ إنّ تاريخ التنظيم يُظهر أنّ ملف السجون طالما كان أولوية استراتيجية لديه، وأنه سعى مراراً إلى تنفيذ عمليات واسعة لتحرير قياداته، وعليه، فإن تمركز هذه القيادات في السجون العراقية قد يشكل هدفاً رئيساً لتحركات التنظيم المقبلة. هذا عدا أنّ الإجراء ربما جاء في إحدى جزئياته نتيجة عدم وجود ثقة دولية وفي مقدمتها أمريكية بالحكومة السورية في إدارة ملف هذه المنشآت، لا سيما ملف عناصر وقيادات التنظيم في السجون، لذا جاءت عملية نقلهم بشكل سريع تفادياً لتكرار أي سيناريو مشابه لما حصل في سجن الشدادي.

هنا، لا يمكن فصل تطورات ملف تنظيم داعش عن السياق الإقليمي الأوسع، واستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وخصوصاً فيما يتعلق بمواجهة إيران وأذرعها. فالتوافق الدولي الذي رافق صعود السلطة الجديدة في دمشق، والدعم السياسي الذي حظيت به، يعكسان رغبة في إعادة تشكيل المشهد السوري بما يتقاطع مع أولويات واشنطن. وقد جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أشار فيه إلى دوره في تعيين أحمد الشرع رئيساً لسوريا، في سياق خطاب يعكس طبيعة الرعاية السياسية الممنوحة للسلطة الجديدة.

ضمن هذا الإطار، تبدو الحكومة التي تقودها عناصر خرجت من رحم “هيئة تحرير الشام” جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع، تتقاطع فيها مصالح إسرائيل مع جهود تحجيم النفوذ الإيراني في لبنان والعراق. فسياسات ترامب المعلنة تحت شعار “أمريكا أولاً” لا تنفصل عن منطق المقايضة السياسية وهو الدعم مقابل إعادة تموضع استراتيجي يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

من جهة أخرى تبرز العلاقة التاريخية بين داعش و”هيئة تحرير الشام” بوصفها عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد. فـ”الهيئة” بايعت تنظيم الدولة سابقاً، ثم ما لبثت أن أعلنت القطيعة عنه نتيجة خلافات تتعلق بالاستراتيجية والامتداد الجغرافي وأولويات إعلان “الخلافة”، وليس الاختلاف في البنية العقائدية والإيديولوجية. هذا الإرث يثير تساؤلات حول مدى تأثر البنية العسكرية الجديدة للجيش السوري بعناصر تحمل الخلفية الأيديولوجية ذاتها، ولا سيما أنّ عدداً من المقاتلين الذين انتموا سابقاً إلى تنظيم الدولة، أو إلى تنظيمات متشددة مثل “حراس الدين”، انضموا لاحقاً إلى تشكيلات تابعة للسلطة الجديدة بعد حل تنظيماتهم. وبذلك نكون أمام جيش رسمي يحظى بدعم دولي، لكنه مخترق فكرياً وعقائدياً من قبل داعش.

على الأرض، بدأت تحركات التنظيم تتكثف، سيما في المناطق الحدودية السورية – العراقية في محاولة توسيع نطاق سيطرته مستفيداً من عدة عوامل وهي:

–         انسحاب قسد نتيجة اتفاق مع الحكومة السورية من مناطق رخوة مجتمعياً وسياسياً وأمنياً، وتعتبر ذات حاضنة مجتمعية للتنظيم كالرقة ودير الزور.

–         انسحاب القوات الأمريكية من قواعدها في سوريا، وفي مقدمتها قاعدتا التنف والشدادي.

–         تساهل عناصر وقوات الحكومة السورية مع التنظيم، وقد تجلى ذلك في هروب المئات من عناصر التنظيم والآلاف من عوائله من السجون، والمخيمات بعد سيطرة الحكومة السورية عليها، بالإضافة إلى إطلاق سراح العديد من معتقلي التنظيم في سجن الأقطان.

– صدور عفو عام شمل المتهمين، والمحكومين بقضايا جنائية، وإرهابية من قبل رئيس الحكومة المؤقتة السورية أحمد الشرع، والذي أثارت جدلاً قانونياً، لأن الإعلان الدستوري المؤقت لا يجيز العفو العام إلا لمجلس الشعب، ويقصر صلاحيات الرئيس على العفو الخاص. هذا القرار أعاد إلى الأذهان الإفراجات التي قام بها الأسد مع بدايات الأحداث في سوريا.

–         زيادة وتيرة تجنيد التنظيم لعناصر جديدة ضمن صفوفه بعد البيان الأخير للمتحدث باسم التنظيم “أبو حذيفة الأنصاري” والذي أعلن عن مرحلة جديدة من العمليات.

–         استغلال التنظيم للأوضاع الاقتصادية المتردية التي باتت تشهدها المناطق التي سيطرت عليها الحكومة السورية بعد انسحاب قسد منها.

