“ماذا عن الكرد؟!”

للنشر

ترجمة: جوان شكاكي 

14 يناير/كانون الثاني 2019

المصدر: 21st Century Wire

لا يمتلك الأمريكيون أي فكرة عن هوية “الكرد” وكيفية وصولهم إلى مصاف السياسة الخارجية الأمريكية. إن فهم سياساتهم وتاريخهم لهو أمر أساسي لدى فهم دوافع تركيا الأعمق في سوريا.

فعلها دونالد ترامب مرة أخرى، وقام عبر هاتفه الذكي بإطلاق تغريدة فاجأ العالم مع انتشار خبر انسحاب القوات الأمريكية من سوريا (19 ديسمبر/كانون الأول 2018). بدلاً من الفرح والسعادة الكونية، نشأ الخوف والقلق في جميع أنحاء العالم – وتردد على مسامع الجميع السؤال التالي: ماذا عن الكرد؟!؟

وفي نهاية المطاف منح الرئيس دونالد ترامب البنتاغون مهلة أربعة أشهر لسحب ما يقارب من 2000 من العسكريين المتمركزين في سوريا، وفق ما نقله مسؤولو الإدارة الأمريكية.

دعم الكرد: جورج دبليو بوش وبيل كلينتون

كانت عاصفة التغريدة التي أطلقها ترامب هائجة للغاية، وإن كانت مربكة، مضطربة ومشوشة في أقصى درجاتها. وكانت الرسالة الوحيدة التي ظهرت هي تجريد الكرد الذين كانوا الشريك الأكثر فعالية في ساحة المعركة ضد داعش في شمال وشرق سوريا من الحماية فجأة، حيث باتوا معرضين للذبح والقتل على يد جزارين أتراك خونة يقودهم الرئيس الشرير نفسه – رجب طيب أردوغان، مؤسس وزعيم حزب العدالة والتنمية، وأول رئيس منتخب في تركيا منذ العام (2014).

لقد كانت علاقة الغرب مع الكرد قوية منذ عقود طويلة. في القرن الماضي، أطلق صدام حسين (1937-2006) ما يسمى بحملة الأنفال (23 فبراير/شباط – 6 سبتمبر/أيلول 1988) في المراحل الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، بهدف اتباع سياسة “الرعب الممنهج و إبادة السكان الكرد في شمال العراق. . . من خلال اختبار أسلحته الكيميائية والبيولوجية”، وفق ما نشرته وزارة الخارجية الأمريكية في 13 مارس/آذار 2003. وقالت وزارة الخارجية خلال فترة ولاية كولن باول أن ما مجموعه 40 قرية كردية تعرضت لهجمات كيماوية في تلك الفترة مع التركيز بشكل أساسي على حالة حلبجة (16 آذار 1988). واستشهدت نشرة الدعاية المقتبسة بقول أستاذة علم الوراثة الطبية بجامعة ليفربول كريستين غوسدن بقولها إنه في أعقاب الهجمات، دخل الجنود العراقيون الذين يحملون “بدلات كيميائية حيوية” القرية ليتأكدوا من عدد القتلى والناجين. في أغسطس/آب 1988، هرب العديد من الكرد العراقيين المهددين إلى تركيا فارين من “موت محقق” على يد الرجل العراقي وقواته المسلحة – “لقد فرّ ما يقارب من 70 ألف منهم من أجل إنقاذ حياتهم وتم زجهم في ثلاث معسكرات منفصلة عن بعضها البعض في جنوب شرق تركيا”. بهذه الطريقة بدا اسم الكرد مألوفاً لدى الغرب. بعد بضع سنوات، وفي أعقاب عملية عاصفة الصحراء (17 يناير/كانون الثاني – 28 فبراير/شباط 1991) التي أطلقها جورج بوش الأب (1924-2018 ، الذي حكم في الفترة 1989-1993)، فقد تجمع أكثر من مليون لاجئ كردي على الحدود مع تركيا وإيران حسبما رواه المصور المحترف ريتشارد وايمان لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC). وكان هؤلاء الكرد العراقيون قد انتفضوا ضد بغداد في أعقاب الرئيس بوش. وبدلاً من تقديم بوش الدعم العسكري وما شابه ذلك للمتمردين الشيعة في الجنوب أو الكرد في الشمال، كان يطلق كلمات وعبارات فارغة وجوفاء. لقد أُجبر الكرد في الشمال مرة أخرى على الفرار باتجاه تركيا وإيران، مات الكثير منهم في الجبال قبل أن تقوم قوات التحالف بإنشاء ملاذات آمنة على الجانب العراقي من الحدود الأمر الذي أدى إلى الشعور ببعض الراحة وسط محنتهم. قامت قوات صدام حسين بقمع الانتفاضة، مما أسفر عن مقتل حوالي 30 ألف شخص. وانتهى المطاف بأكثر من 70 ألف شيعي عراقي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية المجاورة. لقد قالت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أنه بحلول منتصف أبريل/نيسان 1991، وصل حوالي مليون لاجئ عراقي إلى إيران. في حين أنه في الشمال، انتهى المطاف بجحافل من كرد العراق الذين بلغ عددهم أكثر من نصف مليون، بالتجمع على المنحدرات المغطاة بالثلوج على الحدود مع تركيا.  

