معركة ادلب… تصفية حسابات في آخر مناطق خفض التصعيد

للنشر

بعد سنواتٍ من الحرب التي تشهدها سوريا، بدأت المعارك تحتدم الآن في بقعة جغرافية تقعُ في شمالها الغربي، وهي إدلب، التي تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة مع فصائل إسلامية متشددة، كما طفى على السطح احتمال مواجهة تلوح في الأفق بين قوى خارجية (روسيا وتركيا) بعد سنواتٍ من العمل لاحتواء فوضى هذه الحرب، مما يُنذر بسفك الكثير من الدماء، و حدوث موجة نزوح هائلة، نتيجة حسابات خاطئة يتم تصفيتها على هذه الارض، وهذه الحسابات هي كالتالي:

سقوط آخر مناطق خفض التصعيد

التصعيد الأخير في إدلب ما هو إلا ترجمة فعلية لانتهاء صيغة آستانا بين تركيا وروسيا وإيران والتي تم الاتفاق عليها بين هذه الدول في 4 مايو 2017، والتي تقضي بإنشاء مناطق خفض التصعيد، بهدف خفض مستوى العنف، وهي تشمل أجزاء من (حمص، الغوطة الشرقية،  درعا، القنيطرة، وإدلب) وقد انتهى ذلك بقضم الجزء الاكبر من هذه المناطق لصالح النظام السوري، وما يجري الان هو اتمام الاتفاقية بطي الصفحة الاخيرة منها في ادلب، كما فعلت في مناطق خفض التصعيد الثلاث الأخرى. وكانت قمة أنقرة الأخيرة بين الدول الثلاث في 17 سبتمبر 2019، استكمالاً لبنود الاتفاق، وقد ركزت على ادلب كآخر منطقة لإقصاء المعارضة، والخروج بموقف واحد وهو “سورية الموحدة”، ما يعني فوز روسيا وحليفها (أي النظام السوري)، إلا أنّ إقصاء المنطقة الأخيرة كان بمثابة الصفعة القوية لتركيا، لعدم حصولها على أية صفقات أخرى، كما حصل في ما يعرف بعمليتي “درع الفرات” و “غصن الزيتون”، حيث وجدت تركيا نفسها مع شريك مخادع (موسكو) لقناعتها بأنّ الأخيرة كانت ستعمل على تحقيق توازن للمصالح التركية في سورية، إلا أنّ النتيجة كانت بخروجها كطرف مخدوع ومهزوم، فلم تحصل على منبج أو تل رفعت أو كوباني، وسقوط الورقة الأخيرة (إدلب) يمهد لتقليص نفوذها في سوريا بشكل كبير، ويمكن تلخيص النتائج التي ترتبت على إقصاء تركيا عن المسألة السورية كالتالي:

– تهميش دور تركيا؛ الداعمة الرئيسية للمعارضة.

– إبعاد تركيا عن المفاوضات، وخفض تأثيرها في سورية.

– خسارة دبلوماسية لتركيا على جميع الأصعدة في سوريا بعد سنوات من الحرب.

– عزلة تركيا عن الحلفاء التقليديين، بعد تقاربها مع الروس وتجاهلها للناتو عبر شرائها منظومات جوية روسية S-400، وعقد اتفاقيات تجارية.

– هزيمة كاملة للمعارضة واستبعادها من المفاوضات بشكل نهائي.

– خسارة الجبهة الليبية، نتيجة انخراطها لجبهة معادية لروسيا.

التسارع لحسم المعركة

إنّ الضغط الكبير الذي تشهده إدلب، هو محاولة يسعى من خلالها الجانبان الروسي والنظام السوري إلى فرض وقائع جديدة على تركيا والمجتمع الدولي، والإصرار على الحسم عسكرياً حتى لو اضطر الأمر إلى المواجهة مع تركيا لكسب انتصار سريع. ومن أهداف هذا الانتصار السريع:

