هل الضغط الأمريكي الأقصى ضدّ إيران ولّد انفجار مرفأ بيروت؟

للنشر

يكاد الشرق الأوسط أن يكون كتلةً معقّدة ومتشابكةً من الأزمات السياسية والاقتصادية الناجمة عن سعي الدول الكبرى إلى بسط هيمنتها على هذه المنطقة الهامة والحيوية في العالم، حتى بات المتمعّن في هذه الأزمات البالغة أوج تعقيدها في وقتنا الراهن، يُبصر الخيوط التي تربط بين هذه الأزمات وتشدّ بعضها إلى بعض.

كان التفجير الهائل والمدمّر لمرفأ بيروت الذي وقع في الرابع من آب أغسطس الجاري صدمةً كبيرة، إثر انفجار مخزن يضم 2750 طن من نترات الأمونيوم، ليس للبنانيين وحسب، بل للعالم بأسره؛ هذا الانفجار بشكله المريع وهالته الرهيبة، أعاد إلى الأذهان الانفجار الذي نجم عن الهجوم النووي الأمريكي على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، في نهاية الحرب العالمية الثانية، في شهر أغسطس( أيضاً) من العالم 1945.

لا يمكن قراءة هذا التفجير وتفسيره بشكل مستقل، وبمعزلٍ عن الأحداث والصراع الجاري في الشرق الأوسط؛ بدءاً من الحرب السورية الدائرة منذ نحو عشر سنواتٍ، مروراً بالصراع الأمريكي الإيراني وصولاً إلى صراع الهيمنة بين الولايات المتحدة والصين من جهة وبينها وبين روسيا من جهة أخرى، وليس انتهاءً بصراع إسرائيل مع إيران ووكلائها.

وعلى الرغم من أنّ الانفجار ما يزال قيد التحقيق، إلّا أنّ فرضياتٍ عدّة طفت إلى السطح عقب حدوثه، فمنهم من يفترض أنّ الانفجار هو نتيجة لإهمال السلطات اللبنانية التي بات الفساد ينخر عظامها، وتحديداً السلطة القضائية التي تجاهلت سلسلةً من رسائل إدارة الجمارك لإيجاد حلّ لهذه الشحنة الخطيرة في المرفأ لكن دون أن يكون ثمة ردّ، كما يحمّل من يطرحون هذه الفرضية حزب الله مسؤولية التفجير، بسبب زعمهم بسيطرة الحزب على المرفأ وتحكّمه بكلّ شاردةٍ وواردةٍ فيه، وبالتالي فهو المسؤول عن وجود هذه الكمية الهائلة من المواد المتفجرة ضمن منطقة حيوية جدّاً وآهلة بالسكان.

فريقٌ آخر يفترض وقوف حزب الله نفسه وراء هذا التفجير الكارثي، وذلك لخلط الأوراق، ولحرف الأنظار عن الحكم الذي كان صدروه قريباً من المحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي، في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005.

أمّا الفرضية الثالثة فيذهب قائلوها إلى القول بأنّ المرفأ تمّ استهدافه بصاروخ اسرائيلي، وأنّ تفجير هذه الكمية الكبيرة من نترات الأمونيوم لا يمكن أن تنفجر من تلقاء نفسها بفعل حرارة عادية، ومن المرجّح أنّ طيراناً إسرائيلياً قام بقصف المستودع الذي يحتوي هذه المواد شديدة الانفجار.

ولعلّ هذه الفرضية الأخيرة هي الأقرب إلى الواقع، على الرغم من أنّ التحقيقات الأولية أفادت بأنّه لم يكن ثمة طيران اسرائيلي فوق بيروت لحظة الانفجار، وإنما كان يوجد في الجنوب، وذلك وفقاً لما رصده الطيران المدني في مطار بيروت والطيران العسكري للجيش اللبناني، وما يزال التحقيق جارياً حول امكانية استهداف المرفأ من الجنوب.