نتيجة لذلك، نجح جورج بوش الأب وحرب الخليج الأولى في وضع الكرد العراقيين في مقدمة الكثير من نشرات الأخبار وتحويل الكرد شيئاً فشيئاً إلى أبطال حقيقيين بالنسبة للغرب، خاصة الاهتمام الدولي الذي تلقاه كرد العراق بعد هجرتهم المأساوية من قبل صدام في أبريل/نيسان 1991، كما عبّر عنها البروفسور الدكتور مايكل م. غانتر. في نهاية المطاف، كان قمع حكومة بغداد لسكانها الكرد في الشمال من أجل إقامة دولة أمر الواقع وحكومة تحت حماية قوات الحلفاء المتمركزة في جنوب شرق تركيا وقرار مجلس الأمن 688 الصادر في 5 أبريل/نيسان 1991 – دولة الأمر الواقع التي بدأت رسمياً في 4 أكتوبر/تشرين الأول 1992، عندما دعا البرلمان الكردي (الذي تشكل بعد الانتخابات التي أجريت في 19 مايو/أيار) إلى “إنشاء دولة كردستان الموحدة في الجزء المحرّر من البلاد”، وفي الوقت نفسه الالتزام بالسلامة الإقليمية للجمهورية العراقية (أو بعثية العراق بقيادة صدام وأعوانه). وبعد سنوات عديدة، حاولت حكومة إقليم كردستان المتردّدة المضي قدماً داعيةً إلى إجراء استفتاء شعبي حول مسألة الاستقلال في 25 سبتمبر/أيلول 2017. لكن وللأسف، على الرغم من المكانة الدولية لكرد العراق، فإن الاعتبارات الإقليمية والسياسية الأخرى قضت على الجهود وهي في المهد.

تركيا والكرد

بات العالم وبطريقة غير مباشرة، على دراية كاملة بـ”الكرد” من خلال صدام وأعماله الخسيسة وباتوا أعزاء على قلوبهم.  

على سبيل المثال، في يناير/كانون الثاني 1993، كتب الرئيس الأميركي الجديد كلينتون (1993-2001) الذي كان قد عُيّن حديثاً آنذاك للسيناتور هاري ريد يقول: “أستطيع أن أؤكد أن حكومتي لن تدير ظهرها للكرد”، مشيراً إلى أن دعم الكرد هي قضية أساسية في السياسة الأمريكية. إن هذا الدعم الدولي لكرد شمال العراق، لم يكن يعني أن الكرد أنفسهم كانوا يؤيدون بعضهم البعض في تلك الفترة، ففي 4 أكتوبر/تشرين الأول 1992، تحديداً في اليوم الذي أصبحت فيه حكومة إقليم كردستان دولة الأمر الواقع، بدأ كرد العراق بشن عمليات عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي كان يقاتل الدولة التركية المجاورة منذ عام 1984.

