
استهداف منزل نيجيرفان برزاني: ما بين رسائل الرّدع الإيرانية وصراع السلطة في بغداد
بعد أيام قليلة من الضربة الإيرانية التي استهدفت مواقع للبيشمركة في سوران، والاعتراف الإيراني بالضربة بالادّعاء بأنها كانت عن طريق الخطأ، انتقلت الهجمات المتكررة على إقليم كردستان من استهداف المقرات العسكرية، والقواعد الأمريكية، ومراكز الطاقة، إلى استهداف مقرّات إقامة قيادات الإقليم، كمنزل رئيس الإقليم نيجيرفان برزاني، ومحيط إقامة رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني السيد مسعود برزاني. من هنا يمكن قراءة المشهد والرسائل من زاويتين؛ الأولى متعلقة بمسار الحرب على إيران، والأخرى متعلقة بالانسداد السياسي وأزمة تشكيل الحكومة في بغداد.
أهداف ودلالات تركيز الهجمات على إقليم كردستان
التركيز على استهداف إقليم كردستان تحديداً ليس عرضياً، فالإقليم يجمع أربع صفات تجعل ضربه مغرياً للفصائل ولطهران معاً؛ فهو المساحة العراقية الأوثق صلة بالولايات المتحدة والتحالف الدولي، وهو مقر بعثات ومصالح خليجية وغربية، كما أنّه عقدة طاقة حيوية عبر حقول ومرافق مثل خور مور؛ إضافة إلى أنّه الجغرافيا الأكثر حساسية في ملف الكرد المعارضين لطهران. ولهذا رأينا في شهر آذار/ مارس استهداف القنصلية الإماراتية في أربيل، وقاعدة تضم قوات فرنسية، ومقرات للبيشمركة، مع استمرار التهديدات التي دفعت “دانة غاز” إلى إجلاء العاملين من خور مور. وبالتالي فإن استهداف كردستان يوجّه ضربة إلى واشنطن، والخليج، والطاقة، والكرد في آن واحد.
وقد سبق أنْ شكر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حكومة الإقليم على تمكين النفط العراقي، بما فيه نفط كردستان، من الوصول إلى الأسواق العالمية، وهو اعتراف واضح بأنّ للإقليم وزناً يتجاوز حدوده الداخلية إلى معادلات الطاقة العالمية. لذلك فإن ضربه يحمل أيضاً رسالة اقتصادية مفادها أنه: من يملك القدرة على تهديد كردستان يملك القدرة على تهديد أحد آخر منافذ الاستقرار النفطي بعد أزمة إغلاق هرمز.
من هنا يمكن فهم دلالات استهداف البيشمركة ومنزل رئيس الإقليم. فطهران تنظر منذ زمن إلى إقليم كردستان ليس بوصفه مجرد كيان اتحادي داخل العراق، بل أيضاً كمنطقة تماس مع المعارضة الكردية الإيرانية، وكمنصة محتملة لنشاط أمريكي وإسرائيلي، وكنافذة لسياسات خليجية وغربية لا ترغب بها. لذا بعد ضربة سوران، كان الخطاب الرسمي الكردستاني حذراً على نحو لافت، حيث قال الرئيس نيجيرفان برزاني بعد تشييع شهداء البيشمركة إن طهران أقرّت بوقوع “خطأ”، وقدمت التعازي، ووعدت بالتحقيق، وشدّد في الوقت نفسه على أن سياسة الإقليم واضحة: كردستان “عامل سلام واستقرار” وليست مصدر تهديد لإيران أو لأي دولة مجاورة. هذه اللغة تعكس تمسك أربيل، بخيار نزع الذرائع من يد طهران والفصائل، وعدم الانجرار إلى خطاب يبرّر توسيع الاستهداف، لكن الهجوم على منزله بعد هذا الخطاب يعني أنّ سياسة التهدئة لم تكن كافية لردع من أراد إرسال رسالة أشد صراحة.
المعنى السياسي الأوضح هنا أنّ الاستهداف انتقل من “الموقع العسكري” إلى “العنوان السياسي”. فحين تُضرب قاعدة للبيشمركة قد تستطيع الجهة المنفذة تبريره بسرديات أمنية، كالادّعاء بأنه خطأ عملياتي، أو اشتباه استخباري، أو استهداف عناصر معارضة لإيران، أو ردّ على تهديد حدودي. أمّا حين يصل الاستهداف إلى منزل رئيس الإقليم نفسه، فإن الرسالة تصبح مختلفة، وهو وضع قيادته السياسية تحت التهديد والضغط، وإيصال رسائل لها بأن الحرب ستصل إلى قلب القرار الكردي، لا إلى أطرافه فقط. وقد وصفت وكالة “شفق نيوز” ما جرى بأنه لحظة انتقال من “الحدود والمقار” إلى “عتبة منزل رئيس الإقليم”، أي من الضغط العسكري إلى الضغط الرمزي المباشر.