  • حسم الأمور لصالح النظام السوري، قبل الدخول في أية مفاوضات سياسية من شأنها أن تبقي إدلب تحت سيطرة المعارضة والمجموعات الإسلامية المتشددة وفق اتفاقيات محتملة؛ لذا يسعى الجانبان الروسي والنظام السوري بوضع كل ثقلهما في إدلب، لكسب الأمور لصالحهم، لا سيّما بعد فشل تركيا بفصل الإرهابيين عن (المعتدلين) في إدلب بموجب الاتفاقية المشتركة بين روسيا وتركيا، التي تقضي بتكليف الاخيرة بهذه المهمة.
  • استغلال الارتباك الأمريكي في المنطقة؛ هذا الارتباك الذي شجّع الجانبين الروسي والسوري على حسم المعركة عسكرياً.
  • أهمية ادلب الاستراتيجية في الشمال الغربي لتأمين القاعدة الجوية الروسية في اللاذقية من أي هجمات.
  • أهميتها المعنوية للمعارضة كونها أرض تجمع مقاتلين متشددين ومعارضين للحكومة السورية، كما أنّ المناطق المحيطة بإدلب، كانت نقطة الانطلاق للتمرد على النظام منذ بداية الأزمة بدعم من تركيا، فالسيطرة عليها تقطع خطوط الإمداد من تركيا، ويكسر معنويات المعارضة بشقيها السياسي والعسكري.
  • أهميتها الحيوية لاستكمال السيطرة على الطريقين السريعين (M4 – M5)، وهي طرق حيوية تمر بمحافظة إدلب، وتعتبر من أهم الطرق البرية الدولية التي تربط سوريا مع الجوار والعالم، ويؤمن سهولة الحركة التجارية والنقل العسكري، ويصل بين أهم مدن سوريا بسهولة أكبر، وقد تجلى اهتمام روسيا بهذه الطرق عبر إقحامها بكافة الاتفاقيات السياسية؛ حيث ذكر صراحة أهميتها في اتفاق سوتشي آواخر عام 2018 واجتماعات آستانا.
  • حسم المعركة هي بمثابة رسالة من بوتين إلى كافة الأنظمة العربية الأخرى، حول ثقة الحليف بروسيا على عكس الأمريكان، فهي تفي بوعودها حتى النهاية، وتحمي من يلجأ اليها، فمسألة إدلب تهم روسيا أكثر من تركيا، لحفظ صورتها في المنطقة.

تخبط تركي

خلال الأزمة السورية، تحالفت تركيا مع كل القوى العظمى المتنافسة، لحماية مصالحها في سورية، لكن مع اقتراب الحرب من النهاية تحاول تركيا بشتى السبل للبقاء في سورية، فالسياسة غير المتوازنة لرئيسها ابعدتها عن الساحة (مع الولايات المتحدة بهجومها على الكرد، وتحالفها مع الروس) (مع روسيا بمعاداتها للنظام ودعم المعارضة في سوريا وليبيا) (مع الاتحاد الاوروبي من خلال استفزازه بورقة اللاجئين) حتى مع الداخل التركي (بعد مقتل جنودها الأتراك).

وتعتبر إدلب بمثابة الورقة الأخيرة لأردوغان الذي يحاول الحفاظ عليها، بحيث أنه صرّح عن استعداده لخوض مواجهة عسكرية مع العديد من اللاعبين، وهو موقف خاسر، وتصريحاته حول قيامه بعملية عسكرية في إدلب ما هي إلا تصريحات جوفاء. فمحاربة دمشق تعني محاربة (موسكو وطهران) وهذا يعني لأردوغان مواجهة الهزيمة. فقد قد ينتج عنها الغاء أي اتفاقية تتعلق بالمصالح التركية في سورية. التي ستمتد تأثيرها على الوضع الليبي. فكما إدلب تشكل ليبيا ايضا صدعاً آخر في شراكة تركيا مع روسيا. فالعلاقات الاقتصادية بين تركيا وروسية تعتبر تجارة مربحة للغاية (محطة طاقة نووية، أسلحة، سياحة، خط أنابيب الغاز الروسي الجديد) لا تحتمل المخاطرة بها. كما أنّ وجود نقاط مراقبة تركية في العمق السوري، محاطة بمئات الجنود السوريين، من السهل أن يصبحوا رهائن لدى الحكومة السورية، فبقاؤهم هو دلالة للتردد التركي حول الزج بالجيش التركي لخوض حرب مع النظام السوري وحلفائه وترك فرصة لخصومه في الداخل التركي، ليحولوا هذا الصراع الى اتهام أردوغان بإشراك البلاد في صراع خطير. إلا أنّ تدخلها لا يخلو من الانخراط بشكل غير مباشر كالدعم اللوجستي والعسكري.

ارتباك أوروبي

سيلعب مسار الأحداث في إدلب دوراً أكثر الحاحاً على الدول الأوروبية، لجهة الحفاظ على أمنها ووحدتها. حيث يجد الأوروبيون أنفسهم على هامش التطورات الجارية، فلا أحد منهم على استعداد للمخاطرة لخوض صراع مع روسيا، سيّما عندما تكون تركيا متحالفة مع مقاتلين متطرفين على الأرض. فالمزاج السياسي لديها أصبح ينتقد تركيا بشكل متزايد، ولا سيما في تصرفات رئيسها، فقد أصبحوا يرون أنّ تركيا بدأت تنحرف عن القيم المشتركة بينهما نتيجة سياسة أردوغان في ليبيا وشرق المتوسط؛ هذه السياسة التي أصبحت بين المطرقة الروسية والسندان الأوروبي والعربي، والتي قد تؤدي إلى حدوث أخطاء تعود بنتائج كارثية لتركيا.