إن الكرد، بوصفهم “أمة” أو مجموعة سكانية عرقية تشترك في “إرث غني من الذكريات”، يسكنون أراضي مجموعة متنوعة من الدول القومية الأخرى – سوريا وتركيا والعراق وإيران. وهذا هو جوهر القضية الكردية بالفعل. كما الفلسطينيين والكشميريين أو التاميل، يشكل الكرد أمة بدون دولة قومية خاصة بها. في هذا السياق، يشرح بسام مورو من وكالة أسوشييتد برس أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1940-1945)، تم تأسيس دولة كردية بدعم من الاتحاد السوفيتي في مهاباد شمال إيران في يناير/كانون الثاني 1947، لكنها سرعان ما انهارت بعد 11 شهراً من تأسيسها. ومنذ القرن التاسع عشر، كان النظام الدولي عبارة عن سيمفونية متناغمة من الدول القومية. ولكن على عكس الكيانات الأخرى التي لا جنسية لها، فإن الكرد مطمئنون من ناحية دعم الجمهور الغربي، رغم أن الاستفتاء الأخير في شمال العراق أثبت أن الدعم المفتوح يمكن أن يذهب أدراج الرياح.

في سياق التوقّعات الكردية من أجل وطن ملائم واعتراف ثقافي، فإن حالة تركيا رمزية ليس إلا.  

سياسة التحول السني: الكرد وشراسة السلطان سليم

ولهذا السبب، يتم ذكر اسم كل من الأتراك والكرد في كثير من الأحيان في نفس الوقت – حيث يلعب الأخير دور المستضعف والمقموع، ويبقى الأول الظالم المتوحش والطاغية المتسلط. لكن يتشارك كل من الشعبين الكردي والتركي نفس المكان ولقرون – “لأربعمائة سنة وأكثر”، كما يصف الدكتور كريستوفر هيوستن، الخبير في شؤون جنوب آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. ويتبين من خلال جولة في تركيا أن السلطان سليم الأول (1512-1520)، المعروف باسم يافوز باللغة التركية، والشرس بالانكليزية، كان قد أقام تحالفاً بين الكرد والأتراك، وهو تحالف يرونه الكثيرون على أنه يتمتع بقدر من الحيوية بحيث يمكن تطبيقه اليوم كما كان في ذلك الوقت. اعتلى سليم العرش في عام 1512، وبدأ على الفور بحملة ضد “الموروث الشيعة في شرقي الأناضول”. في تلك المرحلة، ظهر عدو جديد في الشرق – السلالة الصفوية (1501-1722)، التي أنشأها رسمياً شاه اسماعيل الذي توج في مدينة تبريز. انبثق الصفويون من الحركة الصوفية أو من الإخوان المعروفين باسم الصفوية، في إشارة إلى مؤسسه، المتصوف صفي الدين أردبيلي (1252-1334). نجح شاه اسماعيل في ترسيخ حكمه على كامل إيران في غضون عقد من الزمن، وكان معروفاً بأنه “حاكم شيعي متعصب”، فقد حوّل الأراضي الواقعة في الشرق والتي استعادها من العثمانيين إلى معقل حقيقي للإسلام الشيعي، سياسةٌ أدت إلى حقيقة أن أكثر من ثلث المسلمين الشيعة في العالم يعيشون اليوم في إيران. بالنتيجة، شكل الصفويون في أوائل القرن السادس عشر تهديداً دينياً وسياسياً مباشراً للعثمانيين في الغرب. وكردّ فعل، قام السلطان سليم بتحويل نظام حكمه إلى رائد الإسلام السني، كما تدعي إيرين بيلديسينو – ستاينهير في مقالها الكلاسيكي عام 1975. ونتيجة لذلك، لم يبدِ العثمانيون أي رحمة، وبوصوله إلى العرش، بدأ السلطان سليم بحملة ضد المؤمنين من غير السنة في عالمه (الذي يمكن أن يشكل طابوراً خامساً)، مما أدى إلى مقتل 70 ألف من معتنقي العلوية من بين القبائل التركمانية والكردية الموجودة في شرق وجنوب شرقي الأناضول.

