(درويش عفدي).. الفارس الهبّاب

للنشر

من بلاد الجزيرة، أو بلاد الرافدين، تلك السهول الخصبة المعشبة التي تمرُّ بها تلك الأنهار الخالدة: دجلة، الفرات، خابور، جغجغ، النابعة من هضبة أرمينيا وجبال طوروس، حيث شكّلت عصب الحضارات المتتالية، فقد عاش على ترابها الكلدانيون، الميديون، الحوريون، منذ فجر التاريخ البشريّ.

فها هو طوروس يمتدّ باتجاه الشرق، كشيخ كبير طاعن في السنّ، قد تمدّد على بساط من حرير أخضر، حتى يعلو شيئاً فشيئاً نحو جبال جودي، التي وردت اسمها في القرآن، حين قبلت أن ترسو سفينة النبيّ نوح على هامتها: (واستوت على الجوديّ وقيل بعدا للقوم الظالمين).

إنّها مسرح أحداث الرواية الملحمية، والجزيرة تلك مليئة بالتلال القابعة جنب تلك الأنهار، حيث رقدت فيها حضارات عريقة عراقة الإنسان حين دبّت قدماه على الأرض، تقول فيها الكاتبة الإنكليزية المعروفة ذائعة الصيت أجاثا كريستي: (إنها ليست تلالاً ترابية عادية، ولكنّها مدن مدفونة تحت التراب) كتابها (هكذا أحيا)  وقد كانت ترافق زوجها عالم الآثار (ماكس) هناك في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي.

 هذه الرواية (القصة الملحمية):

هذه الملحمة تعتبر خطوة شجاعة في الأدب الكردي المدوّن بالعربية، والكاتب أديب وباحث طويل الباع ذو ثقافات متعددة، وكان بودِّنا أن نقرأ له الكثير ليقدّم لقارئ العربية تلك النكهة الخاصة في الأدب الكردي، لا سيّما أدب الرواية والملاحم التي يحفل بها التراث الكردي، إذ حينما يتذوّقه قارئ العربية، يحسُّ على الفور أنّ هناك جذوراً تربطه به وبشكل مباشر.

مما يدلّ على أنّ الحضارة إبّان الحكم الإسلامي جمعت الثقافات المتعددة وصهرتها في بوتقة واحدة لتكون فسيفساء رائعاً نادراً لا مثيل له في تاريخ البشرية، كل ذلك دون تفريق أو تطهير ثقافي، إلا أنّ الفردانية والأنانيّة الثقافية التي جاءت فيما بعد شوهت تلك الحضارة.

والرواية هي في الأساس قصة شعبية تروى بطريقة غنائية، فيستمع إليها كبار الناس وصغارها في ليالي الشتاء الطويلة، لتسيل كلماتها على ألسنة المغنين الشعبيين الرواة، شجية رخية، فتشدّ القلوب، وتحمّس النفوس، تلك النفوس الجبلية الهبّابة نحو الشجاعة والثأر والدفاع عن الشرف والعرض، فحينما يأتي الراوي على ذكر مواقف الفتى (درويش) وهو يدخل ميدان المعركة، تفيض العواطف رقيقة حساسة وقد تذرف الدموع، وخاصة حينما تذكر إشفاق الفتاة البريئة (عدول) عليه وعلى مصيره، بسبب مغامراته المستمرة.

إنّها ليست قصة حبّ فحسب، بل هي رواية تاريخية تعبّر عما أهمله التاريخ من زوايا وظلال وسكت عنه من أحداث ودلالات، وقد اتكأت الرواية على الأحداث التاريخية، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالزمان والمكان، لتكون خلفية لها ومسرحاً لتطور البيئة والإنسان.

فالمادة التاريخية في الخطاب الروائي دائماً تتمحور حول الماضي وتعبّر عنه لتحوّله من شكله المرجعيّ إلى الشكل التمثيلي الحواريّ، ومن واقعه الماضي إلى حاضره التخيلي، لتكتسب مادة فنية رائعة عبر فضائها الجديد، لذلك يلزم منّا استخدام المعايير الفنية المناسبة، لتقاربها أكثر عبر الصور المتشابهة تماماً للماضي، إذ الرواية في هذا المشهد هي قصّة الإنسان منذ الأزل، قصة شعب ظلّ يتمسّك بمبادئه التي عُرف بها وتعوّد عليها في تاريخه الطويل ولم يتنازل عنها، فدفع ثمن ذلك من المعاناة والويلات الكثير.

فدرويش بطل الرواية يعكس صورة الشجاع الذي تربّى على خصال الإقدام وكرم الضيافة، ودفع الظلم ورفع الحيف والدفاع عن مواطن الكلأ والماء والمراعي وصيانة المال والحلال وحميّة الشرف، لم يكن كباقي الرجال، بل كان ملحمة في الشجاعة والتحدّي والعناد، لا يعرف للموت معنى ولا للخوف رهبة ولا يحتاط للكالحات حذراً، كان مثار الجدل ومضرب المثل.

لقد شبّ على العرف القبلي منذ نعومة أظفاره حتى ارتوى من تلك الخصال في مضافة أبيه، التي كانت بمثابة المدرسة التي تخرّج الرجال لذلك الزمان، حيث تلقّى دروس الغيرة والحميّة وعدم الخنوع للضيم مهما كانت الأخطار المحدقة، مما تميّز بين فتيان قبيلته.