يمكننا تحليل وقراءة هذه الفرضية بشكلٍ أوضح إذا ما وضعناها في سياق الأحداث التي تجري على الساحة الإقليمية في وقتنا الراهن، إذ نجد تناغماً واضح المعالم بين هذا الحدث الكبير، وسلسلة التفجيرات والحرائق الغامضة في المنشآت النووية ومصادر الطاقة والمنشآت الحيوية الإيرانية، ولا سيّما تفجير خزانات الغاز الصناعية في “پارچین” ومنشأة “نطنز” النووية في أصفهان ومجمع “خوجير” الصاروخي؛ هذه التفجيرات التي رجّحت مصادر أمريكية أن تكون إسرائيل هي من تقف وراءها، وكان آخر هذه الحوادث الغامضة، ثلاثة حرائق واسعة اندلعت في يوم واحد، وهو نفس اليوم الذي وقع فيه تفجير مرفأ بيروت، وشملت الحرائق محطة “الشهيد باكري” في محافظة سمنان، بالإضافة إلى حريق آخر ضخم اندلع في أحد اللنشات التجارية في مرفأ بهمن بجزيرة “قشم” وحريق هائل أيضاً في منطقة “برديس” الصناعية شمال شرق طهران.

وإذا ما أضفنا إلى هذه الحرائق والتفجيرات الغامضة التي تحمل بصمات إسرائيلية، سلسلة الهجمات على شحنات الأسلحة الإيرانية داخل سورية والعراق، وعلى مواقع تموضع الميليشيات الموالية لها، قد نتمكّن من رسم مقاربة موضوعية بين حادث بيروت واستهداف إيران بمختلف الأشكال من قبل إسرائيل.

إذاً، خيوط اللعبة متشابكة إلى أبعد الحدود، وقد يكون من المعقول أن نتصوّر أنّ أكثر المشاكل تعقيداً في منطقتنا بالنسبة لأمريكا وإسرائيل هي الآن مشكلة إيران، وسيتمّ تركيز الولايات المتحدة وإسرائيل بشكلٍ أكبر من أيّ وقت مضى على تضييق الخناق على إيران، خلال لعبة “كسر العظام” بينهم، وانتهاج الولايات المتحدة سياسة الضغوطات القصوى على إيران، كاستراتيجية ثابتة وراسخة تهدف إلى إخضاعها وتغيير سلوكها في المنطقة.

من المؤشرات الأخرى التي يمكننا الاستناد إليها في تحليل الفرضية الأخيرة، تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي سبقت انفجار بيروت بأيام، حيث قال رئيس الوزراء نتنياهو: إنّ لبنان وسوريا يتحمّلان المسؤولية المباشرة عن أي عمل من أراضيهما”، كما أنّ وزير الدفاع الإسرائيلي “بيني غانتس” قال بأن “تل أبيب لا تسعى للتصعيد، ولكنها ستردّ بردودٍ قويّة على أيّ تهديد”، وجاءت هذه التصريحات بعد تحرّكاتٍ لحزب الله، عقب ضربات إسرائيلية على دمشق الشهر الفائت، أسفرت عن مقتل قياديين في حزب الله، وإسقاط طائرة إسرائيلية مسيّرة في جنوب لبنان.

وما يعزّز من احتمال صحّة هذه الفرضية أيضاً غياب صور الأقمار الاصطناعية للحظة الانفجار الاستثنائي المريع، فلو كان الحدث متعلّقاً بهجومٍ من قبل إيران، لرأينا ظهور صورٍ ومقاطع فيديو تفسّر تفاصيل الحدث، كما حدث عندما نشر البنتاغون مقطع فيديو يثبت ضلوع الحرس الثوري في تفجير ناقلتي النفط بميناء الفجيرة في أيار/مايو 2019.

اللافت في هذا الحدث الكبير هو أنّ المزاج اللبناني العام يميل إلى وضع حزب الله في قفص الاتهام، حتى لو كان الانفجار قد حدث بفعل قصف صاروخي من قبل الطيران الإسرائيلي، أو باستخدام أسلحة أكثر تطوّراً مثل الأسلحة الليزرية، كما يميل البعض إلى تفسير شكل الهجوم، فإنّ حزب الله هو من يتحمّل تخزين هذه الكمية الهائلة من المواد شديدة الانفجار، ويبدو ذلك جليّاً في الخطاب الذي ألقاه حسن نصر الله زعيم حزب الله عقب الانفجار، إذ إنّ خطابه تمحور حول الحديث عن مظلومية الحزب، وعن التضليل الذي تمارسه وسائل إعلام لبنانية وعربية ضدّ حزبه، وإذا ما تمعنّا في الخطاب، نجده مغايراً لسائر خطاباته السابقة، لجهة غياب نبرة الخطاب الهادرة والوعيد الدائم الذي كان السمة الأبرز لها، كما نجد في خطابه ميلاً إلى إظهار الرأفة والتسامح والإشادة بالتكاتف الداخلي بين الشعب اللبناني وحكومته، وإحلال الأمن وتجاوز المحنة، والحديث عن الانفجار وكأنّه زلزال أو أيّة كارثة طبيعية أخرى، لا ضلوع لأحدٍ فيها.