في الحقيقة، قبل أكثر من خمس سنوات بقليل، شغلت هذه الحادثة التي اعتبرت مجزرة دموية وقعت قبل نحو 500 عام من الآن، الرأي العام في تركيا. في يوم الأربعاء 29 مايو/أيار 2013، أقيم احتفال رائد لبناء جسر ثالث عبر مضيق البوسفور في اسطنبول، وقد أطلق عليه اسم “يافوز سلطان سليم”. في تلك الفترة، كان المجتمع العلوي التركي (وهي مجموعة مسلمة تلتزم بنظام عقيدة غير تقليدي ولا ينبغي الخلط بينهم وبين عقيدة العلويين في سوريا) المؤلف من حوالي 15 إلى 20 مليون نسمة، غاضباً. بالإضافة إلى ذلك، فقد أعلن النائب عن حزب الشعب الجمهوري من ولاية تونجيلي (التي كانت تعرف في السابق باسم “ديرسم” والذي يسكنه الكرد في المقام الأول ويطلقون على أنفسهم تسمية “زازا” ويعتنقون المذهب العلوي)، حسين أيغون أن “تسمية السلطان سليم لجسر كبير ليس سوى صب الزيت على النار وافتعال الأزمة بين الأخوة السنة والعلويين في تركيا.” وهذا ما أسميته في البداية بعملية “التحول السني”. وقد فعل الرئيس ورجاله في حزب العدالة والتنمية الشيء نفسه مع الكرد، وكانت مرجعيته مرة أخرى السلطان سليم، ولأسباب واضحة، كونه كان واحداً من السلاطين العثمانيين المفضلين لدى أردوغان الذي زاره في قبره في يوم الاستفتاء الدستوري التركي الذي أصبح فيه أول رئيس مطلق الصلاحيات في تركيا في 16 أبريل/نيسان 2017. بعد قمع السلطان سليم للشيعة، شرع في مواجهة شاه اسماعيل، والتقت الجيوش العثمانية والصفوية في معركة تشالديران في 23 أغسطس/آب 1514 – التي تقع في منتصف الطريق بين أرزنجان وتبريز. هُزم شاه اسماعيل ودخل السلطان سليم مدينة تبريز في 6 سبتمبر/أيلول، لكنه أُجبر على الرحيل في الخامس عشر من الشهر ذاته. في أعقاب معركة تشالديران، ضم السلطان سليم مناطق تمتد من أرزروم في الشمال إلى ديار بكر (هكذا كانت تُعرف منذ غزوها من قبل قبيلة عربية تعرف باسم بني بكر، ثم أعيد تسميتها بـ”دياربكر” من قبل أتاتورك نفسه في عام 1937) في الجنوب، وبذلك أصبح العثمانيون وجهاً لوجه مع الكرد. استخدم السلطان سليم العالم البارز ادريس البدليسي (1455-1520) كوسيط في “اتفاقيات ومعاهدات” مع مختلف زعماء القبائل من أجل ضمان ولاء الزعماء الكرد لما بات يُعرف الآن باسم “جنوب شرق الأناضول وشمال العراق” كما صاغها المؤرخ العثماني البارز الدكتور كولين إمبر. ونتيجة للوفاق العثماني الكردي، تمكن الكرد من الاحتفاظ بأراضيهم بحكم سلطة الأمر الواقع (مع استمرار بعض رؤساء القبائل في صك نقودهم الخاصة). يصف كريستوفر هيوستن الوضع على النحو التالي: “كانت المقاطعات الكردية نموذجاً استثنائياً للنمط الإداري النموذجي والمركزي للغاية” الذي اتبعه العثمانيون.

