عودٌ على بدء… تجدد ثوب العثمانيّين وغزواتهم

للنشر

دأبَ ساسة التُرك الإسلاميين الذين استلموا دفة الحكم – بعد إنهاء اتاتورك الدولة العثمانيّة وعلمنة المجتمع التركيّ – على إحياء العثمانيّة من جديد، محاولين بذلك إعادة بث الروح العثمانيّة في جسد تركيا، وبعث روح التوسعيّة وعصر الغزوات التي ولت، سواءً القيام بذلك بالمناسبات الرسميّة؛  كما فعل اردوغان حين استقباله الرئيس الفلسطينيّ محمود عباس محاطاً بجنود أتراك يلبسون الزيّ العثمانيّ، أو في مؤتمراتهم الحزبيّة، حين صرح وزير الخارجيّة التركيّ السابق أحمد داوود أوغلو؛ خلال لقائه مع نواب حزب العدالة والتنمية، في معسكر “قيزلجه حمام” بالعاصمة أنقرة حيث قال: نعم نحن العثمانيين الجدد، وإن اختلفت أساليب هؤلاء الساسة الحاليّة عن تلك القديمة المختزلة في الدافع الدينيّ، تحت مسميات الجهاد وراية الإسلام، فالأساليب الجديدة تلبس الثوب الثقافيّ والاقتصاديّ، تارةً عبر الأفلام والوثائقيات عن سلاطين العثمانيين وغزواتهم، والاستثمار في دول كانت يوماً تحت راية العثمانيين، وتارةً بتُأجيج الشعور القوميّ للشعب التركيّ، للقيام بعمليّة عسكريّة هنا وهناك، لتصدير مشاكله الداخليّة خارجاً أو الفوز بفترة انتخابيّة ثانيّة، كلما اقتربت.

سياسة الدولة التركيّة الحاليّة قائمة على مبدأ التوسعيّة، حيث أن ما تقوم به في عفرين والمدن السوريّة التي دخلتها عسكرياً، هو نموذج آخر لما قامت بها في قبرص قبل عقود خلت.

الغزو التركيّ لقبرص

في سبعينات القرن العشرين، شكل نجم الدين اربكان زعيم حزب السلامة الوطنيّ الإسلاميّ، حكومة ائتلافيّة، مع بولنت اجاويد زعيم حزب الشعب الجمهوريّ العلمانيّ، كونهما لم يحصلا على النسبة المطلوبة لتشكيل حكومة منفردة، وفي محاولة من اربكان لكسب شعبيّة في الوسط التركيّ، وللظفر بأغلبيّة في الانتخابات المُقبلة، عمل بذكاء وبراغماتيّة سياسيّة واعيّة على تلهيب المشاعر القوميّة للقادة العسكريين والشعب على حد سواء، للقيام بعملية عسكريّة في قبرص، التي كانت تعيش ظروفاً لم تصل لدرجة التدخل العسكريّ، إذ أشاع اضطهاد الأتراك المسلمين على يد اليونانيين، لتغزوها في عام 1974، واستمرت العملية العسكري قرابة شهرين، وانتهت بسيطرة تركيا على 35% من مساحة الجزيرة.

كان من نتائج تلك العمليّة، نزوح ما يقارب  200 ألف من القبارصة اليونانيين باتجاه جنوب قبرص، واحتجاز ما يربو على 35 ألف شخص داخل القرى، وقتل 3000 شخص و1400 مفقودً(1)، فضلاً عن مصادرة الأملاك وتحويلها لثكنات عسكريّة وإسكان المستوطنين الأتراك فيها.

ولتغيير ديموغرافية قبرص، استقدمت تركيا مع قواتها العسكريّة سكان أتراك، لزيادة نسبة الأتراك فيها مقارنة إلى نسبة اليونانيين والأقليات المارونيّة وأقليات لاتينيّة أخرى، وبذلك ازداد عدد الأتراك الذي استوطنوا الجزيرة؛ إلى جانب الموجودين سابقاً فيها، وفي انتهاك للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، قضت تركيا بشكل منهجي على التراث الثقافي اليوناني في المناطق التي احتلتها، إذ سمّت المدن والقرى بأسماء تركية، وتم تدنيس المواقع الأثرية والكنائس والمقابر وتدميرها أو استخدمتها لأغراضٍ عسكريّة، ومنعت المهجرين من العودة إلى مناطقهم.