كما أنّ السياسة المستفزة للرئيس التركي للحصول على الدعم الأوروبي من خلال تهديدها بورقة اللاجئين، أصبحت مكشوفة ومحبطة لهذه الدول، حيث حصلت تركيا على بعض ما كانت تصبو إليه، ولا سيما من ألمانيا عند احتلالها لعفرين، وهي باتت تستخدم نفس التهديدات فيما يتعلق بليبيا، بحجة أنّ سقوط طرابلس يعني تدفق الآلاف إلى أوروبا هرباً من حفتر، وباتت إدلب الآن حديث أردوغان والتلويح من خلاله بفتح الحدود أمام اللاجئين للعبور إلى أوروبا ما لم يحصل على الدعم في سوريا، وهو تهديد سيتزايد، ولن يتوقف في إدلب فقط. لذا تحاول أوروبا عدم الوقوف في صفّ طرف ضد الآخر في هذه المعركة، و تحاول العمل مع الطرفين المتصارعين لتحفيز صفقة تنهي الهجوم العسكري، واحتواء التصعيد، منعاً لخلق موجة جديدة من اللاجئين نحوها، حيث اقترحت عقد اجتماع بين بوتين واردوغان وماكرون وميركل في الخامس من مارس القادم. وهي خطوة يراها العديد خطوة بعيدة عن الحل، ففي ظلّ هذه التطورات المتسارعة قد يتمّ الحسم العسكري قبل أن ينعد هذا الاجتماع، وبدأت دول أوربية بالبحث عن بدائل، كتحصين حدودها، حيث اقترحت اليونان بناء جدران عائمة في بحر إيجه لمنع تدفق قوارب المهاجرين.

مراوغة أمريكية

لا يزال من مصلحة الولايات المتحدة إنقاذ سوريا من مزيد من الكوارث، فهي وحدها من بين القوى العظمى يمكنها تحفيز استجابة دولية واسعة، وتعزيز المصالح المشتركة للشركاء، وتهميش دور الخصوم، كما يمكنها التعامل مع الروس استناداً إلى أهداف مشتركة.

فبقدر ما تتجاهل الولايات المتحدة مصلحتها العميقة في سوريا، إلا أنها لا تستطيع تجاهل ما لديها من شبكة من المصالح، وجميعها تتقاطع في سوريا، سواءً لوقف التمدد الإيراني، أو للحد من النفوذ الروسي، أو تحقيق الاستقرار في الحدود الأردنية، ولبنان. فسوريا تعتبر حيوية بالنسبة للولايات المتحدة. كما أنّ عودة الحياة إلى داعش في سورية هي تهديد للعراق أيضاً.

بالنسبة للولايات المتحدة فهي تتبع استراتيجية تتمثل بتعزيز نفوذها في أية مفاوضات حول مستقبل سوريا، ومن أهم جوانب نفوذها استخدام وجودها في شمال شرق سورية كمصدر قوة، بدلاً من المناطق الاخرى.

ويبدو أنّ ما يزعج تركيا هو وجود تحريض مباشر من قبل الولايات المتحدة على الاستمرار في حماية إدلب، لكن دون تقديم أيّ دعم فعلي لها، وهو ما أشارت إليه تصريحات المسؤولين الامريكيين حول دعم تركيا في إدلب، لتبدو الولايات المتحدة وكأنها لا تريد أن تسقط إدلب في أيدي الروس أو النظام السوري، أو وجود أي دور نشط لإيران فيها.

وفي الواقع فإنّ دعوة الممثل الخاص للولايات المتحدة “جيفري” إلى دعم تركيا في هذه المعركة هي دعوة تغلّفها الكثير من الشكوك، فعلى الرغم من ذهاب جيفري إلى أنقرة، ودعمه لحشد وتأييد الموقف التركي، إلّا أنّ مستشار الأمن القومي أوبراين أعلن أنّ الولايات المتحدة لن تتدخل إلى جانب حليفتها في الناتو، فأعضاء الحلف باتوا ينظرون إلى تركيا كحصان طروادة روسي بين صفوفه، بسبب شراكتهما وتقاربهما في الفترة الأخيرة، وما التصريحات الأمريكية إلا مراوغة لاستغلال  نقاط الاختلاف بين أنقرة وموسكو بحيث يؤدي الأمر إلى حدوث تباعد بينهما.