“أسطورة” الاتفاق هذه بين السلطان سليم (كبديل لـ “الأتراك”) و “الكرد” من خلال الوسيط ادريس البدليسي لا تزال تتمتع بانتشار كبير في تركيا اليوم. كان البدليسي كـ “ممثل عثماني غير رسمي” مفاوضاً بارعاً، حيث تمكن من انتزاع أفضل الصفقات لكلا الطرفين: فقد تمكن من إقناع “الشخصيات الكردية البارزة بالانضمام إلى صفوف العثمانيين وبالعكس. . . حاول طمأنة المحكمة العثمانية حول مصداقية الكرد كحلفاء”، كما قال طالب الدراسات العليا إبرو سونمز الذي كان على دراية جيدة بقضية ادريس البدليسي. المهم في هذا السياق هو حقيقة أن البدليسي فرض نفسه أيضاً كشخصية دينية عظيمة، والذي يعرّف نفسه على أنه “شخصية فقيرة تذرف الدموع محبة في الله” وقد عرّف نفسه أيضاً على أنه “رسول” أو “داعية” للدين الإسلامي. نتيجة لما سبق، يبدو من المؤكد أن الحجة الدينية، أو بالأحرى نداءات التضامن السني في مواجهة هرطقة الشيعة، لعبت دوراً رئيسياً في عملية التفاوض.

انضمت القبائل الكردية السنية التي كانت تعيش في الأراضي الحدودية الواقعة بين العثمانيين والصفويين إلى العثمانيين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبطالاً سنّة. بعد معالجة التهديد الشيعي الصفوي، حوّل السلطان سليم اهتمامه نحو المماليك في الجنوب. المنافسة على السلطة التي أدت إلى تعزيز أكبر للشرعية الإسلامية العثمانية خلال فترة حكمه القصيرة، هزم أيضاً الشرق الأوسط العربي كله والمماليك، وبالتالي ضمن السيطرة العثمانية على الحرمين (مكة المكرمة والمدينة المنورة). أدى رعاية العثمانيين للخلفاء العباسيين الأوائل إلى مطالبة العثمانيين بالخلافة. مع التقدم السريع في القرن الحادي والعشرين، قام الرئيس وأعوانه في حزب العدالة والتنمية بتطبيق سياسة “التحول السني”، تلك السياسة التي منحت الكرد لعب دور هام في تنفيذ مخططهم العام المتعلق بالبلاد. بالعودة إلى الأيام العثمانية، لقد شكلت المناطق الكردية التي كانت بعيدة كل البعد عن اسطنبول ومركز الجاذبية العثمانية في الأناضول، “محافظات حدودية حيوية بالنسبة للإمبراطورية”. استمر هذا الوضع في الحقبة الجمهورية أيضاً: في “أوائل القرن العشرين، كانت الأناضول موطناً للجماعات الإسلامية المتغايرة عرقياً. . . فبالإضافة إلى الغالبية العظمى من المسلمين الأتراك، كان هناك كرد، عرب، لاز، جورجيون مسلمون، مسلمون يتحدثون اليونانية، ألبان، مقدونيون مسلمون، بوماك، صربيون مسلمون، بوسنيون مسلمون، تتار، شركس، أبخاز، داغستان وغيرهم”. إن سياسة “التتريك” التي تم اتباعها في العقود الأولى من تأسيس الجمهورية، كانت تعني أن هذه المجموعات العرقية الفرعية المختلفة قد اندمجت مع التيار السائد في تركيا في الوقت المحدد”.

