آفاق العلاقات الروسيّة التركيّة

للنشر

تاريخ العلاقات الروسيّة – التركيّة حافلٌ بالحروب والنزاعات, بسبب صراعهما على التوسّع والنفوذ, فقد خاضت الدولتان منذ القرون الأربعة الماضية أكثر من أربعة عشر حرباً, كان أولها عام 1568 وآخرها في بدايات القرن الماضي, كانت الغلَبَة فيها للروس في أغلبها, وانتهت باتفاقيّات قاسية على العثمانيين, هذه الحروب كانت إحدى الأسباب الرئيسيّة لإضعاف الخلافة العثمانية وانهيارها لاحقاً, فما خاضته روسيا القيصريّة من حروب ضدّ الأتراك العثمانيين لم تخضها أيّة دولة أخرى ضدّهم, وذلك في مسعىً للسيطرة على شبه جزيرة القرم، وإعادة أمجاد الإمبراطوريّة البيزنطيّة, فروسيا ترى في نفسها روما الثالثة، وخاضت حربين لاستعادة القسطنطينية (اسطنبول الحالية) لكنّهما باءتا بالفشل, وقد سعت لإيجاد منفذٍ لها على المياه الدافئة في المتوسط عبر السيطرة على مضيقي البوسفور والدردنيل.

شهدت العلاقات بين البلدين نوعاً من الاستقرار بعد الحرب العالمية الثانية, ليعود التّوتر إليها بعد انضمام وتخندُق تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) المعادي لحلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفييتي حينها, لتصبح بذلك خطّ مواجهة الأطلسيّ بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مع الاتحاد السوفييتي وحائطَ صدٍّ للشيوعيّة باتجاه أوروبا، ليبقى البلدان في حالة مواجهة خلال الحرب الباردة لحين انهيار الاتحاد السوفييتيّ، ليدخلا بعد ذلك حقبة جديدة في بداية التسعينات من القرن الماضي عبر عقد اتفاقيات شراكة في مجال التعاون التجاريّ, ومع تسلّم بوتين زمام الحكم في روسيا تحسّنت العلاقة وعُزِّزت مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدّة الحكم, لتدخل في مرحلة جديدة أكثر انفتاحاً عبر سلسلة من المشاريع في مجال الطاقة، مرحلةٌ كان عنوانها الرئيسيّ: الاقتصاد.

هبّت رياح الخلافات والتوتّرات مجدّداً مع بدء الأزمة السورية عام 2011، حيث تناقض موقف الدولتين، تركيا صديقة النظام السوريّ قبل الأزمة، سعت بعدها لإسقاطه عبر احتضانها أُطراً سياسيّة معارضة، بدءاً من المجلس الوطني السوريّ ولاحقاً الائتلاف السوريّ والذي يغلب عليه الطابع الأخواني، وتعدّت ذلك بدعم الفصائل المسلّحة على الأرض، بتحويل أراضيها قاعدةً لانطلاق العمليات العسكريّة بتمويلٍ قطريّ، فضلاَ عن دعمها لجماعات تكفيريّة جهاديّة مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية.

في المقابل, وقفت موسكو إلى جانب النظام السوريّ ودعمته سياسياً في مجلس الأمن الدولي مستخدمةً حق النقض (الفيتو) في جميع القرارات ضدّ النظام السوري, كما دعمته لوجستياً إلى أبعد الحدود وانتهت لاحقاً بالتدخّل العسكريّ المباشر في أيلول / سبتمبر من العام 2015 وإنشاء قواعد عسكريّة دائمة في سوريا وأشهرها قاعدة حميميم بريف اللاذقية.

دخلت العلاقة الروسيّة – التركيّة منعطفاً خطراً عقب هذا التدّخل, إذ بدأت المقاتلات الروسيّة بقصف مواقع المعارضة السوريّة المسلّحة على مقربةٍ من الحدود التركيّة, الأمر الذي اعتبرته تركيا تهديداً لأمنها القومي, وإفشالاً لمشروعها المتمثّل بإقامة منطقة عازلة بعمق 30 كم انطلاقاً من الحدود التركيّة السوريّة، وصلت العلاقة إلى نقطة حرجة بعد إسقاط تركيا لمقاتلةٍ روسيّة في تشرين الثاني / نوفمبر من العام 2015 بعد دخولها المجال الجويّ التركيّ, ردت موسكو عمليّاً بقطع العلاقات الاقتصاديّة وفرض التأشيرات على دخول الأتراك إلى أراضيها, بعد أن كان البلدان قد رفعا التأشيرات عن مواطنيّ بلديهما قبل بضعة أعوام.

