أربعةُ تحركاتٍ روسية جديدة، لكسب المزيد وتعزيز الثقة في المعادلة السورية

للنشر

باتت سوريا خلال أزمتها الحالية؛ ساحةً غامضةً إلى حد ما، مليئةٌ بحروب الوكالة لقوى إقليمية ودولية، تتفاعل فيما بينها تارة وتشتبك تارة أخرى، نظراً لتداخل أجندات هذه الدول لتحقيق الأهداف المرجوة. فالأهمية الجيوسياسية والواقع الجغرافي لسوريا، يفرض خلق مشاهد جديدة في الساحة، فأصبح التباين بين قوى تحاول السعي لتحويل التحديات إلى فرص، وقوى تعمل على خلق أزمات للحفاظ على الفوضى، وقوى تستثمر مصالحها هناك، حتى أضحت سوريا تشكل مساراً هاماً للتحرك في الاتجاه الذي يحقق استراتيجيته الواسعة، وقد برز بين هذه الأطراف روسيا الاتحادية؛ كقوة كان لها الدور الأهم في تغيير المشهد السوري، فلا أحد ينكر، أنه منذ تدخلها في الساحة السورية، انقلبت الموازين، بما تمتلكه من قوة عسكرية وأوراق ضغط في محاولة منها لتغيير المشهد في الساحة السورية، كان آخرها وأهمها أربعة تحركات جديدة تهدف لكسب المزيد من النفوذ، وتعزيز الثقة  لكسب حلفاء جدد، وهذه التحركات هي:

أولاً: إغلاق المعابر الانسانية الاستثنائية

وهي وسيلة ضغط روسية لعزل آلاف المقاتلين المعارضين للنظام السوري، حيث تستهدف حصار المناطق الواقعة تحت سيطرتهم عبر إغلاق المعابر الانسانية، فكانت الخطوة باستخدام آخر فيتو يمنع بموجبه استمرار جميع المعابر الحدودية بين تركيا وسوريا، والتي تمد مناطق المعارضة السورية في أنحاء سوريا بالمساعدات. وهذا ما حصل عندما أيدت الصين الخطوة أيضاً، بمنع اقتراح فتح معبرين فقط، على أن يكون معبر واحد تحت سيطرة الحكومة السورية.

وهذه الخطوة تعني أن كل ما يدخل إلى سوريا سيكون عبر تركيا أو العراق، ولكن للحكومة السورية فقط، والتي سيوزعه الأخير بما يراه مناسباً، ويراعي الخطط الروسية، للتضييق على حلفاء القوى الأخرى، والاتجاه نحوها؛ فبحصار روسيا لتلك المناطق، يفرض نفسه كبديل ومنقذ لتلك المناطق مقابل عجز القوى الفاعلة الأخرى للحصول على ما يرغبون.

ثانياً: الضغط البطيء على الولايات المتحدة لخلق حقائق جديدة

يأتي هذا الإجراء في ظل تحرك الروس في شمال وشرق سوريا، للسيطرة على مناطق استراتيجية معينة، ويحقق تغيير للميزان الاستراتيجي لمصلحتهم؛ وقد حركت عملية الانسحاب الجزئي التي قامت بها الولايات المتحدة في شمال وشرق سوريا في اكتوبر 2019، أطماع روسيا لتوسيع دائرة نفوذها في هذه المنطقة، حيث سارعت بفرض وقائع على الأرض بهدف تغيير المعطيات، من خلال إنشاء سلسلة من القواعد في المنطقة، وهي تحركات أشعرت القيادة العسكرية الأمريكية بفداحة الخطأ جرّاء الانسحاب، وحاولت تدارك الأمر بوقف التمدد الروسي وحصره ضمن مناطق محددة، الأمر الذي واجهته روسيا بجملة من التكتيكات؛ كمحاولة تشكيل مجموعات مسلحة من العشائر العربية، ونشر منظومة صاروخية متطورة في مطار القامشلي؛ لكنها رغم ذلك عجزت في التأثير على السياسة الامريكية بسبب تشدد البنتاغون برفض الانسحاب والتمدد الروسي؛ ومع استمرار هذا العجر في ظل الوجود الأمريكي في شمال وشرق سوريا، بدأت روسيا بتحرك جديد كثفت من خلاله الضغط على باقي القوات الأمريكية في المنطقة، مما نتج عنها اشتباكات بشكل متزايد مع الأخيرة، وتحليق للمروحيات الروسية، بالإضافة إلى تعرض قوافل للقوات الأمريكية لاستفزازات من نقاط تفتيش قوات النظام السوري في المنطقة.

وهذا ما صرح به مسؤولين أمريكيون، بأن هذه الإجراءات تأتي كوسيلة يقوم بها الروس وحلفاؤهم، لتقديم مجموعة ثابتة من التحديات لخلق حقائق جديدة على الأرض بشكل بطيء، والتي بدأت تتزايد مع مرور الوقت وتشكل مصدر قلق للقوات الأمريكية. حيث صرّح الأدميرال “تيم زيمانسكي”، نائب رئيس قيادة العمليات الخاصة بالجيش، “نحن نعلم أنهم يضغطون” وسيواصلون للحصول على ميزة في القسم الشمالي الشرقي من سوريا.