هذا الهجوم الأخير وما أعقبه من موجة إدانة واسعة دفعت الحرس الثوري الإيراني إلى الإسراع في التنصل منه، ووصف استهداف منزل نيجيرفان برزاني بأنه “عمل إرهابي”، مع تحميل الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية، كما أعلن أبو آلاء الولائي، الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، أنّ الهجوم “مُدان ومرفوض” ويتعارض مع ما سماه “أدبيات المقاومة”. وهذه اللغة تُقرأ بوصفها محاولة لاحتواء تداعيات ضربة تجاوزت استهداف قاعدة أو منشأة أو مرفق طاقة، لتطال شخصية سياسية “كردية ـ عراقية” تحظى بحضور سياسي ورمزي واسع، فالعملية تتحول هنا من رسالة ضغط أمنية إلى اعتداء على رمز سياسي يصعب تسويغ أسبابه أمام الرأي العام العراقي والإقليمي.
ويزداد هذا التفسير قوة إذا نُظر إلى حجم التضامن الذي أعقب الهجوم، إذ أدان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني العملية ووجّه بتشكيل فريق أمني وفني اتحادي-كردستاني للتحقيق، فيما انضمت فرنسا والاتحاد الأوروبي وتركيا والإمارات إلى موجة الإدانة والدعم، بالتوازي مع موقف أمريكي ربط الهجوم مجدداً بسلوك إيران ووكلائها، بعد أيام من إدانة واشنطن الضربة الإيرانية على البيشمركة. هذا الإجماع يكشف أنّ استهداف قيادات الإقليم فُهم دولياً وإقليمياً على أنه استهداف لمركز التوازن والاستقرار في العراق الثي يمثله إقليم كردستان.
وهذا التنصل يفتح الباب أمام فرضية أخرى، وهي تمرير رسالة تركية مبطنة إلى إقليم كردستان عبر واجهات محلية، بينها شبكات تركمانية أو تشكيلات سنية/ عشائرية في نينوى، لا سيما أنّ صحيفة «الشرق الأوسط» نقلت في 29 آذار/ مارس عن مصادر تركية أنّ أنقرة لوّحت بالتدخل العسكري في إقليم كردستان إذا انخرط «العمال الكردستاني» و«PJAK» في حرب برية داخل إيران، وأنّ وفوداً من الخارجية والمخابرات التركية أبلغت مسؤولي الإقليم رسالة صريحة؛ «سنتدخل كما فعلنا في سوريا». هذه الفرضية لا تأتي من فراغ، لأنّ لتركيا تاريخاً واضحاً في بناء نفوذ داخل الساحة التركمانية والسنية في العراق؛ فدراسة سابقة لمعهد واشنطن تشير إلى أنّ أنقرة دعمت «الجبهة التركمانية» واستخدمتها سياسياً، بل وتجاوزت ذلك إلى تشكيل قوى سنية محلية بعد تأسيس قاعدة بعشيقة، فيما أكدت رويترز سابقاً أنّ القوات التي دربتها تركيا قرب الموصل ضمّت أيضاً مقاتلين تركمان. وعليه، فالتزامن بين الهجوم على منزل نيجيرفان برزاني ورفع أنقرة سقف تهديدها ضد أي انخراط كردي في الحرب على إيران يسمح نظرياً بقراءة الحادث ضمن منطق الضغط غير المباشر القابل للإنكار.
من جهة أخرى يبدو من الواضح أنّ دور نيجيرفان برزاني بات يتجاوز صفته كرئيس لإقليم اتحادي ليصبح رأس تمثيل كردي ـ عراقي ـ إقليمي، هذه النقطة تقود إلى موقع نيجيرفان برزاني، لقدرته مع السيد مسعود برزاني على التأثير في اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة العراقية، ما يفضي إلى الدور الهام للإقليم في المرحلة الراهنة.