أُجبِر الرئيس التركيّ على الاعتذار عن الحادثة باللّغة الروسيّة بعد مُكابرةٍ لم يطل أمدُها, في سعيٍ لتجاوز حالة التصعيد القائمة خاصّةً أنّ البلدين يتعرّضان لضغوطٍ غربيّة مستمرّة, مما شكّل أرضيةً مناسبةً لتوطيد العلاقات أكثر والذي بدا جليّاً بعد اتصال الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين بنظيره التركيّ عقب محاولة الانقلاب في تموز / يوليو من العام 2016, كما بدا ذلك في إبداء استعدادهما للتعاون في سبيل كشف خلفيّات مقتل السفير الروسيّ في تركيا على يد شرطيّ تركيّ وعدم تأثير عملية الاغتيال تلك سلباً على العلاقة بين البلدين.

انعكس ازدهار هذه العلاقة على الحالة السوريّة بفرض مناطق خفض توتّر كأحد مفرزات مؤتمر أستانة, وعقد صفقات تبادل مناطق سوريّة تحت النفوذ التركيّ بمناطق أخرى تخضع للنفوذ الروسيّ, كما في مقايضة حلب بمنطقتي جرابلس والباب, والغوطة بعفرين, صفقاتٌ أبرمتها تركيا على مضض لمنع تمدّد النفوذ الكُردي في الشمال السوري بقيادة قوات سوريا الديمقراطيّة المدعومة أمريكيّاً، والتي تعتبرها أنقرة مع حزب الاتحاد الديمقراطيّ منظّمات إرهابيّة ترتبط عضويّاً بحزب العمال الكردستانيّ, الأمرُ الذي تنفيه سوريا الديمقراطية والاتحاد الديمقراطيّ جملةً وتفصيلاً، وتعتبرانه حُججاً واهية لتبرير أطماع تركيا التوسّعية في الأراضي السوريّة.

وعلى الجانب الآخر, تريد روسيا من هذه العلاقة تمكين النظام السوريّ عسكريّاً وسياسيّاً وفرضه كورقة قويّة على طاولة المفاوضات السوريّة, بالإضافة لضرب نفوذ الولايات المتّحدة وحلفائها في المِنطقة, كما تريد إضعاف النّاتو بجذب تركيا إلى جانبها.
في ضوء دعوة روسيا الأخيرة لتركيّا بتسليم مدينة عفرين للنظام السوريّ, ورفض تركيا للأمر بقولها أنّها هي فقط من يقرّر متى ستسلّم المدينة ولمن ستسلّمها, وبعد العملية العسكرية لكلٍّ من أمريكا وفرنسا وبريطانيا على عدة مواقع لنظام السوري عقب أنباء عن استخدامه السلاح الكيماويّ في دوما, وتصريح الناتو بدعمه لتلك الضربات, فإنّ تركيا (عضو الناتو) تقِف أمام خيار صعب، لإعادة حساباتها بشأن تقرّبها مع موسكو.

بوادر توتّر العلاقة الروسيّة التركيّة قد تطفو على السطح في المستقبل القريب, في ظلّ لاسلميّة العلاقة التاريخية بينهما ووجود الكثير من القضايا العالقة والمُذيَّلة, بدءاً من شبه جزيرة القرم, وجنوب أوكرانيا, ومخاوف روسيا من تنامي الحسّ القومي لدى أتراكها والّذي تغذّيه تركيا باستمرار, وليس انتهاءاً بجزيرة قبرص والّتي تدعمُ روسيا شطرها اليونانيّ.

بالرغم من ضبابيّة المناخ السياسيّ بين تركيا من طرف, والغرب والولايات المتّحدة من طرف آخر, فإنّ ذلك ليس بالسبب الكافي لابتعاد تركيا عن حلفها القديم وانضمامها لحلفٍ معادٍ, لذا فإنّ العلاقة الروسيّة التركيّة ستبقى ظرفيّة تكتيكيّة تفرضها الظروف الدوليّة والإقليميّة الراهنة ولن تتعدّاها إلى ما هو أبعد من ذلك.