الغزو التركيّ لعفرين

ما حدث في عفرين فيما لو تمت مقارنته بالنموذج السابق في قبرص، سنجد تشابهاً كبيراً بين الحالتين؛ وإن اختلفت أسباب القيام بالعملية، فتحت شعارات مكافحة الإرهاب، وحماية الأمن القوميّ التركيّ، بدأت تركيا عمليّة عسكريّة على المدينة أوائل عام 2018، بصفقة تبادليّة مع الروس، وقبلها احتلت تركيا مدن جرابلس، إعزاز والباب عام 2016، وعينها على منبج وشرق الفرات وصولاً لسنجار على الحدود العراقيّة.

على غرار العملية التركيّة في قبرص، أدت العمليّة العسكرية في عفرين إلى نزوح أكثر من 167 ألف من سكان عفرين من قراهم(2)، وجرى توطين مئات الالاف من التركمان والمهجرين من الغوطة الشرقيّة وبقية المدن السوريّة في بلدات وقرى عفرين، لتغيير ديموغرافية المدينة، فضلاً عن حالات التهجير القسريّ، واستباحة الأملاك والأرواح، ومنع المهجرين من العودة إلى قراهم ومزارعهم؛ وفرض الأتاوات وأعمال النهب والقتل والاعتقال، حيث بلغ عدد الضحايا من المدنيين 364 شخصاً؛ وعدد المعتقلين 2300 شخص؛ أُفرج عن البعض منهم بعد دفع مبالغ مالية ضخمة(3).

لم تتوقف تركيا عند هذا الحد، فهي تعتبر عفرين وكامل محافظة حلب، كما موصل أراضٍ تركيّة، وتسعى لاستعادتها سواءً بطرق عسكريّة أو اقتصاديّة، وما توقيت دخولها إلى  الأراضي السوريّة 24 أغسطس 2016، المصادف للذكرى الــ 500 لمعركة مرج دابق ودخول العثمانيين للبلاد العربيّة، إلا تأكيد لذلك, ويهدف للبقاء فيها لمدة طويلة.

تركيا تسعى لتتريك مدينة عفرين والمدن التي احتلتها عبر مختلف الطرق والأساليب، فمن خلال المناهج الدراسيّة، تفرض اللغة والتاريخ التركيين، وعبر الدوائر الإداريّة، تقدم خدمات لموظفيها وجنودها هناك، كمؤسسات البريد ووقف المعارف التركيّ، كما تقوم بتغيير أسماء الشوارع بأخرى تركيّة، وتستولي على منازل السكان الأصليين، وتعبث بالمعالم الأثريّة وتقوم باستثمارات عبر الشركات التركيّة، كما فعلتها سابقاً في قبرص.

التهديد التركي لشرق الفرات

شرق الفرات هو الهدف المستقبلي لتركيا، وهذا ما تطمح إليه؛ حيث تأتي التهديدات التركيّة المتكررة بالدخول إلى شرق الفرات؛ مكملةً لسياستها السابقة؛ وأكثر تماهياً مع النمط العثمانيّ، حيث ستطبق كل ما قامت به في عفرين وقبرص في شرق الفرات أيضاً؛ فيما لو ظفرت بذلك.

كما ترتبط تلك التهديدات بالانتخابات التركيّة المحليّة المقرر إجراؤها في 31 مارس من العام القادم 2019 م، في ظل الانكماش الاقتصادي للبلاد. وليس مستبعداً أن تكون التهديدات ورقة بين مجموعة أوراق؛ لاستغلالها كذخيرة قبيل الانتخابات، لا سيما أن الحملات العسكريّة تمنح اردوغان المزيد من القوة، وهي مادة دسمة تمنحه أصوات الناخبين.

خاتمة

سياسة الحكومات التُركيّة الإسلاميّة، السالفة والحاليّة – من خلال اللعب على عدة حبال، والضحك على عقول شعبها- لم تكسبها سوى انتصار نفسي قصير المدى، واسفرت عن نتائج سلبية مستديمة، ومثال قبرص شاهد على ذلك، فلا زال المجتمع الدوليّ ينظر للعملية التركيّة في قبرص على أنها احتلال أراضي بشكل غير قانونيّ، ولا يعترف بها على غرار جنوب قبرص، وبالنسبة لعفرين؛ فقد أدانت منظمات دوليّة وحقوقيّة؛ التدخل التركيّ وانتهاكه للحقوق في عفرين، ويبدو أنه سيترتب على تركيا نتائج غير محمودة مستقبلاً.


المراجع:

1 – Οι συνέπειες της τουρκικής εισβολής του 1974 –  Jul 20, 2015

2 – تقرير الأمم المتحدة المنشور في 22 آذار 2018.

3 – تقرير المرصد السوري لحقوق الإنسان، سبتمبر- 2018