فعلى مستوى العلاقة بين أربيل وبغداد، فإن المشهد يحمل وجهين متعارضين. الوجه الأول إيجابي نسبياً؛ فقد أدان السوداني الهجوم، وأشاد بدور نيجيرفان في تعزيز الوحدة الوطنية، وشكل فريقاً أمنياً وفنياً مشتركاً بين الحكومة الاتحادية والإقليم للتحقيق، وأكد رفض جرّ العراق إلى الصراع الإقليمي. لكن الوجه الثاني أكثر عمقاً وخطورة؛ فإذا تكررت الهجمات من دون محاسبة حقيقية، فإنّ الرسالة التي ستترسخ في أربيل هي أنّ بغداد غير قادرة على فرض الأمن، ومنع “الجهات غير القانونية” من ضرب الإقليم. وهذا يوسع فجوة الثقة بين الطرفين، ويحوّل أي تفاوض حول الرئاسة، والحكومة، والنفط، والميزانية، إلى تفاوض تحت النار. وعند هذه النقطة، لا يعود الخلاف بين أربيل وبغداد مجرد خلاف على النفط والموازنة والصلاحيات، بل يصبح خلافاً على مفهوم الدولة نفسها؛ من يحمي سيادة العراق والإقليم؟ ومن يمتلك قرار الحرب والسلم؟
تداعيات الهجوم على مسار تشكيل الحكومة الجديدة
الهجوم وقع في اللحظة التي تحاول فيها قوى الإطار التنسيقي الموالي لإيران إعادة تحريك المسار الدستوري لانتخاب رئيس الجمهورية تمهيداً لتسمية رئيس الوزراء. لهذا فالمغزى السياسي للهجوم أعمق من بعده الميداني، لأن انتخاب رئيس الجمهورية في العراق هو الحلقة الدستورية التي تفتح الباب أمام تكليف رئيس الوزراء خلال 15 يوماً، وقد تعطلت هذه الحلقة مرتين على الأقل في يناير وفبراير الماضي بسبب الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على مرشح الرئاسة، وعندما يقول رئيس البرلمان الآن إنّ مزيداً من التأخير لم يعد مقبولاً، فهذا يعني أنّ أيّة قوة تريد تعطيل التسوية أو إعادة ضبط شروطها، ستسعى إلى الضغط على الحلقة الكردية تحديداً، لأنها باتت بوابة الانتقال من الشلل المؤسسي إلى تشكيل الحكومة.
من هذه الزاوية، يبدو استهداف منزل نيجيرفان برزاني ومقر مسعود برزاني أقرب إلى “رسالة تعطيل”، فإيران، والإطار التنسيقي، والفصائل العراقية الموالية لإيران كانت تسعى لأن يصبح نوري المالكي رئيساً للوزراء في الحكومة الجديدة، لكنها اصطدمت بالفيتو الأمريكي، والتعطيل الكردي لمسار عقد جلسة انتخاب رئيس الحكومة، هذه المماطلة لحين اندلاع الحرب الإيرانية أحرقت أوراق المالكي، ورفعت فرص السوداني لتجديد الولاية الثانية له باعتباره خياراً توافقياً يتمتع بمرونة أكبر في إدارة العلاقات الإقليمية والدولية. وبالتالي يبدو أنّ استهداف منزل نيجيرفان هو محاولة لخلط الأوراق، ورفع كلفة أي تموضع كردي بجانب السوداني في مفاوضات الرئاسة والحكومة، ووضع سقف أمني فوق السقف الدستوري. هذا يعني أنّ الميليشيات داخل بنية الدولة العراقية إن لم تتمكن من اختيار المالكي لرئاسة الحكومة، ترغب في بقاء تأثيرها في قرارات الحرب والسلم خارج سيطرة الحكومة، وبقاء مسار تشكيل الحكومة معطلاً، لتتمكن من التحرك في هامش عدم تشكيل الحكومة الجديدة.
وبالتالي فإنّ الهجوم يرجح أن يزيد تعقيد المشهد أكثر مما يسرّع الحل. فهو قد يدفع الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى التشدد في شروطه، سواء في ملف الرئاسة أو في ملفات النفط والموازنة والضمانات الأمنية، وقد يزيد صعوبة إنتاج مرشح رئاسة يحظى بغطاء كردي جامع وتأجيل إعادة منح الثقة للسوداني.
الخلاصة أنّ استهداف منزل نيجيرفان برزاني كان، في جوهره، محاولة لإعادة ضبط حدود الحركة الكردية في لحظة توسع الحرب الإقليمية، وفي لحظة إعادة تشكيل السلطة في بغداد، والتحذير من أنّ إقليم كردستان، مهما امتلك من علاقات عربية وغربية، لا يستطيع أن يفاوض على الرئاسة والحكومة وكأنه محمي من ميزان القوة الخشن، لكنه في الوقت نفسه قد يأتي بنتيجة معاكسة، فكلما ارتفع مستوى الاستهداف من القنصليات والحقول والمقار العسكرية إلى منزل رئيس الإقليم نفسه، ازداد اقتناع العواصم الإقليمية والغربية بأنّ المسألة لم تعد شأناً اتحادياً داخلياً، بل اختباراً مباشراً لسيادة العراق، وللقدرة على منع الفصائل من فرض “فيتو أمني” على السياسة. وإذا استمر هذا المسار، فإن نيجيرفان برزاني قد يخرج من دائرة التهديد أقوى سياسياً، لا لأنه رئيس للإقليم، بل لأنه بات يمثل في نظر كثيرين رجل السلام والتسويات.