وهذا يأتي كجزء من الاستراتيجية الروسية، لدفع حدود الاتفاقات التي توصلت إليها مع الولايات المتحدة؛ الهدف منها:

  • حفاظ روسيا وحليفها على هذه الحملة المستمرة والبطيئة والخفيفة، سيؤدي إلى التلاعب بالديناميكيات التنافسية وتجاوز الخطوط الحمر تدريجياً.
  • الاشتباكات العشوائية أو المواجهات الغير متوقعة، من شأنه سيشكل مبرر قوي لإدارة ترامب أمام معارضيه لانسحاب أمريكي كامل.
  • انتشار القوات الروسية في شمال وشرق سوريا لم يعد تقتصر على الأرض، وانما شملت الجو أيضاً، فالعدد الكبير من طائرات الاستطلاع وغيرها من الحوامات الروسية، أدى إلى تآكل التفوق الجوي الأمريكي في المنطقة.
  • العمل على تزايد مخاوف الجانب الأمريكي، بتحول الجانبين الروسي والسوري إلى شمال وشرق سوريا بعد معركة إدلب، بحجة استعادة حقول النفط.

ثالثاً: كسب تأييد ودعم الشريك الأستاني

من منطلق رؤية تركيا أن سوريا هي الأولوية الأمنية القصوى لها، خاصة مع ظهور قوات سوريا الديمقراطية كقوة يمكن الاعتماد عليها على الأرض من قبل قوات التحالف الدولي، وظهور داعش على حدود تركيا، وشرعية النظام ضد أي تحرك لها داخل سوريا، وأزمة اللاجئين، كلها أصبحت الشغل الشاغل لتركيا، والتي كانت تعول على الولايات المتحدة في أولوياتها. وهنا بدأت روسيا التحرك لتحقيق نوع من التوازن بما يصب في مصلحتها، فرغم دورها كشريك مخادع، إلا أن (الدولة التركية)، أصبحت بحاجة لدعمها، نتيجة سياسة حليفتها الولايات المتحدة مع قوات سوريا الديمقراطية.

ومن منطلق نهج إيران الإيديولوجي كمصدر قوة وتمدد لها في الشرق الأوسط، وحقيقة سعي الولايات المتحدة لإضعاف يد إيران في المنطقة، الأمر الذي يجبر الأخير للّجوء إلى موسكو للدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي.

العلاقة بين روسيا وايران قائمة على علاقة تكتيكية وعسكرية أمنية محدودة، إلا أن موسكو أصبحت هي صاحبة اليد العليا، فالأسلحة الروسية والتعاون الاستخباراتي والمزايا العملية الأخرى التي تقدمها روسيا، تجعل منها شريكاً خاصاً، وهذا ما مكنت موسكو من الاستفادة القصوى من إيران، حسب اتفاقية بحر قزوين عام 2018، والتي بموجبها تسمح بالوجود العسكري في البحر للدول الخمس (اذربيجان، وكازاخستان، وروسيا، وتركمانستان، وايران) من شأنه أن يعزز الهيمنة البحرية الروسية على أكبر مسطح مائي مغلق في العالم. كذلك استخدام “قاعدة شاروخي الايرانية” لهبوط الطائرات الروسية واقلاعها.

وانطلاقاً مما سبق فالتحالف الثلاثي بين موسكو وانقرة وطهران هو جزء من التحركات الروسية لكسب تأييد ودعم الأخيرين؛ من ناحية بإقناع أنقرة أن إبقاء روسيا في صفها، يجعلها لاعباً أساسياً في المعركة السورية، وبهذا الشكل تصبح موسكو الطرف الأقوى بالنسبة لها، ويتناسب مع رغبتها بإبعاد تركيا قدر المستطاع عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كجزء من تحقيق الأجندات السياسية والاقتصادية لروسيا.

كما أن مبادرة روسيا بتنفيذ هجمات جوية من الأراضي الإيرانية، يدل على ثقل الدور الروسي في ايران، ويظهر صغر حجم ايران، وبمعنى أخر، فهي لا تختلف عن العلاقة بين أي قوة كبرى وبلد صغير؛ فاستخدام القواعد العسكرية في ايران من قبل القوات الروسية، يشكل خرقاً للدستور الايراني، فالمادة 146 فيه تمنع إقامة أي نوع من أنواع القواعد العسكرية الأجنبية، حتى للأغراض الانسانية، ويعتبر اختراق للدستور بشكل واضح، ومدى تأثير روسيا على الداخل الايراني، الأمر الذي يشير إلى تفوق الدور الروسي بشكل أكبر في سوريا، على حساب دور إيران العسكري. (راجع: دستور ايران لعام 1979، ص 14)