إلا أنّ هذا الدعم لن يتطور كما ترغبه تركيا، وهو ما تبين في عدم استجابة الولايات المتحدة للطلب التركي بنشر صواريخ باتريوت على حدودها الغربية، في إشارة إلى عدم لعب الدور الكبير في حل النزاعات السورية، فإنقاذ أي من الخصوم في إدلب إنما يضر بأولويات المصالح الأمريكية في المنطقة. وخاصة الاتفاق بينها وروسيا فيما يتعلق بالمجال الجوي في سورية (شرقه للولايات المتحدة وغربه لروسيا).

تأثير الأحداث على شمال شرق سوريا

كل ما يحصل في شمال غرب سوريا، سيكون له صدى في شمالها الشرقي أيضاً، وهو ما تتابعه الإدارة هناك بصمت، بهدف الاستفادة من التوازن في حال بلغ الخلاف الروسي- التركي أوجه.

كما يمكن لهذه الإدارة أن تحصل على فرصة جديدة للمناورة إذا استمر التصعيد في إدلب ووصل لدرجة انهيار الشراكة الروسية التركية، فمن المحتمل، عند التوصل إلى توافق سياسي بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية، أن تتعاون قوات سوريا الديمقراطية مع الجيش السوري في مواجهة تركيا، وهي فرصة لفتح جبهات جديدة انطلاقاً من منبج وتل رفعت نحو مناطق درع الفرات، وقد تستفيد قوات سورية الديمقراطية من التسهيلات التي قد تقدمها روسيا لها  في عملياتها ضد الجماعات المسلحة التابعة لتركيا في عفرين. كما يمكن أن تتطور الأمور نحو فتح جبهات في شرق الفرات أيضاً؛ في سري كانييه (رأس العين) و گري سپي (تل أبيض) في حال حدوث توتر كبير بين روسيا وتركيا، وحينها ستفقد تركيا قدرتها على التحرّك بأمان في سورية، ولا سيما أنّ المجال الجويّ السوري مغلق أمام الطائرات التركية.

ومن ناحية أخرى، فإنّ زيادة التصعيد في إدلب تضعف احتمالية أيّ هجوم تركي على كوباني بضوء أخضر روسي.

كما أنّ عملية “نبع السلام” أقنعت قوات سوريا الديمقراطية بأنّه من الخطأ الوثوق المطلق بالولايات المتحدة، فقد تواجه هذه القوات خطر تكرار سيناريو إدلب في شرق الفرات على حسابهم، وعليهم ألّا يتجاهلوا  روسيا في سبيل الوصول إلى تسوية سياسية، ويمكن تطبيق هذا التوازن من خلال فتح مساحة أكبر لروسيا دون قطع العلاقات مع الولايات المتحدة.

وفي الختام، لا بد من القول أنّ ما تعرف بالمعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، لم تدرك أنّ إدلب هي مجرد منطقة ضمن المناطق في اتفاقيات الدول الضامنة التي كانت ترعى مصالح النظام السوري، حيث باتت الأمور تصب في مصلحة الأخير، نتيجة حدوث تحول في أجندات تركيا، بعيدة عن مسار تلك المعارضة، فإدلب هي الحلقة الأخيرة من سلسلة تنازلاتها ونهاية الرهان الخاسر للمعارضة، نتيجة سياسة داعميها (تركيا). فسقوط إدلب هو الصفعة الكبرى والأخيرة للمعارضة ،بشكل خاص، وليس لتركيا، التي استغلت هذه المعارضة للعب  على حبال صراع النفوذ بين القوى الكبرى في سورية وخارجها. فخسارة دورها المؤثر ونفوذها القوي في سوريا لا يعني أنها لم تحقق الجزء الاكبر من أهدافها فيها، كالحصول على المتمردين في حربها ضد الكرد في شمال شرق سوريا، وإرسالهم لخوض حروبها في الخارج كليبيا، والعمل مع روسيا من خلال الحصول على معدات عسكرية، مثل S-400 واتفاقيات تجارية، مقابل بيع ما تبقى من المعارضة السورية على الأرض.

والآن بعدما انجزت تركيا مهمتها في گري سپي (تل أبيض) وسري كانييه (رأس العين)، فهي ترغب في نقل مقاتليها من السوريين إلى ليبيا وإبعادهم عن إدلب، فالهدف التركي يفرض عليها قطع آلاف الأميال للحصول على الكعكة الكبيرة في إفريقيا (ليبيا)، الأمر الذي أثار رغبة روسيا والنظام السوري بالتوائم مع هذه الأجندات التركية، فالنفعية السياسية والواقعية والهدف المشترك هو من مقومات هذا التعاون.