واشنطن وموسكو.. من التفاهم في غرب الفرات إلى المواجهة في شرقه

للنشر

لم يعد خافياً على أحد دور الولايات المتحدة وروسيا كطرفين متصارعين في أي نزاع بالرغم من تعدد القوى الأخرى المشاركة فيه. لكن حالة العداء أساساً تدور بين هذين الخصمين عبر وكلائهم، وقد شهدت العلاقات بينهما صراع وتحالف وتنافس وشراكة.

وفي سوريا، يبدو التنافس بينهما لا يختلف عن أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ورغم تعارض الأهداف لكن الاتفاق كان بتجنب أي صدام عسكري بينهما.

أما في شرق الفرات يبدو أن المعادلة اختلفت في الآونة الأخيرة، فقد تتحول إلى صِدام عسكري، وتعود أسبابه إلى التفاوت والاختلاف في النوايا، فروسيا تسعى لسحب ذريعة التدخل الأمريكي بالقضاء على الجماعات الارهابية واستغلال الفرصة لتوسيع نفوذها في المكان بحجة بسط السيادة السورية على الحدود السورية الشمالية الشرقية، وفي المقابل الولايات المتحدة تسعى لخلق أهداف واستراتيجيات أخرى، لمنع هذا التمدد وتمكين وجودها، بدأت بمسمى ” داعش أولاً ” وحالياً ” تأمين النفط ” بذريعة منع سيطرة الجماعات الإرهابية عليها.

لكن أياً من الطرفين لم يلتزم بقسمته بل أصبح مُصراً على إخراج الآخر من هذا المكان، بدأت ملامحه بتصادم بين دورياتهما واشهار السلاح بين جنودها، ولا يدري أحدٌ كيف وأين تنتهي، مما ينذر لمشاكل أخطر إن تطورت، فتواجدهما في نفس المكان، أمر غير مقبول لأي منهما. فالانقسامات الحاصلة في سورية، وضعت القوات الأمريكية مع حلفائها في الصدارة في شرق الفرات، أي أن الوجود الروسي في هذه المنطقة كان من الأمور الشبه مستحيلة. ومع التغيير الحاصل في الآونة الأخيرة والانتشار الروسي في شرق الفرات، بدأت بالعمل على سحب هذه الصدارة وتحويل المكان من محمية أمريكية إلى محمية روسية، وبذلك أصبحت المنطقة مسرحاً لمشهد جديد بين لاعبين جدد وهم الولايات المتحدة وروسيا بعدما كان الحديث حول تركيا والكرد. ويمكن قراءة وتحليل تطور المشهد كالتالي :

من التفاهم إلى التصادم

منذ بدء الحرب السورية، وجدت الكثير من القوة الإقليمية تدخلها في الساحة الساخنة، فرصة لحل النزاع بينها وبين الخصم، فآلية الحد من خطر التصعيد أو المواجهة الغير مقصودة، كان المفتاح لحل النزاعات الاعتيادية بينها. فكانت البداية بين الولايات المتحدة وروسيا حول أشكال محددة من التعاون بينهما، تهدف للتقليل من خطر التصعيد والحوادث الغير مقصودة لمنع التصادم، وهو ما شجع لاعبون آخرون لاتخاذ اجراءات مماثلة، كإسرائيل وتركيا. إلا أن مثل هذه التفاهمات هي جزء من السياسة الاضطرارية وتتطلب بعض الثقة، يسعى كل من الطرفين لتجنب حادث أكبر ربما تؤدي لحوادث مباشرة، لكن هذه التفاهمات لم تخلو من بعض الحركات الاستفزازية لأسباب متعددة كاختبار لرد الفعل.

ففي كثير من الأحيان سَعَت روسيا لمناورات خطرة كان الهدف منها اختبار رد فعل واشنطن، فالأحداث التي جرت في دير الزور. في صيف عام 2017 ومع فصل مناطق السيطرة في نهر الفرات للسيطرة بين النظام السوري المدعوم من روسيا في غربه، وقوات سورية الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في شرقه. بدأت قوات النظام والروس بالرغبة للسيطرة نحو شرق الفرات، مما شكل شرارة فك الارتباط وخلق موجة مخاطر جديدة، حيث هاجمت قوات موالية للنظام بلدة تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية في جنوب مدينة الطبقة، ورداً على ذلك أجرى قوات التحالف عرضاً للقوة بطائراته، كما وبحسب تصريحاتهم اتصلوا مع نظرائهم الروس للتراجع، الذين لم يلبوا ندائها بإيقاف الهجوم، مما حرض الولايات المتحدة بإسقاط طائرة تابعة للجيش السوري التي كانت تقصف هذا الموقع.