إنّ قفز نصر الله في خطابه على التفجير الكارثي الذي دّمر نصف العاصمة بيروت، بدرجاتٍ متفاوتة، وجعلها مدينة منكوبة، وتسبب في خلق أزمة إنسانية واقتصادية هائلة في البلاد، وعدم الإتيان على ذكر كلمة إسرائيل، يثير الشكوك حول احتمالية وجود خيط يربط بين حزب الله واسرائيل في هذا الانفجار، إذ يبدو من الممكن أن تكون اسرائيل (على الرغم من نفيها أي دور لها في الانفجار) قد أدركت أنّ استهدافها للمرفأ، أيّاً تكن نتائجه، سيزيد من حنق الشعب اللبناني على حزب الله، وسيؤلبّه عليه أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

كما أشرنا سابقاً، إنّ سيرورة الأحداث في الشرق الأوسط متشابكة بدرجةٍ كبيرة، وبالتالي سيكون من المنطقي الربط بين تفجير لبنان، وبين سياسة الضغوطات القصوى التي تمارسها الولايات المتحدة، ضدّ إيران و”محور المقاومة”، بالتعاون مع إسرائيل- حليفتها الكبرى في الشرق الأوسط- لا سيّما مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 3 نوفمبر 2020، وتخوّف إسرائيل من وصول الديمقراطيين إلى الرئاسة، وهم المعروفون بسياستهم الليّنة، ولجوئهم إلى القوة الناعمة المتمثلة في الدبلوماسية مع إيران، واحتمالية عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، هذا الاتفاق الذي كانت إسرائيل من أشدّ المعارضين له، وكان لها الدور الأبرز في خروج الولايات المتحدة منه، من خلال رفدها بالمعلومات الاستخبارية، حول عدم التزام إيران ببنود الاتفاق، والخطورة المترتبة على استمراره.

وفي الختام يمكننا أن نستخلص أنّ الأزمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران و”محور المقاومة” من جهة أخرى، قد تبلغ أوج تعقيدها خلال الفترة القادمة، وسيكرّس الطرفان أقصى إمكاناتهما لليّ ذراع الآخر من خلال اللجوء إلى الوسائل المتنوّعة التي يملكها كل طرف، ومن المؤشرات التي تدلّ على التوجّه نحو المزيد من التصعيد بين الطرفين:

1- إعلان مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي عن استقالة برايان هوك رئيس مجموعة العمل الخاصة بإيران في الخارجية الأمريكية خلال وقتٍ قريب وتعيين إليوت برامز خلفاً له، إذ يعتبر برامز من الصقور المتشددين تجاه إيران، كما أنه كان مهندس الحرب على العراق، وهو يقود حملة حالياً للإطاحة بالرئيس الفنزويلي  نيكولاس مادورو، وفي هذا تلويح من ترامب بأنّه قد يسعى إلى تغيير النظام في إيران إذا تعنّد أكثر، ولم يرضخ لمطالب الولايات المتحدة.

2- احتجاز البحرية الإيرانية مدعومة بطائرة مروحية ناقلة نفطٍ بالقرب من مضيق هرمز لفترة وجيزة قبل إطلاق سراحها، وهي بمثابة رسالة تهديدٍ حول إمكانية إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران.

3- احتجاز الولايات المتحدة لأربع ناقلات نفط إيرانية كانت متجهة إلى فنزويلا ومصادرة شحنتها.

4- الصفقة التاريخية بين الإمارات وإسرائيل التي تمت برعاية أمريكية، والتي تهدف إلى تطبيع العلاقات بين البلدين، والتي تفتح الباب أمام باقي الدول العربية أيضاً للسير على نهج التطبيع مع إسرائيل، وربّما التوصل إلى حلّ للقضية الفلسطينية مستقبلاً؛ الأمر الذي سيسحب البساط من تحت قدمي إيران و”محور المقاومة” وإبطال مفعول الشماعة الإسرائيلية التي تبرّر من خلالها إيران تحشيد الميليشيات في المنطقة ودعمها بالمال والسلاح وأحداث القلاقل فيها، وبالتالي العمل على إعادة إيران إلى داخل حدودها الجغرافية.