لوفيغارو: التحالف بين الصين وإيران، نقطة تحوّل كبيرة في رقعة الشطرنج العالمي

للنشر

الكاتب: شاهرخ بهزادي

الرابط الأصلي للمقال

يحلل الصحافي المتخصص في الأزمات والصراعات الدولية، رينو جيرار، في مقال نُشر في عدد الثلاثاء من مجلة لوفيغارو، الاتفاقية الاستراتيجية البالغ مدتها /25 /عاماً بين إيران والصين. فهو يقول: إنّ هذه الاتفاقية كما هي واضحة، تأتي في إطار نهج “الهيمنة” التجارية للصين على مساحاتٍ شاسعةٍ من آسيا وأروبا. يريد “شي جين بينغ” أن ينتصر في الحرب الباردة المفروضة على الصين من قِبَل الولايات المتحدة.

يقول رينو جيرار إنّ “شي جين بينغ”، الرئيس الدائم لجمهورية الصين الشعبية، هو قائدٌ مُحنّك بعیدُ النظر، وهو يعمل لأجل أمدٍ بعيد. هدفه الأسمى هو أن يتحوّل بلده مع حلول عام /2049/ إلى أقوى بلدٍ في العالم، لكي يحتفل بالذكرى المئوية الأولى لانتصار الحزب الشيوعي الصيني على النظام الملكي.

إنّ سياسته الاقتصادية مبنية على خروج المزارعين في البلاد من حالة الفقر، وعلى إيجاد مجتمع متحضّر واسع تحت السيطرة، من خلال الاستفادة من الوسائل الرقمية. يعتقد “شي جين بينغ” أنّ الديمقراطية لا تتوافق مع العقلية الصينية، كما يراها المصدر الرئيسي لجميع الاضطرابات الاجتماعية.

وتكمن سياسته الخارجية في تقوية “طريق الحرير” (الذي يُعرف أيضاً بمبادرة الحزام والطريق)، وهو يريد من خلال هذه الوسيلة، فرض الهيمنة التجارية للصين في مساحات واسعة من آسيا وأوروبا.

ويريدُ “شي جين بينغ”، باعتباره تلميذاً جيدّاً لمدرسة “سان تزو” الفكرية، أن ينتصر، بدون مواجهة،  في الحرب الباردة  المفروضة من قبل القوّة الحالية العظمى في العالم (أمريكا) ، كما أنّ قائد الحزب الشيوعي الصيني يعرفُ جيّداً أنّ الصينيّين يعملون بشكلٍ أفضل، وأكثر مهارة  في مجال التجارة، مقارنةً مع المجال العسكري.

إنّ السيد “شي” هو شخصٌ استثنائيٌّ في وضع الاستراتيجيات؛ واتخاذ التدابير؛ ووضع التكتيكات الشخصية، وهو يعرف جيداً كيفية تحقيق الاستفادة القصوى من الفرص المتاحة، كما أنّه يعرف أنّ الخصم الوحيد للصين في العالم هو أمريكا، لكنّه يعرف أيضاً أنّ أمريكا تمرّ بمرحلة ضعف وانقسامات سياسية وعرقية واسعة النطاق، وأنّه يجب اغتنام هذه الفرصة على أكمل وجه.

يدركُ “شي جين بينغ” أيضاً أنّ الاتحاد الأوربي، باعتباره أكبر سوق عالمية، لم ينجح في تحقيق الهيمنة الصناعية والسياسية، فهو يعرف أنّ هذا الاتحاد لم يستطع بعدُ ابتكار استراتيجيةً صناعية تتوافق مع سوقه الكبيرة، كما أنّه عاجزٌ عن إيجاد سياسة خارجية قويّة ومتينة تليق بهذا الاتحاد.

يقول رينو جيرار إنّه في مثل هذه الظروف تريد الصين أن تسرّع في أفول العالم الغربي، وأن تستخدم، في رقعة الشطرنج العالمي، بيادق لم تكن تجرؤ قطّ على استخدامها، في الماضي وفي الظروف العادية. إنّ التحالف الذي يتمّ رسمه حالياً بين الصين وإيران، يُظهر الجرأة الجديدة للصين في السياسة الخارجية، والساحة الجيوسياسية.