رابعاً: تحرك دبلوماسي منفرد لكسب الثقة

تأتي هذه الخطوة كجزء من جملة التكتيكات الروسية لكسب حليف مهم وقوي في شمال وشرق سوريا، وجزء من خططها لمجابهة الوجود الأمريكي؛ ففي كثير من المناسبات والتصريحات الروسية، تطلق موسكو عهود باستخدام المسار الدبلوماسي كجزء من العملية السياسية واعتبار الجميع شركاء في سوريا المستقبل؛ وهي ما تعول عليها روسيا بشكل خاص لإخراج حلفاء الولايات المتحدة من تحت مظلتها، تحت بند أن الولايات المتحدة قد تقرر في أية لحظة الخروج من سوريا، وترك حليفهم دون حماية، ووعدهم بأنهم جزء لا يتجزأ من العملية الدبلوماسية وشريك للحكومة السورية.

وبالفعل سعت روسيا العمل على هذا المسار، بعقد اجتماعات بين الكرد والحكومة السورية بوساطتهم، وبالرغم من فشل المفاوضات في العديد من النقاط، إلا أن روسيا لا تزال مستمرة في نهجها هذا. والتي نالت جزءاً من الرضى الكردي، بعد الكثير من المماطلة من الأخير نتيجة عدم ثقتهم بالروس أيضاً في إيقاف الاستفزازات التركية، لكن إصرار موسكو استمر لإتمام هذا المسار وكسب ثقة الكرد، كان آخرها دعوة مجلس سوريا الديمقراطية الى موسكو في 31 آب 2020 وتوقيع مذكرة تفاهم مع حزب الإرادة الشعبية (أحد أكبر الأحزاب في منصة موسكو المدعومة روسياً للتمثيل داخل هيئة التفاوض السورية المعارضة، واللجنة الدستورية السورية) دون التطرق إلى الموقف من النظام السوري، بهدف إقناع الادارة الذاتية بالخطوة كضرورة موضوعية وحاجة مجتمعية وتمثيل أوسع للحراك السياسي، خاصةً في ظل الافتقار لأية رؤية أمريكية واضحة فيما يتعلق بمستقبلهم في المنطقة، وفي خطوة تراها موسكو وسيلة لكسب ثقة الكرد للتقرب منهم، وكسب حليف قوي عسكرياً ومهم اقتصادياً كبديل للاقتصاد السوري المنهار لتعويض فاتورة نفقاتها في سوريا، بحكم سيطرة الإدارة الذاتية على منطقة تتمركز فيها معظم حقول النفط والغاز والثروة المائية، والزراعية.

وبهذا التحرك تسعى موسكو لتغيير الوضع الجيوسياسي لصالحها، وتمهد لنفوذ أقوى من الولايات المتحدة في سوريا، ودفع حلفائها ضد داعش للسعي نحو الطرف الروسي بحجة ضامن للاستقرار ومؤثر للوضع في سوريا؛ مما يعني فتح طريق جديد للدبلوماسية، وإعلان دستور جديد، بما يتناسب مع تطلعات موسكو، يكون لها التأثير الأقوى في مسار العملية السياسية مقابل باقي الأطراف الأخرى؛ ويمهد الطريق للعب دور متعاظم وقوي للولوج في الشرق الأوسط.

وفي الختام،،، على إثر ما يحصل في سوريا وما ذكرناه أعلاه، يبدو أن روسيا تسعى لتصبح حاكمة الفوضى في سوريا، وهذا نهج نجحت فيه إلى حد ما بسياستها الخارجية، فعلى غرار القوى العظمى كالولايات المتحدة والصين، بدأت روسيا بنشر نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي من خلال دعم الحكام والأنظمة، كما يحصل الآن في سوريا وليبيا، أو تقديم الدعم العسكري والاقتصادي السري والعلني كما في فنزويلا؛ وسيلة تراها روسيا تحدياً مباشراً للغرب، ووسيلة للتغلب على الإهانة التي عانتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتركت الولايات المتحدة القوى العظمى الوحيدة في العالم. فأصبحت تلاحق توسيع نفوذها والحفاظ عليه في الشرق الاوسط، مستغلة الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لتحقيق هدف زيادة وجودها العالمي، والاستفادة من خيبات الأمل العالمية تجاه الولايات المتحدة، وتصنيف نفسها كقوة بديلة وموثوقة، ولتحقق مكاسب انطلاقاً من تدخلها في سوريا من خلال:

– القواعد العسكرية الروسية الدائمة، بغرض تغير موازين القوى في المتوسط.

– نشر منظومة دفاع جوية في سوريا، لتعزز الحراسة المشددة شرق المتوسط، ويضمن قوتها البحرية الدائمة في هذه المياه.

– كل ما سبق من عمليات نشر وقدرات دفاعية، تهدف منها موسكو تحدي حلف الناتو، كقوة بديلة ومنافس قوي شرق المتوسط.

– العمل على إعادة بناء صورتها كقوة إقليمية وتعويض التأثير السلبي في سوريا على ملفها الشخصي، بالخروج كحَكم إقليمي، بجلب كافة الاطراف المتنازعة نحوها.