وتلتها حالات اختراق كثيرة للمقاتلات السورية والروسية للأجواء في شرق الفرات، الأمر الذي تساءلت الولايات المتحدة حوله؛ هذه الاستفزازات هل هي اختبار للرد الأمريكي أم مجرد أخطاء؟

وبعد مرور عامين تقريباً على هذه الاستفزازات والخروقات التي تطورت إلى مقتل العشرات من المقاتلين. تأتي هذه المواجهات من جديد في شرق الفرات عقب قرار الرئيس الامريكي بالانسحاب من سوريا. حيث بدأت روسيا باختبار رد فعل الولايات المتحدة وحلفائها. مما أنذر بخطوات أكثر خطورة ومشكلة أكثر تعقيداً مما سبق في شرق الفرات، فقد أصبح المكان مضغوطاً بشكل أكبر مما هو عليه من تدخل تركي واحتجاز لمعتقلي التنظيم وخلاياه النائمة في المدن والانسحاب الجزئي للقوات الامريكية من شرق الفرات. وتعقّد بشكل أكبر مع انتشار القوات الروسية في المكان وانشاء قواعد عسكرية ومراكز دعم رئيسي لسلاحها الجوي لحماية دورياتها الجديدة. قابلته الولايات المتحدة بإعادة تموضعها في المكان للانتقال من مرحلة قتال داعش إلى تأمين مصادر الطاقة، وتسيير دوريات في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية والغنية بالنفط.

لكن التصعيد الروسي وانتشاره وتنقله في بعض مناطق شرق الفرات بحسب مسؤولين أمريكيين وصل لدرجة تهديد دورياتها ومصالحها في المكان ترتب عليها مناوشات بين الدوريات الامريكية والروسية، كما وصفوا هذه الأحداث بأنها تأتي في سلسلة رغبة موسكو لاختبار العزم الأمريكي بالبقاء في المنطقة (شرق الفرات)، وهذا ما صرح به الجنرال غرينيكويش، قائد قوة المهام المشتركة في الحرب ضد داعش، “أعتقد أن الروس يختبروننا دائماً، ونطلب منهم عدم اتخاذ أي اجراء استفزازي والالتزام بالبروتوكولات”.

السباق نحو حقول النفط

أصبح واضحاً الصراع المكبوت بين القوتين، لامتلاك أهم وأربح ورقة كسبيل للتفاوض على مستقبل الحل السياسي في سوريا، ولتبدو صاحبة النفوذ الأكبر فيها. فشرق الفرات يدر النسبة الأكبر من انتاج سورية النفطي، كون عائداتها سيثبت الحل السياسي ويساهم في إعادة الإعمار بالنسبة للطرفين.

وعلى الرغم من انسحاب الولايات المتحدة من بعض مواقع شرق الفرات، إلا أنها ركزت على حقول النفط والغاز، وهذا الانسحاب أدى الى تفاهم بين قوات سوريا الديمقراطية حلفاء “واشنطن” مع الجيشين الروسي والسوري، الأمر الذي سارع في انتشار قوات الأخيرين في شرق الفرات للتقرب بشكل أكثر من هذه الحقول والاتفاق مع القوة المحلية المسيطرة عليه. كما واجهت روسيا سيطرة الولايات المتحدة على حقول النفط والغاز، ضمن مناطق الادارة الذاتية، عبر الحصول على موافقة البرلمان السوري على عقود لصفقات النفط والغاز مع شركتين روسيتين، مما أدى الى تسريع الخلاف حول هذا الجزء من البلاد، فالجانبان بدآ يرغبان الآن في توسيع نفوذهما في المنطقة.

فالإصرار الروسي للوصول إلى المناطق النفطية والمعابر الحدودية مع العراق في شرق الفرات، قابله إصرار أمريكي لمنعه، مما زاد خطر المواجهة لمناوشات واستفزازات غير مقصودة، قد تتحول من مواجهة بالوكالة إلى مواجهة مباشرة في شرق الفرات. حيث بدأت الولايات المتحدة بتسيير دوريات عسكرية أمريكية على الطريق الدولي الرابط بين بلدة تل تمر والقامشلي، الهدف منها منع القوات الروسية من الوصول إلى المناطق النفطية. وتكررت العديد من المحاولات التي تصادمت فيها هذه الدوريات مع  بعضها، تحولت إلى مشادة كلامية وفي بعض الأحيان إلى حالات من الشجار.