كردستان، الجنوب الشرقي و”روجآفا”، ماذا يحمل الاسم في طياته؟   

إن الكرد الذين يعيشون في المنطقة الجنوبية الشرقية النائية (وهي الطريقة التركية للدلالة على “كردستان” دون استخدام الاسم نفسه) من تركيا، يشكلون الاستثناء الوحيد في جهود “التتريك” المذكورة أعلاه، حيث لم يتم إدراج المجموعة العرقية في التيار الرئيسي التركي، حيث لا تزال تستخدم لغتها الخاصة لدرجة أنهم غير قادرين على تحدث أو فهم اللغة التركية. إن الغالبية العظمى من الكرد الذين يعيشون في تركيا هم من المسلمين السنة، وهذا أمر مهم لأن الحكم في الجمهورية التركية في القرن الواحد والعشرين بات “يتخذ مساراً إسلامياً واضحاً”. في مايو/أيار 2015، وعلى سبيل المثال لا الحصر، خاطب طيب أردوغان حشداً غفيراً في مدينة شانلي أورفا الجنوبية الشرقية، الولاية التي يسكنها خليط من الكرد والعرب والتركمان. خاطب أردوغان جمهوره الأسير قائلاً إن أعز أمنياته هي “سيجعل الله وحدتنا وتعاوننا يدوم إلى الأبد”. في أوائل يناير/كانون الثاني 2016، وأثناء اجتماع للمخاتير في العاصمة أنقرة، عبّر الرئيس عن مشاعره على النحو التالي: “إن ربنا يجعل وحدتنا وتعاوننا يدوم إلى الأبد. ماذا نقول بعد ذلك؟ سنكون واحداً، سنكون أقوياء، سنكون إخوة، سنكون جميعا تركيا.” قلت حينها إن “قيادة حزب العدالة والتنمية ما هي إلا . . . محاولة إعادة تعريف لمفهوم الوحدة التركية (أو المواطنة التركية، إن صح التعبير) كما شاء الله، كحالة من الوحدة والعمل المشترك اللذان يرتكزان على الإيمان المشترك. وهذا يعني أن مواطني تركيا الجديدة سيعلنون ولائهم المشترك للدين الإسلامي ومبادئ الرسول”. وفي هذا السياق، تهدف أنقرة التي يقودها حزب العدالة والتنمية إلى دمج الأقلية الكردية بالكامل ضمن التيار الرئيسي في البلاد.  

آبو والكرد: من الماركسية-اللينينية إلى البلديات التحررية  

الرابط العضوي بين حزب العمال الكردستاني (PKK) في تركيا وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في سوريا تعني أن غضب الرئيس ضد الكرد في تركيا يمكن أن ينتقل بسهولة إلى إخوانهم في جنوب البلاد، حيث تصر تركيا على أن حزب العمال الكردستاني، حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع الإيراني المتمثل بحزب الحياة الحرة الكردستانية (PJAK) وجناحه العسكري وحدات حماية شرق كردستان (YRK)، جميعها في خانة واحدة، مدعياً أن الاختلافات في الأسماء ما هي إلا محاولة لإخفاء دور حزب العمال الكردستاني في سوريا وإيران. يعارض العديد من أنصار الكرد هذه الادعاءات، لكن تبقى الحقيقة أنه يتقاسم كل من حزب العمال الكردستاني وكذلك حزب الاتحاد الديمقراطي على حد سواء فكر “البلديات التحررية” التي طورها المفكر الاشتراكي التحرري موراي بوكشين (1921-2006) في محاولة لخلق مجتمع قائم على الحرية والمساواة والديمقراطية الحقيقية – وهي عبارة عن “أيديولوجيا، وجهة نظر عالمية، رؤية” يوحد الكرد في مواجهة ردة الفعل الأوتوقراطي أو الإسلامي. وقد تم تعميم هذه الأفكار إلى حد كبير بين الكرد في سوريا وتركيا من قبل زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون منذ عام 1999 عبد الله أوجلان (المعروف شعبياً باسم آبو).