–         استثمار التنظيم لمشاعر “التهميش” لسكان المناطق العربية التي شهدت الاتفاق بين قسد والحكومة السورية على إدارتها -أمنياً- بشكل مشترك، ما أثار امتعاض واستياء شريحة واسعة من أهالي تلك المناطق والتي كانت تطالب بسيطرة حكومية كاملة، فالتنظيم تاريخياً استثمر في مشاعر الإقصاء أكثر مما استثمر في الحاضنة الأيديولوجية.

إنّ محاولات التنظيم اجتياز الحدود باتجاه العراق أعادت إلى الأذهان مشهد سقوط الموصل عام 2014، وإن اختلفت الظروف والسياقات. غير أنّ أية محاولة لإعادة إنتاج ذلك السيناريو تتطلب أولاً تثبيت موطئ قدم قوي في الداخل السوري، وفرض سيطرة فعلية على الشريط الحدودي، ولا سيما في ريف دير الزور الشرقي، حيث تشهد مناطق مثل الميادين والبوكمال زيادة في نشاط التنظيم وتحركاته.

على الجانب الأخر من الحدود، حشدت العراق جيشها على طول الحدود مع سوريا، بالتوازي مع ذلك، دخلت قوات البيشمركة الكردية مرحلة جديدة ضمن مسار الإصلاح وإعادة الهيكلة، بما يشمل توحيد غرف العمليات ورفع مستوى التنسيق مع القوات الاتحادية، في خطوة تهدف إلى سد الثغرات الأمنية في المناطق المتاخمة لخطوط التماس السابقة مع التنظيم. هذه الخطوات تعكس توجهاً عراقياً واضحاً نحو رفع مستوى الاستعداد الميداني، وتحصين الجبهة الداخلية تحسباً لأيّة محاولة من داعش لإعادة فتح جبهة عابرة للحدود.

بالتالي، في حال اتجه التنظيم نحو التصعيد في العراق، فإنه سيصطدم مباشرة مع الحشد الشعبي، الذي يُعدّ أحد أبرز أذرع إيران في المنطقة. وهنا تتداخل الحسابات الأمنية مع الترتيبات الإقليمية الكبرى؛ فإضعاف الحشد الشعبي يخدم مشروع تقليص النفوذ الإيراني، وهو ما يتقاطع مع استراتيجية واشنطن وتل أبيب في مواجهة إيران وأذرعها. ضمن هذا التصور، قد تتحول تحركات داعش إلى عنصر في لعبة توازنات إقليمية معقدة، سواء جرى توظيفها بصورة مباشرة أو استفادت من ثغرات في المشهد السوري.

لكن ماذا عن قسد؟

لا شكّ أنّ قوات سوريا الديمقراطية -التي تشكل كل من وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة الكردية عمودها الفقري- كانت القوة المحلية الوحيدة التي حظيت بدعم أمريكي مباشر، وأصبحت الشريك الأكثر موثوقية لدى التحالف الدولي في قتال تنظيم داعش.

ورغم تصريحات مبعوث الرئيس الأمريكي إلى سوريا، توم براك، التي تحدث فيها عن انتهاء دور قسد في ملف محاربة داعش، إلا أنّه لم يصدر حتى الآن أي إعلان رسمي، سواء من قسد أو من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، يؤكد فك هذه الشراكة أو إنهاءها بصورة صريحة.

ومع ذلك، فإنّ التحولات على الأرض خلال الفترة الماضية توحي بوجود تغيير عملي في طبيعة هذا الدور؛ فالتوافق الذي جرى على دمج هذه القوات ضمن ألوية في الجيش السوري الجديد، مع الإبقاء عليها داخل مناطق انتشارها، يبدو محاولة للحفاظ على قدر من خصوصيتها التنظيمية. هذا الإجراء يعني عملياً حصر مهام تلك الألوية في حماية مناطقها الكردية، من دون الانخراط في عمليات خارج نطاقها الجغرافي، حتى لو كانت ضد تنظيم داعش. وهنا تحديداً يكمن التحول، ليس بإنهاء الشراكة، إنما بإعادة تعريف الدور ميدانياً.

ختاماً… قد لا تبدو عودة التنظيم مجرد نتيجة طبيعية لفوضى ما بعد سقوط النظام، بل تعبيراً عن تداخل عوامل داخلية وإقليمية ودولية أعادت إنتاج بيئة مواتية لتمدده. وفي ظلّ الهشاشة الأمنية، والبنية العقائدية للجيش، وتفكك منظومة السجون، وتحولات الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة إيران، يقف ملف داعش اليوم عند مفترق طرق، وهنا لم يعد السؤال ما إذا كان التنظيم سيحاول التمدّد؟ بل إلى أي مدى ستسمح هذه الترتيبات والمتغيرات بتحويل محاولاته إلى مشروع إعلان “الخلافة” من جديد؟

زر الذهاب إلى الأعلى