اتفاق إيران الاستراتيجي مع الصين هو مطلب آية الله خامنئي

يقول رينو جيرار إنّ وزير الخارجية الإيراني، محمّد جواد ظريف، أعلن  في 16 تموز/يوليو الجاري أمام برلمان بلاده أنّهُ مكلّفٌ من قبل مرشد الجمهورية الإسلامية ومن قبل الحكومة بأن يوصل الاتفاق الاستراتيجي مع الصين إلى المرحلة النهائية. ويقول إنّه نظراً لعدم وجود الشفافية، التي نجدها دوماً في السياسة الخارجية للصين وإيران، فإنّ محتوى هذا الاتفاق ما زال مجهولاً بالنسبة لنا، وبطبيعة الحال، فإنّ بعض التوافقات والعقود ضمن إطار هذا الاتفاق الاستراتيجي ستبقى سريّة. ما تمّ الكشف عنه حتّى الآن هو أنّ الصينيّين یریدون أن یستثمروا /400/ مليار دولار في البنى التحتية الصناعية والاقتصادية لإيران، مقابل أن تبيع إيران النفط والغاز للصين بخصمٍ تبلغ نسبته 30%.

إنّ نهج الإيرانيين في هذا الاتفاق الاستراتيجي هو بسيطٌ للغاية: بما أنّ محاولتهم في التقرّب من الغرب قد مُنيت بالفشل، فمن الضروري الآن أن يتوجّهوا نحو الصين، لكي يتمكّنوا من إيجاد سوق لبيع منتجاتهم من النفط والغاز أثناء تلقّي التكنلوجيا اللازمة لتنميتهم الاقتصادية، بالإضافة إلى كسب الضمانات الأمنية اللازمة في مواجهة تهديدات الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا سيّما فيما يتعلّق بالدفاع السايبيري.

من جانبٍ آخر، لم يعد لدى الصينيّين أيّة أوهام بخصوص الولايات المتحدّة، فهم يعلمون أنّهم لن يفلتوا من العقوبات التي من المحتمل أن تفرضها عليهم واشنطن، ولذلك فإنّهم يريدون مصدراً رخيصاً للطاقة، وبإمكان إيران أن تضعه بين أيديهم. كما أنّهم سعداء بدخولهم إلى إيران؛ أرض الإمبراطورية الفارسية العظيمة، والتي تلعب دوراً رئيسيّاً في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

لقد أجرى الصينيّون في العام الفائت مناوراتٍ بحرية مع القوات البحرية الإيرانية، ومع توقيع هذه الاتفاقية الاستراتيجية، فإنّ الصينيّين سيستفيدون بشكلٍ كبير من مرافق الموانئ والمطارات الإيرانية، وستمنح هذه الاتفاقية الصينيّين فرصة امتلاك قواعد تتيح لهم وصولاً حصريّاً إلى الخليج الفارسي وبحر قزوين أيضاً.

لكنّ الجديد في هذه الاتفاقية العسكرية-الاقتصادية، التي من المحتمل أن ينضمّ الرّوس أيضاً إلى الجزء العسكري منها، هو أنّ مهندس هذا الاتفاق في الجانب الإيراني ليس الحرس الثوريّ، وإنّما هو شخصٌ وسطيّ ومعتدل مثل ظريف.

أمّا مبدع هذا الاتفاق في الصين هو شخص “شي جين بينغ”، الذي يتمتّع بدعم طيف واسع من الشباب القومي الصينيّ، فهؤلاء الصينيّون الشباب سعداء للغاية بنجاحات بلادهم في بحر الصين الجنوبيّ، وبقواعدها في جيبوتي أو سيريلانكا، وبتعاظم قوّتهم البحرية. في المقابل، توجد أقليّة محافظة تتمركز في شنغهاي، تعتبر أنّ استمرار التجارة مع الولايات المتحّدة أمراً ضروريّاً للبلاد.

هل تريد الصين، من خلال هذا الابتكار الدبلوماسي (التوافق الاستراتيجي مع إيران) أن توجّه إنذاراً نهائياً لواشنطن؟ لا يعتقد رينو جيرار ذلك؛ لأنّ بكّين فهمت منذ فترةٍ طويلة فائدة “الواقعيّات المتحقّقة” في العلاقات الدولية.

وفي ختام المقال يؤكّد رينو جيرار على أنّ “هذا الانسحاب الاستراتيجي المهمّ للولايات المتحدة، يسلّط الضوء على خطأٍ ارتكبه دونالد ترامب، الرئيس الحالي للولايات المتحدة، أثناء إخراج أمريكا من الاتفاق النووي، الذي أبرم مع إيران في 14تموز/يوليو 2015. هذا الاتفاق الذي تفاوض عليه جون كيري بصبر، نسفهُ دونالد ترامب بسبب كراهيّته لأوباما.

يقول رينو جيرار: في تاريخ الدول كان هذا النهج خطيراً – دائماً – على أيّة دولة، وهو أن ترسم سياستها الخارجية بناءً على سياستها الداخلية.