بدأ آبو حركته على مبدأ الماركسية-اللينينية الصارمة، ووقف في وجه القمع الاستعماري التركي وقاتل من أجل إقامة كردستان مستقلة، وهذا هو السبب الرئيسي في أن هذا الاسم كان محظوراً في تركيا. خلال ذروة الكمالية، مجرد ذكر كلمة كردستان كان بمثابة خلق الفتنة في كثير من الأحيان، ويؤدي إلى الحكم بالسجن في كثير من الأحيان. يشرح الدكتور هيوستن، أنه يعود ظهور اسم كردستان لأول مرة إلى إنشاء إمبراطورية السلاجقة التي أسست مقاطعة وأطلقت عليها تسمية “كردستان”، وذلك في منتصف القرن الثاني عشر. هذا وإن نطاق الأراضي التي شملتها وتشملها كردستان قد تذبذب تاريخياً، ولكنه كان ولايزال في الغالب تقع في المنطقة الجغرافية الواقعة على المنطقة الجبلية عند التقاء حدود كل من العراق وإيران وسوريا وتركيا. وقد استغل الكرد السوريون من مؤيدي حزب الاتحاد الديمقراطي وفروعهم العسكرية: وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ) بطريقة مذهلة الحرب السورية، لتحرير ما يسمونه بـ”روجآفا” أي غرب كردستان باللغة الكردية.

شرع حزب الاتحاد الديمقراطي في تطبيق أفكار بوكشين في ثلاثة أقاليم أسمتها “كانتونات” في شمال سوريا على الحدود التركية – الجزيرة وكوباني وعفرين – وذلك بعد أن اضطرت الحكومة المركزية السورية إلى التخلي عن المنطقة للتركيز على القتال ضد المتمردين الجهاديين، أو بالأحرى الإرهابيين في أجزاء أخرى من البلاد. وقد أصبحت تلك الكانتونات موطناً لما يقارب 4.6 مليون شخص – بما في ذلك 2 مليون من الكرد السوريين، وكذلك مجموعات صغيرة من العرب والتركمان والسريان والأقليات العرقية الأخرى. وقد أسقط الكرد رسمياً تسمية روجآفا في عام 2016، اعترافاً بالطبيعة المتعددة الأعراق للمنطقة والتزامهم بالحرية للجميع، وليس فقط للشعب الكردي.   

إن روجآفا الواقعة على الحدود التركية السورية، هي شوكة في حنجرة الرئيس. وهكذا، فإن وجود جيب مستقل أو شبه مستقل يسيطر عليه الكرد، ليست مجرد لعنة لسياسة حزب العدالة والتنمية، بل قد يؤدي أيضاً إلى إعاقة حركة تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية نحو مشروع “إحياء الخلافة”. نتيجة لذلك، عقدت تركيا العزم على التدخل في شمال سوريا وقضم أي مشروع غير إسلامي والقضاء عليه في مهده. لقد أثار إعلان ترامب المفاجئ دهشة العالم في الوقت الذي لا زال مصير الكرد معلقاً. وقد خرج كل من الرئيس الأمريكي ومستشاره للأمن القومي ووزير الخارجية بتصريحات متناقضة ومضطربة، وفي 11 يناير/كانون الثاني 2019، أصدر التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة البيان التالي: “إن القوات الأمريكية بدأت عملية انسحابها من سوريا، وانطلاقاً من الاهتمام بعملية الأمن، فإننا لن نناقش مواعيد زمنية محددة أو مواقع و تحركات القوات”. في اليوم نفسه، كتب الدبلوماسي والسياسي التركي ياشار ياكيش أنه من المعروف أن “وحدات حماية الشعب لديها ما بين 20 إلى 30 ألف مقاتل، بما في ذلك وحدات حماية المرأة. هل ستعمل تركيا على ’تحييد ‘كل هؤلاء الـ30 ألف مقاتل؟ ثم ماذا يعني ’تحييد ‘؟ في اللغة العسكرية التركية ’تحييد ‘يعني القتل أو الإعدام. وإن كان كذلك، هل يعتبر هذا هدفاً واقعياً؟”. . . يبدو أنه في الأسابيع القادمة ستتوضح الأمور وستظهر بعض النتائج، كما أنه ربما يظهر شيء نتيجة التفاعل المستمر بين الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل وتركيا.

لكن يبدو أن الرئيس كزعيم للإسلام السني، ملزم باتخاذ إجراءات في سوريا. . . وما سيحدث بعد ذلك، يبقى سؤالاً مفتوحاً.  

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here