والقصة تتلخّص في وجود قبائل مختلفة في وسط سهول الجزيرة الفراتية تعتمد في حياتها على الماشية والإبل والخيول، هذه القبائل أبعد بينها أن جاءت كلّ واحدة منها من طرف من أطراف الجزيرة النائية، وجمع بينها طلب الماء والكلأ وسبل المعيشة هناك.

وقد حدث نزاع من النزاعات الدائمة التي كانت تحدث على مواطن العيش، وتهددتْ قبيلة (ملّان) قبائل تجمّعت لمحاربتها وطردها، فكان أن استنفر زعيمها الأبطال من الشجعان أنداد درويش، وجمعهم في عرض كبير مستثيراً حميّة الشباب ونخوة الشجاعة وغيرة حماية العرض، ويقوم بحثّهم على الحماية والفداء، ولا يكتفي بذلك، بل بلغ الوضع من الخطورة أن تعرض جدائل عدول المقصوصة والحمراء من أثر الحنّاء على طبق، فهي لمن يحمي القبيلة، في أسلوب درامي شيّق يذكّر بقصة – عنترة بن شداد العبسي مع حبيبته عبلة –  فتدار بين الرجال الشباب فيطأطئ رجال العشيرة رؤوسهم حذراً من الإقدام المرعب حتى يأتي دور درويش، فيغتنم فرصته التاريخية بين القبائل، ليثبت أن لا أحد يتقدّم عليه في البطولة والفداء، فيقوم بخطف الجدائل الحمراء.

ويقوم أهل المشورة بتوجيه النصيحة تلو النصيحة له، ولكن هيهات فقد فات وقت النصائح، ولم يعد درويش يستمع لأحد، فقد أكدوا له أنها مكيدة من الباشا للإيقاع به لردّ القبائل عن مواطنه، والتخلّص من درويش، فليس من السهل إعطاءه ابنته، وينصحه الأقربون والأصدقاء باختيار نداء العقل على العواطف وتغليب الصبر والجلد على الشجاعة المغامرة ولكنّه يجيب: إنّ حبّ عدول قد أنبت في فؤادي جذوره ولا يمكن التراجع، بل دونه الموت الأحمر.

وقد تميّز هذا الإنسان الشرقيّ بصفات فائقة الإنسانية، فإذا أحبّ فإنّه يحبّ إلى درجة الغيرة المجنونة، وإذا كره فإنه يكره إلى درجة الشراسة، وهو قد يكون شجاعاً إلى درجة المغامرة وكريماً لحدّ الإسراف، هذا إذا لم يضبط عواطفه بضوابط العقل.

فمن أجل الحبّ الجارف الذي ملك عليه فؤاده ألقى درويش بنفسه في مهاوي الردى ومهالك الخطوب، فها هو يتقدّم لسفك دماء العشرات، بل المئات وتقطيع أشلائهم، فحينما يتذكّر ضفيرة عدول وقد وضعها عند صدره كان يشعر برجفان يسري في سائر جسده، كأنما أصابه مسّ.

وحينما يلج درويش خيمة أحد شيوخ الخصم متنكراً له زاعماً أنه ليس بدرويش، وأنه يبحث عن إبله الضالة، لكن الشيخ بفراسته التي لا تخطئ يعرفه ويعلم سبب بحثه ويوجّه له النصائح تترى قائلا له: يا بني إنّ الباشا رجل السلطنة العثمانية ينفذ سياستهم في ضرب العشائر يبعضها، وهو لم يكتف بالاستيلاء على السهل بكامله من أدناه إلى أقصاه، بل يريد ضربنا يبعضنا وليبقى هو المستفيد الوحيد في الميدان.

ويخسر النداء والدعوة دون أية مساومة مجدية وحينها تبوء كلّ محاولات المهادنة بالفشل الذريع ولم تبق إلا المواجهة.

ويمضي البطل في مقصده ومعه مجموعة من الشجعان مثله في إشارة تاريخية حينما يثبت اثنا عشر فارساً على قمة تل حلف تلك التلة التي كانت تقبع فوقها عاصمة دولة الميتانيين قبل الميلاد بـ 2300 عاماً.

وتنتهي مشاهد الملحمة في صور مفعمة بالمآسي والدماء وتنتصر الرجولة والشهامة، ويسقط البطل في النهاية مكلوماً في جراحات تنزف و(عدول) عند رأسه تهدهد له في لحظات الموت الأخيرة، تتسم لغة الرواية بمستوى أدبي رفيع، وحبكة راقية وتراكيب وألفاظ تفيض فيها العاطفة الإنسانية.

 

رواية من التراث الشَّعبيّ الكرديّ

جمع وإعداد: د. حسين أمين

الصياغة الأدبية: نذير شيخموس حسين

عرض: عبد الباقي أحمد خلف

 


مراجع:                                    

  • هكذا أحيا أجاثا كريستي- ترجمة توفيق الحسيني- الناشر دلاور زنكي دمشق مطبعة دار العلم 1994.

2- درويش عفدي وعدول ملّي، جمع وإعداد: د. حسين أمين، الصياغة الأدبية: نذير شيخموس حسين. الناشر: رابطة كاوا