إعادة تموضع وتمكين للنفوذ

التحركات الروسية الأخيرة في شرق الفرات، تؤكد تخطيطها لوجود طويل الأجل، لذا فهي تجد أن العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية أمر مهم بشكل خاص كونها تخضع للسيطرة الفعلية لديهم، فالضغوطات التي تمارس على الولايات المتحدة وقرار انسحابها من المنطقة، عزز رغبة روسيا بدفع كامل توجهها نحو المنطقة، واظهار نفسها كبديل لهذه القوات (الأمريكية)، فالقواعد الروسية وانتشارها والأسلحة وجلب أنظمة مضاد جوي متطور إلى مطار القامشلي، تظهر تحركاً روسياً جديداً لبناء نفوذ إضافي وثابت في سوريا، الأمر الذي يترك آثاره على المنطقة بأكملها بما فيها المصالح الأمريكية، مما آثار حفيظة الولايات المتحدة، حيث بدأت هي الأخيرة بتحركات مشابهة، عبر زيادة عدد جنودها وجلب المزيد من الأسلحة، وتوسيع قواعدها العسكرية، لتبدو كرسالة واضحة للروس بثبات وجودها وقطع كافة السبل أمامهم للوصول إلى هذه المواقع أو اخراجهم منها.

خيارات الإدارة الذاتية

هذه المشاكل حتى وإن يراها البعض صغيرة، إلا إنها خطيرة لدرجة عدم وضوح أي تقدم سياسي مستقر أو تجنب جولة أخرى من القتال في شرق الفرات، كما من غير الواضح أن الولايات المتحدة ستحتفظ بوجودها وفعاليتها وحفاظها على المصالح التي تحتاجها المنطقة، ومساعدتها على معالجتها. كون العديد من الاخفاقات هي نتيجة لوضع أهداف غير واقعية ومبالغ فيها، وتفتقر للاستمرارية، مما يزيد من الشكوك في أفعالها، فالمناوشات الأمريكية مع القوات الروسية، وقطع الطرقات عليها، وجلب الأسلحة ما هي إلا أهداف غامضة وغير واضحة لأحد وحتى لنفسها. أما بالنسبة لروسيا فهي أيضاً تستغل الارتباك الحاصل للإدارة الذاتية في شرق الفرات نتيجة القرار الأمريكي بالانسحاب والهجوم التركي، لإقناعهم بالجلوس مع دمشق والتفاوض الذي لم يسفر حتى الآن عن أية نتائج ملموسة تضمن حقهم، بالرغم من وجود الضامن الروسي؛ الحليف القوي للنظام السوري.

في هذه الحالة تحتاج هذه القِوى إلى أفعال أخرى لثبت وجودها وتنال مصداقية أمام حلفائها أو ضامنيها في شرق الفرات نذكر منها:

  • تقديم الدعم السياسي والمدني الذي يساعد الإدارة الذاتية في الحفاظ على مكاسبها، وضرورة اقناعها بأنها تتصرف وفقاً لمصالح هذه الإدارة وليس لمصلحة هذه القوى.
  • دعم هذه الإدارة في تحقيق أهدافها. ومعالجة المشاكل والمخاوف التي تشعر بها.
  • التعامل مع المنطقة كهدف استراتيجي ورئيسي طويل الأمد بالنسبة لها، ووضع استراتيجية واضحة وكبيرة للتركيز على مشاكل المنطقة وساكنيها، ومعالجتها بأسرع وقت.
  • الدعم الأمني بما يحقق الاستقرار والأمن الداخلي، وانشاء مستويات كافية للردع والدفع لخلق قوة محلية مناسبة وقادرة على الدفاع عن نفسها دون أية مساعدة خارجية.
  • خلق أرضية قوية ومناسبة للتفاوض مع الحكومة المركزية والجلوس مع الطرفين للوصول إلى حلول ترضي الاثنين.

أخيراً يمكن القول بأن هذه التطورات قد أفرزت واقع جديد للعلاقة بين الادارة الذاتية وباقي القوى تقوم على تضارب في الأولويات وافتراق في الأهداف، فثمة ملامح جديدة ترسم على ضفاف الفرات، سيكون الامتحان الأصعب لعلاقتها مع الأطراف. ويبقى سيناريو التوافق بين القوى الكبرى هو الأنسب للجميع، إن كانت لصالح المنطقة؛ خاصة أن مثل هذا التوجه ينسجم مع السلوك الروسي والأمريكي، يكون الأساس لشكل الحل السياسي في سورية بشكل عام وشمال شرقها بشكل خاص بما يحقق أهدافها المذكورة أعلاه.